عواقب ذبح المصريين… «هي أشياء لا تشترى»

كانت ليلة ليلاء.. كنت قررت ألا أرى الفيديو مكتفيا بما أصابني من مجرد تخيله، لكنني فوجئت بإحدى القنوات المصرية التي لا علاقة لها بمهنة الإعلام تبثه كاملا. وكأنني أصبت بالشلل. لم أستطع أن أغمض عينيّ أو أطيح بالقناة من على الشاشة.
كانت ملامحهم المصرية قوية وكأنها منحوتة من الجرانيت الأسواني الذي لا يهزمه الزمن. بهرت من رباطة جأشهم وإصرارهم على مواجهة الموت في كبرياء. كانوا أكثر شجاعة وتماسكا منا جميعا، بل ومن القتلة الجبناء المتخفين وراء أقنعتهم وخطابهم الإسلامي الممجوج المثير للاشمئزاز. نعم ليست هذه الجريمة الأولى لهذا التنظيم الإرهابي، ولن تكون الأخيرة. لكن لن يمر وقت طويل قبل أن يدرك أولئك الإرهابيون حجم الخطيئة التي ارتكبوها هذه المرة بحق أنفسهم قبل أن تكون بحق البشرية والمصريين.
ولم يكن لديّ شك عندما رأيت المشهد الدراماتيكي الختامي للفيديو بتحول مياه البحر الأبيض للون الاحمر، إنهم كتبوا مصيرهم بأيديهم. وبالفعل ما كان الصبح ليطلع، وما كانت مصر لتنام، وما كان النظام ليبقى ايضا من دون ثأر. وحسب العادات الصعيدية العتيدة ما كان أهالي الضحايا في محافظة المنيا ليقبلوا عزاء قبل الرد العسكري، بل أن بعضهم مازال يرفض إقامة سرادق عزاء حتى الآن. على الرغم من أن رئيس الجمهورية توجه الى الكنيسة بنفسه لتقديم العزاء في سابقة تاريخية، كما توجه رئيس الوزراء إلى المنيا معزيا بعد أن قرر صرف تعويض غير مسبوق قدره مئة ألف جنيه لاسرة كل شهيد. لكنها اشياء لا تشترى، ولولا التقاليد لألقوا بالنقود تحت قدميه. وهم الفقراء الذين بعثوا أولادهم إلى الموت طلبا للقمة عيش. ولمن لا يعرفون محافظة المنيا، وكما رأيتم في الفيديو، فإن ابناءها يفضلون الموت على الذل، واذا تعاملت معهم وجدتهم أطيب خلق الله، حتى اذا جرحوا في كرامتهم أو شرفهم أو دمائهم، وهيهات ان يتركوا ثأرهم، بل أن بعض معارك الثأر العائلية والقبلية استمرت عندهم لنحو نصف قرن. أما لماذا ذبحوا فلأنهم مصريون وليس لكونهم من الاقباط. كما أصر البعض في تكريس للرسالة الطائفية التي أراد الإرهابيون أن يبعثوها بقتلهم.
إنها مجرد حلقة من مسلسل الحقد والكراهية والعنف الذي أطلقته تلك الجماعات الارهابية ومن والاها ضد المصريين، داخل مصر وخارجها، انتقاما لإطاحة الجيش لحكم الإخوان. لكن اولئك الارهابيين، ومن حيث لا يدرون قدموا أكبر خدمة للسيسي، بل الواقع هو ان تلك المجزرة كانت من الناحية السياسية أفضل ما حدث للنظام الحاكم منذ شهور. وبعد ان كانت شعبية السيسي تتراجع بشكل سريع، خاصة في الاسابيع الاخيرة، بات المصريون في تلك الليلة على قلب رجل واحد، وقد تحولوا جميعا إلى صعايدة، وأقباط، ملتفين حول السيسي، وحتى تضع الحرب أوزارها بفناء أولئك المجرمين. وبعد أن كانت مصائب وكوارث من نوع التسريبات ومقتل المشجعين والمتظاهرين السلميين وانتخابات البرلمان تتصدر المشهد السياسي والإعلامي، أصبحت الأجندة تقتصر على بند واحد اسمه القضاء على «داعش».
إنه المنطق نفسه الذي يفسر الالتفاف حول الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، إبان كارثة هزيمة عام 1967، الذي يجعل إسرائيل العدو عند المصريين الى يوم الدين. ولن يتقاعس النظام عن استغلال هذا الغطاء من الشرعية والشعبية لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية، تماما كما يحاول خصومه أن يفعلوا حاليا.
إنها الحرب فرضها الارهابيون على ثلاث جبهات متوازية، وسينالون ما ارادوا. فالمصريون ليسوا غريبين عن الحروب، بل يصعب ان تجد عائلة مصرية لم يعد اليها احد ابنائها شهيدا في صندوق خلال خمس حروب مع اسرائيل. وليسوا غريبين عن محاربة الارهاب، بل خاضوا مواجهة مع الجماعات الارهابية استمرت لاكثر من عشرين عاما، أوقعت اكثر من ألف قتيل، بينهم الرئيس الراحل أنور السادات، لكن الإرهابيين عجزوا عن تحقيق أي مكسب سياسي من ورائها، بل أنها كانت أحد أسباب طول بقاء نظام المخلوع حسني مبارك.
لقد ارتكب الارهابيون خطأ فادحا في الحساب عندما ظنوا أن الدم المصري أرخص من الدم الأمريكي الذي تشكل من اجله تحالف دولي يشن غارات يومية في العراق وسوريا. فهؤلاء الأجانب يعدون الايام ليخرجوا من هذا المستنقع الكبير المسمى بالشرق الاوسط. أما الصعايدة المغروسون في هذه الارض منذ فجر البشرية، واستعصوا على دول عظمى احتلت مصر عبر التاريخ، فلن يتركوا دماءهم إلى أن تقوم الساعة، وإن ادى هذا إلى اشعال المنطقة باكملها ناهيك عن تبديل توازنات إقليمية… إنها اشياء لا تشترى. إلا ان ثمة اسئلة مشروعة لا يمكن ان يتهرب النظام من الاجابة عنها:
اولا: لماذا لم يؤمن ممرا آمنا، أو جسرا جويا لترحيل المصريين من ليبيا طوال الشهور الماضية، وهو يرى الجماعات الارهابية تهيمن على أقاليم باكملها وتقيم المعسكرات، بل والولايات والدويلات بما في ذلك المدن القريبة من الحدود المصرية؟
ثانيا: الا يتحمل النظام المسؤولية عن تحول مئات الالاف من المصريين الى رهائن في ايدي الجماعات الارهابية حاليا، بعد قيامه بالرد العسكري، خاصة أن بعضهم أصبح يتعرض لتهديدات بالقتل إن لم يرضخ لطلبات الارهابيين بالخروج في مظاهرات ضد السيسي؟
ثالثا: هل يملك النظام رؤية سياسية موازية للعمل العسكري يمكــــن أن تؤمن نوعا من استيعاب الوضع المنفلت فـــي ليبـــيا ولو مرحليا حفاظا على أرواح المصريين هناك.
وأخيرا ورغم الدعم الشعبي الواسع لخيار الحرب، فإن دور القيادة السياسية أن تكون قوة مرشدة للاندفاع العاطفي وليس مجرد تابع لها. ولنذكر أن القيمة الحقيقية لأشد الاسلحة فتكا هي في التلويح بها وليس في استخدامها.
إنها حقا اشــــياء لا تشترى، كما قال الشاعر الصعيدي أمل دنقل الذي فضل أن يموت في مستشفى بائسا على أن يستجدي حياته بأن يعالجه السادات في أفخم المستشفيات.

٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»

خالد الشامي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية