في كتاب «خارج المنهج- مقاربات ثقافية للأدب والنقد» لمحمد الشحات هناك محاولة جادة لتحويل الثقافة إلى جزئية فاعلة، حيث تبدو عنصرا حيويا من عناصر الفن والإدراك، فالثقافة توالد دائم في شكل دوائر متداخلة أو متقاطعة مشكلة في النهاية ملامح أو مناحي معرفية تأخذ شكلها الكلي والجزئي في انفتاحها على السابق وارتباطها بطور الإرجاء الحتمي بالقادم، دون أن يتوقف صاحب الكتاب عندها بالحديث بشكل تراتبي عن تجليات الفكرة، فهو فقط مهموم برصد استمرار تمددها ووجودها فاعلة متخطية حدود المكان والزمان.
يشتبك الكتاب في جزئياته الأولى المحتشدة مع إشكالية – وأظنها لا تزال- مؤرقة لكثيرين من أصحاب الاهتمامات المرتبطة بالنظرية والمنهج، تتمثل هذه الإشكالية في الحدود الزلقة بين المنهج والنظرية في العقود الأخيرة، خاصة في ظل سيادة وهيمنة نظريات ما بعد الحداثة التي حاولت أن تسدّ العيوب أو تجسّر الهوة بين فلسفة البنيوية والمناهج التي سادت في إطارها من جانب والسياقات الحضارية والمرجعية الثقافية من جانب آخر. في إطار ذلك تلوح في معظم جزئيات الكتاب مناح تتعاظم على قيم الثبات والتحديد والانغلاق والاكتمال، لتحلّ محلها الحركة والتشتت والانفتاح والنقصان فيما يخص مجال الاشتغال والاهتمام وطبيعة المقاربة والتناول بوصف السمات الأخيرة هي السمات المعبرة عن تلك الفترة وما يتجاوب معها من أسس نظرية ومنهجية.
الفكرة الأساسية التي يلحّ عليها الكتاب – وحاول جاهدا صاحبه أن يظلّ وفيا لها – هي التوالد أو التجلي المستمر للمنهج، فكل مقاربة منهجية لمنهج محدد تعني – في الوقت ذاته – ولادة جديدة، تنطلق منها، وتؤسس براحا أو تمددا جزئيا لتحريك أو لإعادة تشغيل منطلقاته، فالمنهج في ظل ذلك التوجه كائن حيّ، وليس ثابتا أو جامدا في أسسه. مع نظريات ما بعد الحداثة وتعددها اللافت للنظر بشكل آني، وليس متتابعا كما هو معهود، أصبحت المناهج التي تتوالد في ظل منطلقاتها زلقة في تلبسها وتداخلها مع النظرية.
من الثبات إلى الحركة وانفتاح الآفاق
تتحوّل إجراءات المنهج في هذا الكتاب بقسميه (قراءات ثقافية) و(هوامش ثقافية)، من كتل صمّاء ساكنة إلى أشكال طيّعة مرنة يمكن إعادة تشكيلها مرة بعد أخرى، فهي لارتباطها بجدل الثقافي تتحوّل إلى ترسبات يمتصها تكوين الناقد دون أن يعي – على نحو دقيق – الكيفية التي تشكلت بها، أو العمليات التفاعلية الداخلية التي قادته إلى الوقوف عند نص يؤشر أو يكوّن ملمحا أو نسقا ثقافيا. فهي مقاربات- نظرا لانطلاقها من فكرة الترسبات المنهجية والثقافية – تحاول التعاظم على الحرفي والإشاري في تفعيل الإجراءات المنهجية، وتستبدلها بمقاربة تذيب هذا الحرفي والإشاري في التحامها بالمناحي المعرفية التي يصنعها ويشكلها العمل الأدبي بوصفها نتاجا ثقافيا منفعلا وفاعلا في الآن نفسه. فالكتاب – باستثناء الجزء النظري الأول الذي يحتوي على قدر كبير من الاحتشاد لتجلية الفكرة – يدور حول شكلين من المقاربة، الأول يرتبط بالقراءة النقدية الموسعة إلى حد ما، وهي قراءة- وفقا لارتباطها بفاعلية الثقافي وحضوره- مشدودة لمعاينة الشبيه والنظير في تجليات وصور سابقة، والأخير يرتبط بالمتابعة النقدية البسيطة التي أسماها (هوامش).
في الشكلين السابقين هناك إصرار على تصوير وتمرير الثقافي، بالرغم من كونه في أحيان قليلة ليس واضحا أو حاضرا بشكل لافت إلا في إطار المقولة التي جعلها منطلقا في قسم من أقسام الكتاب، حيث يعتبر كل فعل كتابي أو قرائي يمثل جزءا من أنساق الثقافة على اختلاف حضورها وتجليها. ففي هذا الكتاب يجد القارئ نفسه أمام مقاربة نقدية بشقيها (القراءة والمتابعة) تمتص آليات المنهج وإجراءاته، فيتحول إلى ممارسة مغايرة تُغيّب من ظهور الإجراءات المنهجية، ولكن تتبقى ترددات لفظية تحيل إلى وجوده وحضوره، صحيح أن بعض هذه الترديدات تأتي مشمولة بالتعمد، لكنها ضرورية على أية حال في إسدال نوع من الانتساب.
يعطي الكاتب نفسه مساحة من الحرية لتفعيل الثقافي وأثره في قراءة المنجز الكتابي بأنواعه المختلفة، ولهذا نجده مهموما بتجليات الفكرة دون أن يلزم نفسه بحدود منهجية صارمة تصبح مكبلة في معظم الأحيان، فالفكرة بحركتها وتشكلها داخل الثقافات المختلفة تحيل المنهج إلى حركة دائمة، وترمّم تصحره، ومن ثمّ تعيد تشكيل إجراءاته في كل مقاربة على حدة. ففي دراسته (تمثيلات الديستوبيا في الرواية الجديدة) لا يتوقف بشكل مباشر عند مجال الاشتغال المحدد، وإنما يعيدنا إلى تجليات سابقة لتشكيل الفكرة في إبداعات سابقة، متخطيا حاجز اللغة وحاجز الزمن وحاجز النوع الأدبي، مستندا إلى أن أية فكرة لا تنبت من فراغ، وإنما الإبداع طبقات معرفية متتالية معرضة للحذف والإضافة المستمرة. فنراه يبدأ من «الأرض الخراب» لإليوت للإشارة إلى بوادر الخراب الروحي المعاصر، ثم يتوقف عند بيكيت بوصفه دالا من خلال منجزه على هذا الخراب، وينتقل بعدها إلى طبقات معرفية أخرى، مثل «وليمة لأعشاب البحر» لحيدر حيدر، وّذاكرة الماء ومحنة الجنون العاري» لواسيني الأعرج، و«حرب الكلب الثانية» لإبراهيم نصر الله.
هذا التعدد في تجلية نماذج سابقة أو متوازية للفكرة، له إيجابياته الكاشفة عن الثقافة وتنوعها وفاعليتها، ولكنها من جانب آخر لا تتجلى في الكتابة بشكل كاشف عن طبيعة تجليها، فدائما هناك- في مقاربة بعض النماذج- شعور بالنقصان في تناول الظاهرة أو الثيمة، لأنه تناول لا يتوجه إليها بشكل مباشر، فهو تناول أقرب إلى الإشارة لإيقاظ الفكرة وتنبيه المتلقي إلى دورانها السابق. ففي دراسته (سردية الحلم استراتيجية للتخييل والتأويل) يبدأ من نبوءة سوفوكليس في «أوديب»، وبعدها يحيلنا إلى سورة (الصافات)، وسورة (يوسف)، ثم إلى نص محمود درويش (أنا يوسف يا أبي)، انتهاء بنصي (رأيت فيما يرى النائم) و(النسيان) لنجيب محفوظ والمخزنجي، وفي كل ذلك يترك القارئ وبه حاجة للإضافة، وكأنه يكتفي بعرض مرايا لصور الفكرة وفق لحظات زمنية متباعدة.
وفي بعض المقاربات الخاصة بمعاينة الفكرة في طبقات سابقة، يشعر القارئ أن هناك وقفات جادة مع أعمال أدبية سابقة، وتتحول مقاربة العمل الحالي الذي يمثل مثيرا أساسيا لتأمل الفكرة إلى مقاربة فيها الكثير من التعجل والمرور السريع. في (رمزية الجدار الجملة الثقافية والثورة) يعود إلى تجليات سابقة لإدخال الجدار في شبكة رموز ثقافية على نحو ما قدم في «حوارات المنفيين» لبريخت، أو في قصة «الجدار» لسارتر، حيث تستند المقاربة إلى فاعلية المنحى الثقافي في توليد وتداخل الآفاق أو الدوائر الدلالية، ثم يختم هذا المنحى المحتشد ليعاين جدار أو جسر مريد البرغوثي في كتابه «رأيت رام الله». يستهلك الباحث الكثير من الجهد في تناوله لعملي بريخت وسارتر، وتأتي -ربما نتيجة لذلك- مقاربته لعمل مريد البرغوثي مشدودة للجاهز، ومسبوقة بإشارات عن المنفى لدي جبرا إبراهيم جبرا، وغسان كنفاني، وإميل حبيبي، وإبراهيم نصر الله وعبد الرحمن منيف.
فاعلية الإيهام: داخل وخارج المنهج
يبدو هذا التنظير المحتشد في بداية الكتاب محاولة جادة يتوسل بها المؤلف لتسويغ ضمّ هذه الدراسات في سياق واحد، بالرغم من اختلاف طبيعة النظر إليها من حيث طبيعة التناول ومساحة الاهتمام، فهي في منطقه داخل وخارج المنهج في آن، لا تتوسل بالمنهج في صورته النمطية الثابتة، ولكنها تطوّعه كل مرة للتجلي من جديد، أو للتوالد مما يعطي له تواجدا وديمومة
إن المقاربة على هذا النحو – حتى لو كانت مقاربة ثقافية – تحدث تغييبا للموضوع بدلا من توضيحه، وتبعده أكثر مما تقربه، ففي مقاربته لموضوع (تمثيلات الديستوبيا في الرواية الجديدة)، نجد أن هناك إصرارا على تناول الأعمال العديدة بشكل كلي إجمالي، وهذا يولد بالضرورة سياقا عاما، ولغة ذات حبكة علمية لافتة، ولكنه لا يولّد إطارا عاما للتمايز والاختلاف. فعلى مدار صفحات قليلة تتوقف الدراسة- بعيدا عن الشعراء أو الكتاب الأجانب الذين تمّ ذكرهم في البداية للإشارة إلى تأصيل ووجود الظاهرة- عند «اللجنة» لصنع الله إبراهيم، و«الخالدية» لمحمد البساطي، و«عطارد» لمحمد ربيع، و«الطابور» لنسمة عبدالعزيز، و«يوتوبيا» لأحمد خالد توفيق، و«نساء الكرنتينا» لنائل الطوخي، و«استخدام الحياة» لأحمد ناجي، و«فتاة الحلوى» لمحمد توفيق.
في مقاربة محمد الشحات للشعر يطلّ سؤال النوع أو الفن الأدبي، ومدى ارتباطه بنظرية نقدية، وتعبيره عن حدودها حاضرا، وهذا ربما نجد له صدى واضحا في النظريات القديمة، فالنظرية الرومانسية – بالرغم من تسليمنا بوجود رواية رومانسية- كانت تستند إلى فن الشعر، وكذلك النظرية الواقعية- مع تسليمنا بوجود شعر واقعي – تستند إلى فن الرواية، فمع كل نظرية أدبية أو نقدية هناك دائما فن أو نوع تؤسس وجودها من خلاله. وأعتقد أن نظريات ما بعد الحداثة والنقد الثقافي بوجه خاص-حيث تلحّ من خلال الاستناد إلى مقولاته موضوعات مرتبطة بقضايا العرق والنوع والجندر والطبقة والسلطة والهامش والمتن والأقليات- أكثر ارتباطا بالفنون السردية النثرية، بالرغم من الإيمان بمشروعية مقاربة الشعر وفق هذه التصورات والمقولات.
وقد قارب محمد الشحات نماذج شعرية لشعراء عديدين، منهم الفيتوري، وأحمد فؤاد نجم، وأحمد الشهاوي، وفتحي عبد السميع، ويوسف بزي. ومن بين كل هذه الأشعار يطل شعر الفيتوري – وربما شعر أحمد فؤاد نجم لإحداثه خلخلة في طبيعة المتن والهامش – نموذجا لافتا لتفعيل مقولات النقد الثقافي، نظرا لفكرة الزنوجة في شعره، بالإضافة إلى تشكيل خطابه الشعري لخطاب مضاد لثنائية العبد والسيد.
إن النظرة الإجمالية لهذا الكتاب – بعيدا عن أي اختلاف في وجهات النظر في بعض المقاربات- تثبت حضورا لافتا وواعيا بتسلسل وتوالد النظريات الأدبية والنقدية وارتباطها بفلسفات تتشابه وتتباين، وبسياقات حضارية مؤثرة، وبالمناهج الأدبية في تشكلها في سياق متكامل ينمي ويكمل بعضها بعضا أو في سياق متدابر ينفي بعضها بعضا، ويجعله- أي المؤلف- نموذجا نقديا قادرا على إنتاج خطاب نقدي مغاير، تتأسس حدوده من الحفر بقوة في كل توجه جديد، ومن الاشتغال بشكل متساوق ومتناظر على النظريات وتنوعها، وعلى النصوص الأدبية وحضورها اللافت التي تؤسس في المنعطفات الكبرى التحولات القارة في النظرية وفي أساليب المقاربة.
محمد الشحات: «خارج المنهج»
الدار المصرية اللبنانية، القاهرة 2022
381 صفحة.