«من قتل يوسف بيدس»؟ مسرحية لبنانية تعتمد «التجهيز التفاعلي»

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي»: في مركز بيروت للفن كانت استعادة لسيرة رجل الأعمال والمصرفي الفلسطيني يوسف بيدس. الأسئلة عينها التي طُرحت سنة 1966 حين أفلس بنك انترا اللبناني بعد ازدهار غير مسبوق، أعيد طرحها. سيرة مصرفية كان لا بدّ من محاولة تفكيكها من جديد، وهذه المرة أمام جيل جديد سمع بالأزمة المصرفية السابقة، ويعيش أزمة مصرفية جديدة بمقاييس مختلفة عمّت كافة المصارف وطالت كافة حقوق صغار المودعين. انهيار بنك انترا بعد نجاح باهر ولافت عربياً ودولياً ليوسف بيدس (1912- 1968) قد يتشابك في منطق اقتصادي ما مع ما نحن فيه الآن. وإذا كان يوسف بيدس قد مات في سويسرا بعد سنتين متأثراً بما حلّ بسيرته المصرفية، فإن حيتان المال والسياسة في لبنان يسرحون ويمرحون ويلهون، وأموال المودعين مسروقة ومهرّبة إلى سويسرا.
«من قتل يوسف بيدس؟» هو العرض المسرحي أو بالأحرى «التجهيز التفاعلي» في مركز بيروت للفن يطرح اسئلة ويقرأ في حركة توسُّع النيوليبرالية، وفي انهيارنا الحاضر. عرض ليس مسبوقاً لجهة استفادته من التجهيز والتحديث، دون استناد بالمطلق على أي من كلاسيكيات المسرح. عرض يبدأ من الصالة الفسيحة، حيث تتدلّى من سقفها قماشة طولية دونت عليها باللغة العربية سيرة المصرف تعريفاً ومهمات. ومن ثمّ سيرة يوسف بيدس الذي عمل في بداية حياته في بنك باركليز سنة 1933 في القدس، مسؤولاً لقسم التسليفات. وهو المنصب الأعلى الممكن للفلسطيني في ظل الإحتلال البريطاني. وسنة 1943 صار مديراً للبنك العربي المحدود في القدس، ومن ثم مديراً عاماً. بعد نكبة سنة 1948 أسس يوسف بيدس في لبنان مع أصدقاء من فلسطين، شركة صيرفة بمبلغ قدره 12 ألف ليرة. وكان رأسمال هذه الشركة يتجدد ست مرّات في اليوم. أما العنوان البرقي لمكتب الصيرفة «إنترناشيونال ترايدرز» فكان بنك انترا الذي أسسه سنة 1951، وظلّ أكبر مؤسسة مصرفية حتى افلاسه سنة 1966. افلاس اُستتبع بخيبات، وحزن، ونوبات عصبية وقلبية، وهزائم وافقار.
ومن تلك الصالة وقبل الدعوة لدخول صالة العرض، عرّف صوت انثوي بالعمل المسرحي، ومن ثمّ دخل الـ24 متفرجاً مع بطاقاتهم التي تحمل أرقاماً من 1 إلى 24 وجلسوا متقابلين إلى طاولة مستطيلة سوداء. أمام كل منهم مُغلّف ورقي، وهواتف ارضية مغرقة في عتقها. يصلنا صوت كريستيل خضر الكاتبة تحكي سيرة المصرف ووعوده «بغد أفضل». في المغلّف الورقي أوراق مستطيلة تشبه السندات حمّلتها كريستيل خضر بعضاً من عواطفها، ومنحتها صفة سندات قصيرة، أو متوسطة أو طويلة الأجل. ومن تلك العواطف – في سندات المتوسطة الأجل «راح حيكْلَك شال صوف لونه زهر وأزرق».
مزجت كريستيل خضر في المسرحية بين الاستثمار العاطفي والاستثمار الاقتصادي. تحدّثت عن الثروة، وإعادة التوزيع لتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية. حاولت إيجاد رابط ما بين التوسع الرأسمالي وتأثير نظرياته على الحب. طرحت المشاعر كسندات للدين. والاستثمار بعلاقة الحب. أليس الحب شركة؟ سألت بصوتها المسرحي الدرامي والتهكمي. واستنتجت أن الحب تبادل والتبادل تجارة. فخلصت الى صوابية النظرية التي طرحتها.
بعد سردية اقتصادية ومقارنات واستنتاجات مرّت على لبنان ماضياً «بلد الملذات المصرفية»، انتقال إلى واقعنا الراهن وما يساويه الحد الأدنى للأجور؟ يساوي ورق تواليت لشهر. أما ساعة العمل لأستاذ جامعي فتساوي قالب جبنة قشقوان. وهلم جراً.
التجهيز التفاعلي الذي أحاط به الحضور الـ 24 أشركهم في اللعبة. استدانوا واستثمروا وتبادلوا السندات، وأسقطوا بعضها أمامهم في فُتحة مضاءة بالأحمر في منتصف الطاولة، وكأنها صندوق بريد، بعد الفشل في دخول عالم المال والمصارف والسندات.
عمل مسرحي استغرق بحثاً اقتصادياً، وتفكيراً في كيفية اسقاط الماضي على الحاضر الذي نعيشه، ومسرحته بحيث يكون جذاباً لمن يمقتون المصارف والاقتصاد.
وإن كانت غالبية الناس تردد بأن أزمة بنك انترا مؤامرة. فالعرض التفاعلي قال أن يوسف بيدس أوصى من سويسرا بأن يخبروا عن لسانه: «قولوا للبنانيين يوسف بيدس مش حرامي» ومات. والسؤال من سيقنع اللبنانيين حالياً بقداسة جمعية المصارف والحاكم، والسياسيين؟ حتى وإن حلفوا جميعهم على الكتب السماوية جميعها.
كريستيل خضر وجدت الحل السحري والدائم للبنانيين «راح نوعد حالنا إنّو ننسى كل شي صار.. تنقدر نكمل». ووزعت هذا الحل مُسقطاً من فوقنا، شبيه بفاتورة الشراء الورقية.
أنجزت المسرحية كريستيل خضر والفريق الذي تعاونت معه عملاً مميزاً مشغولاً وفق منطق ورؤية مسرحية جديدة. أعدّ السينوغرافيا نديم دعيبس.
وصمم الصوت زياد مكرزل، وصممت الغرافيكس فيليبا دحروج. وأدار الإنتاج وليد صليبا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية