المصوّر العراقي يمام نبيل: مشاريعي الفنية موجهة للناس وليست للسياسية

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: تحت عنوان (بانتظار الوقت: عوالم مشتركة) يقيم الفنان العراقي يمام نبيل ـ مواليد بغداد 1976 والمقيم في لندن منذ 1992 ــ معرضه الفوتوغرافي في دبي، الذي يُعد استكمالاً لمعرضه الأول المعنون بـ(في انتظار الوقت) الذي أقامه العام الفائت، وفق الفكرة نفسها، التي اتسعت لتشمل العديد من الشخوص من أصحاب الجنسيات المختلفة، وذلك في ما يُقارب الـ 30 صورة فوتوغرافية.
تقوم فكرة المعرض على لقطات مختلفة لعدة شخصيات، لكل شخص لقطتان، أولاهما ملونة بكاميرا ديجيتال حديثة، والأخرى بكاميرا موديل الستينيات، وبالطبع بالأبيض والأسود. مع ملاحظة أن حجم اللقطتين يكاد يتقارب في كل منهما، لقطة واسعة للشخصية وما يحيطها من مكان. كذلك لم يتخل الفنان عن حسه السردي، وإتاحة الفرصة للمتلقي أن يتخيل حياة هؤلاء، كيف كانوا وكيف أصبحوا بعد حالة العزلة التي عاشوها خلال فترة الوحدة التي فرضتها جائحة كورونا.
من ناحية أخرى يلعب نبيل على فكرة الانتظار، وكيف تستقبل هذه الشخصية أو تلك هذه الحالة المُمتدة، التي تقترب من نهايتها الآن، إلا أن اللافت في اللقطات المتتابعة أن الشخصية رغم عالمها (الملون) تصبح الخلفية ضبابية ـ يتم استخدام عدسة طويلة البُعد البؤري ـ فاللحظة الآنية، التي لم تزل تنتسب إلى ماض قريب، لا يمكن التكهن معها بعودة الحياة كما كانت في السابق، حالة من الشك تؤكدها الكاميرا وتقنية التقاط الصورة. وعلى العكس تأتي الصورة (الأبيض والأسود) لتصور الشخصية نفسها في ماض بعيد ـ دلالة أكثر حقيقة ـ هنا تصبح تفاصيل الصورة واضحة بالكامل، هناك حالة من الترابط بين الشخصية وما يحيطها، بحيث يبدو عالمها متوافقا معها وغير منفصل عنها.
عن هذا المعرض ورؤية نبيل الفنية كان الحوار الآتي..

□ بداية.. ماذا عن الفكرة وكيفية معالجتها فنيا؟
■ الفكرة نشأت من خلال الحالة الغريبة التي عاشها الناس خلال الإغلاق العام لجائحة كورونا، وهي حالة غريبة واجهها الناس جميعاً لأول مرة. كنت أبحث عن (طبيعية) الحياة الواقعية التي فقدت، من خلال الفرد الذي هو في حالة حصار اجتماعي وعزلة ومعاناة نفسية. كنت أسجّل بالصورة الوحدة البشرية ويومياتها، خاصة بالنسبة للأوروبيين الذين يعيشون في مجتمعات مستقرة وصاخبة في الوقت نفسه. كنت أبحث عن مشاعرهم وأحاسيسهم في حالة وباء أغلق عليهم الحياة، وكذلك خضوعهم للأوامر والتقييدات التي فرضتها الحكومات من أجل السلامة العامة، وفي الوقت نفسه، تأثير انعدام التواصل وأثر التباعد والتوصية الصحية الحكومية العالية النبرة.. «ابقوا في بيوتكم». إذن، هناك مفارقة وهي انتظروا في بيوتكم وفي الوقت نفسه إدراك الواقع الجديد، حيث الإنسان ينتظر وحيداً على كرسي أمام الباب، أو في الشارع قرب البيت. لذلك استخدمت كاميرات قديمة وأفلام الأسود والأبيض للتعبير عن وحشة الواقع.

□ ما مدى تدخل تكنولوجيا التصوير في البوريتريهات؟
■ منذ عشرين سنة تقريباً أصبحت كاميرا الديجتال شائعة، وسهّلت عملية التصوير لدى كل فرد، لكنها في الوقت نفسه، قللت القيمة الفنية التذكارية للصورة. هناك عدد قليل يقوم بطبع الصورة على الورق ويعود إليها بين فترة وأخرى. أصبحت الصور في الهواتف الذكية بينما كل ذكرياتنا العائلية وذكريات الطفولة تكمن في الصورة المطبوعة على ورق التصوير. فكنت أعمل على أن يكون الوقت بطيئاً، بحيث نستطيع تقدير قيمة كل مشهد فوتوغرافي. إن الأسود والأبيض هنا أصل الصورة، أما الديجيتال فهو معلومات على قرص.

□ وكيف كانت الرؤية لتحويل فعل الانتظار إلى عمل فني من خلال الألوان؟
■ قدّرت المرحلة الجديدة للناس من خلال وحدتهم، حيث أصبحت الوحدة قانوناً لعدم الاختلاط.. أصبحت نوعاً من عزلة الفرد في العالم. فالوحدة والانتظار هما (انتظار للوقت). الوقت الذي لم نكن نعرف متى ينتهي، أي أن يأتي الوقت للعودة إلى الحياة الطبيعية مرة أخرى. كان الجميع فرادى ينتظرون وقتا آخر جديدا. إن تصوير هذه الفكرة يعني توثيق الفراغ الهائل الذي يعيش فيه الإنسان في ظل الجائحة. الشوارع كانت فارغة، فطلبت مِمَن صورتهم أن كل واحد بمفرده عليه الاختيار الوحيد المتاح أمامه، وهو الجلوس منفردا في فراغ العالم.

□ ولماذا بدت الخلفيات أكثر وضوحاً في الأسود والأبيض؟
■ وضوح الخلفيات هي طريقة لتصوير الواقع دون تدخل، لذلك فالتكنولوجيا تضبب الواقع، أي تجعل الفرد دون محيط، لذلك اخترت الأسود والأبيض لإبراز الخلفية باعتبارها ما وراء الفرد، أي محيطا آخر.

□ وكيف تم التعبير عن الواقع وإدراكه من خلال الفوتوغراف؟
■ تم تصوير المشروع في ثلاثة بلدان خلال وقت الجائحة في مراحل مختلفة. فكما تطورت سلالات كورونا تطورت مراحل مواجهتها. (لندن) كانت البداية، حيث الغموض يلف المدينة، ثم (برلين) حيث توسعت معارفنا عن الجائحة. أما (دبي) فكانت تعني تقريباً نهاية الجائحة، فصورتها بالألوان. فمثلما تغير الإدراك تغير الواقع الذي أصبح عيشا مشتركا للبشر.

□ وما أوضح السمات في تجربتك بين المدن، خاصة العربية؟
■ كل مدينة تضم تنوعاً مختلفاً، سواء في تنوع مجتمعها أو تنوع الطبيعة والظروف، لكن لكل مدينة ثقافتها ورموزها الخاصة. لندن مدينة تجارية واقتصادية، برلين تعتبر مدينة ثقافية في أوروبا، دبي تعتبر من المدن العالمية الجديدة التي تحتوي على صفات وسمات مختلفة وحديثة وكونها جاذبة للناس من مختلف أطراف العالم.

□ الانتظار في ظل الجائحة.. هل يمكن استكمال المشروع كوجهة نظر سياسية خاصة بالنسبة للعراق والأرض المحتلة؟
■ كل مشروع له وقت وظروف. يمكن أن تكون المشاريع الثقافية ذات محتوى سياسي غير معلن، لكنني لا أريد توجيه محتوى سياسي. فالفن لا يصرخ سياسياً، وإنما يقدم رؤية من داخله، لأن مسؤولية الفن مسؤولية تجاه الناس جميعاً، وليس تجاه السياسيين، فمشاريعي موجهة للناس كونها فناً وليست مشاريع سياسية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية