باريس ـ «القدس العربي»: مدفوعين بالحاجة الملحة إلى مصادر طاقة جديدة بديلة عن تلك التي يستوردونها من روسيا والرغبة في زيادة الإنتاج والتوزيع في السوق النفط العالمي ما يسمح بخفض أسعاره، حاول الأوروبيون مجدداً هذا الأسبوع فك شفرة المحادثات الرامية إلى إحياء الاتفاق النووي الإيراني بعودة واشنطن إليه مقابل رفع العقوبات عن طهران، عبر تنظيم الاتحاد الأوروبي لجولة مفاوضات جديدة غير مباشرة بين الأمريكيين والإيرانيين احتضنتها هذه المرة العاصمة القطرية الدوحة على مدى يومين. غير أن هذه المحاولة الأوروبية الجديدة باءت بالفشل، وسط اتهام الجانبين الأمريكي والإيراني بعضهما البعض.
إنريكي مورا، وسيط الاتحاد الأوروبي في المفاوضات الرامية إلى إحياء الاتفاق النووي الإيراني، عبر عن أسفه من أن المُحادثات، التي وصفها بأنها «مكثفة» لم تسفر عن التقدم الذي كان الاتحاد الأوروبي يأمله. لكن الدبلوماسي الإسباني شدد على أن الأوروبيين سيواصلون العمل بإلحاح أكبر لإعادة اتفاق رئيسي لعدم الانتشار والاستقرار الإقليمي إلى مساره الصحيح.
الحرس الثوري
اجتماعُ الدوحة كان مدفوعاً بالزيارة التي قام بها مسؤول السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، إلى طهران، بهدفِ تحريك مفاوضات فيينا المتوقفة منذ ثلاثة أشهر. وخلال هذه الزيارة، اتفق رئيس الدبلوماسية لدى الاتحاد الأوروبي مع نظيره الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، على استئناف المحادثات بشأن الملف النووي الإيراني «في الأيام المقبلة». وأوضح بوريل أثناء هذه الزيارة إلى طهران، نهاية الأسبوع الماضي، أن الهدف منها يتمثل بشكل أساسي في كسر الديناميكية الحالية، أي «ديناميكية التصعيد» وكسر الجمود في المحادثات، بعد تعليق دام قرابة أربعة أشهر.
بالنسبة لبوريل، فإن إحدى العقبات الرئيسية أمام المفاوضات هي «العداء» بين إيران والولايات المتحدة. لكن العقبة الكبرى في الوقت الحالي تكمن في مسألة إزالة الحرس الثوري الإيراني من قائمة وزارة الخارجية الأمريكية للجماعات الإرهابية، والتي تعد مطلباً رئيسياً لا يبدو أن طهران ستتراجع عنه ولا الولايات المتحدة ستنفذه كما غيره من عقوبات أمريكية تطالب إيران برفعها فيما تحصر واشنطن موضوع رفع العقوبات بما يتعلق بالشأن النووي، كما يقول لـ«القدس العربي» المحلل السياسي الدكتور محمد كلش، مضيفاً أنه «من الواضح أن الخيار الإيراني بعدم تقديم تنازلات يستند إلى أمرين: الأول هو حاجة السوق الغربية إلى الطاقة الإيرانية. والثاني، هو أنه بعدم التوصل إلى اتفاق تربح إيران وقتاً أطول في تخصيب نسبة أكثر من اليورانيوم». علاوة على موضوع الحرس الثوري، طالبت إيران بضمانات قانونية بأن تكون الإدارات الأمريكية المستقبلية ملزمة بالتزامات الاتفاقية، التي يرفضها الجمهوريون. لكن الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر هذه المطالب غير واقعية.
ورقة الطاقة
في موازاة ذلك، يرى محللون ومختصون أوروبيون في الشأن الإيراني أن النظام في طهران وجد في الحرب التي تشنها روسيا على أوكرانيا ضالته، وبات يعول على تدهور جذري في الوضع الاقتصادي على المستوى العالمي، حيث تعتبر التوترات العالمية في سوق النفط فرصة لطهران كي تضغط من أجل رفع العقوبات عن الخام الإيراني، الأمر الذي من شأنه أن يدفع الغرب إلى أن يكون أكثر مرونة حيالها. وهذا ما يفسر، حسب المحللين، الخطوات الإيرانية ما بعد الحرب الروسية ضد أوكرانيا، بدءاً برفضها الموافقة على قرار الأمم المتحدة ضد الهجوم الروسي، معتبرة أوكرانيا «ضحية سياسات الولايات المتحدة المزعزعة للاستقرار».
وتوقع السفير الروسي ميخائيل أوليانوف، الذي كان يتحدث دائماً عن «دور موسكو البناء في المفاوضات الدبلوماسية» على حسابه على تويتر، توقع تأخيرا في إبرام الاتفاق النووي الإيراني لأن بعض التوقعات «لم تتحقق». ليتبعه رئيس الدبلوماسية الروسية سيرغي لافروف، الذي تعرضت بلاده لعقوبات غربية بعد غزوها لأوكرانيا، بالمطالبة بـ«ضمانات مكتوبة» حتى لا تؤثر العقوبات الأمريكية على «التعاون مع إيران». نتيجة لذلك، أعلن جوزيب بوريل عن وقف المحادثات الرامية إلى إحياء الاتفاق النووي الإيراني «بسبب عوامل خارجية». ومع ذلك، أوضح رئيس الدبلوماسية في الاتحاد الأوروبي، أن النص النهائي «شبه جاهز وعلى الطاولة». وبالفعل، وقتها، أي في آذار/مارس الماضي، كان الدبلوماسيون الأوروبيون يتحدثون عن اتفاق وشيك، بعد أحد عشر شهرا من المحادثات التي انطلقت في فيينا عام 2021 بين إيران والقوى الكبرى (روسيا والولايات المتحدة والصين وفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا) قبل أن تتعثر المحادثات بعد ذلك، وسط اتهام الإيرانيين والأمريكيين بعضهم البعض بعرقلتها.
وأمام ما يشبه حوار الطرشان هذا بين طهران وواشنطن، يرى مراقبون أن الاتحاد الأوروبي استنفد تقريباً كل أوراقه مع إيران في ظل تصلب موقفها حيال شرطي رفع اسم الحرس الثوري من قائمة الإرهاب الأمريكية وإلزامية احترام أي اتفاقية جديدة. بينما يبقى هناك هامش للمناورة بالنسبة له مع الجانب الأمريكي، حيث يرى المسؤولون الأوروبيون أن وجود جو بايدن في البيت الأبيض يمثل فرصة لإحياء الاتفاق النووي، كون موقف الديمقراطيين يعد تاريخيا أقل تصلباً من موقف الجمهوريين. وفي المقابل، أيضا يبدو أن الأمريكيين يتمسكون بالدور الأوروبي، آملين في أن ينجح في الحصول على تنازلات من الإيرانيين، الذين يعتبرون، من جهتهم، أن أوروبا (فرنسا وألمانيا بالإضافة إلى بريطانيا) هي الضامنة للاتفاق النووي الأول الذي انسحبت منه الولايات المتحدة عام 2018 في عهد الرئيس الجمهوري دونالد ترامب، وقد تكون الضامنة لأي اتفاق جديد إذا استطاعت إقناع الولايات المتحدة الأمريكية.
بين هذا وذاك، عبر مسؤولون غربيون كبار عن شكوكهم بشأن إحياء الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 فيما اعتبر الاتحاد الأوروبي أنه «قد لا يعبر خط النهاية» وذلك على لسان سفير الاتحاد لدى الأمم المتحدة، أولوف سكوج، والذي قال خلال اجتماع لمجلس الأمن الدولي، عقب مباحثات الدوحة: «نحن قلقون من أننا قد لا نتجاوز خط النهاية. رسالتي هي: اغتنموا هذه الفرصة لإنجاز الصفقة، بناءً على النص المطروح على الطاولة».