روافع برشلونة الاقتصادية… ثورة حقيقية أم «فنكوش» الصيف؟

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: يلاحظ الداني والقاصي الحالة الخاصة التي يعيشها برشلونة هذا الصيف، كأكثر الأندية نشاطا في العالم الافتراضي، وفي رواية أخرى «المادة الدسمة» للاشاعات وأخبار انتقالات اللاعبين، باقترانه بُجل الصفقات الكبرى المحتملة في الميركاتو المشتعل، منهم على سبيل المثال لا الحصر الهدف الرئيسي روبرت ليفاندوسكي وجول كوندي ومحمد صلاح وبيرناردو سيلفا ورياض محرز وباقي السوبر ستارز، الذين لا يسمع ولا يقرأ عنهم المشجع الكتالوني سوى في صفحات الجرائد ومواقع التواصل الاجتماعي.

لكن على أرض الواقع، يبدو واضحا وضوح الشمس في ظهيرة الصيف الحارق، أن النادي «يعتصر ألما» من كوارثه الاقتصادية، التي دفعت الرئيس جوان لابورتا ومجلسه المعاون، للمقامرة بمكانة النادي وسمعته عالميا، كما وضح في ردود الأفعال الساخرة على قرار تأجير ملعب «كامب نو» للراغبين في اللعب مقابل 300 يورو للفرد في الساعة، أو التأجير بغرض إقامة المناسبات الخاصة بمختلف أنواعها. وما زاد الطين بلة وتسبب في إحباط المشجعين وإثارة المزيد من الشكوك حول مشروع المدرب تشافي هيرنانديز، هو تسريب نتائج الاجتماع الطارئ، الذي عقده المايسترو مع المدير الرياضي ماتيو اليماني وباقي المدراء التنفيذيين الأسبوع الماضي، لمناقشة آخر مستجدات ملف الصفقات المنتظرة الموسم المقبل.

اقتباس الفنكوش

شاهدنا جميعا الفيلم العربي الكلاسيكي «واحدة بواحدة»، وكيف أبدع الزعيم عادل إمام في تجسيد دور «بائع الوهم»، بشخصية صلاح فؤاد، التي كشفت مدى تأثير «البروباغاندا» والحملات الإعلانية على الرأي العام، بشرط اختيار كلمة مفتاحية أو رفع شعار مُثير وجذاب، كسلاح ناعم لضرب عصفورين بحجر واحد، الأول وهو الأهم ضمان الانتشار السريع للمشروع، والثاني اللعب على الوتر الحساس، أو ما يعرف بخطوة «إغراء» الشريحة المستهدفة، بإرسال وعود براقة لمكاسب وجوائز ضخمة من الاستثمار أو الفكرة في المستقبل القريب، تماما كما كان يتغنى الدكتور أيوب باختراعه السحري «الفنكوش»، الذي قال عنه في مشهده الساخر مع ممول المشروع صلاح فؤاد «هايغير العالم في القرن العشرين والواحد والعشرين كمان. الفنكوش هايريح التعبان ويسعد الغلبان»، لكن عندما جاء الحديث عن الشهادات والتقديرات العلمية التي تنتظره بعد نجاح المنتج، جسد المقولة المأثورة «الطيور على أشكالها تقع»، صادما شريكه النصاب اللطيف «هذا لا يهم… حاجة واحدة بس تهمني الفلوس… الفلوووس»، وبعيدا عن باقي تفاصيل العمل السينمائي وما حدث مع الفنكوش، يمكن ملاحظة التشابه الكبير بين هذا السيناريو وبين الوعود التي أطلقها جوان لابورتا ومجلسه المعاون إبان التصويت لتمرير مشروع «الروافع الاقتصادية»، لإسراع وتيرة انتشال الفريق والعلامة التجارية من براثن الضياع، وإلا ستكون العواقب وخيمة، أو على أقل تقدير، سيستغرق الأمر سنوات في علم الغيب حتى يستعيد توازنه الاقتصادي وينتهي صداع الديون المتراكمة والأجور المتأخرة، الذي يقيد النادي بميزانية متواضعة للغاية لشراء اللاعبين الجدد، لتفادي خرق قواعد اللعب المالي النظيف، لا سيما بعد وصول حجم الأجور لأكثر من 80 % من إنتاج ودخل النادي، أكثر بـ30 % من النسبة المسموح بها في اللوائح، مع الوضع في الاعتبار، أنه بموجب نفس القانون، لا يحق للنادي إنفاق أكثر من 20 % من دخله على الصفقات الجديدة، أو يرفع السقف ببيع لاعبين بأكثر من 100 مليون يورو، ومن هنا جاءت فكرة الروافع الاقتصادية، التي ترتكز على بيع نسبة من حصص وأصول النادي لمدة 25 عاما، على أن تكون البداية بالتخلي عن 49 % من أسهم «تجارة وتراخيص برشلونة»، ثم بـ25 % من حقوق بث مباريات الفريق في الليغا، وكل ذلك، من أجل جمع أكثر من 600 مليون بعملة القارة العجوز، لحاجة النادي الماسة لتنظيف ديون الموسم الفائت، كمتنفس لإذابة جبل الجليد مع رابطة الليغا في ما يخص رفع ميزانية شراء اللاعبين الجدد.

تشاؤم تشافي

في آخر تحديث لهذه الرواية الشائكة، علمت صحيفة «آس» من مصادرها، أن اجتماع تشافي الأخير مع المدراء التنفيذيين، لم يسفر عن تلك النتائج التي كان ينتظرها أو يتوقعها المدرب، ليس فقط لعدم تحرك النادي تجاه الأهداف الرئيسية التي حددها المايسترو في الميركاتو الصيفي لخلق فريق تنافسي بالصورة التي تريدها الجماهير من الفريق التي كان يُضرب به المثل في الأناقة والسحر الكروي، بل لحالة الغموض المسيطرة على مصير هذه الصفقات، كونها ستتوقف بنسبة 100 % على مدى نجاح الخطة الاقتصادية الحالية، والمثير للريبة والقلق وفقا لنفس الصحيفة المدريدية، أن البداية لا تبشر بأن الأمور ستسير بالصورة الوردية التي رسمها لابورتا في حملة الترويج لتمرير سياسة «الروافع الاقتصادية»، بتوقعات بحصول النادي على 210 ملايين يورو، كحد أقصى، بعد تنشيط رافعة حقوق البث التلفزيوني في الساعات القليلة المقبلة، رغم أنهم كانوا يروجون في «رسائل الوعود البراقة» بأنها ستنعش الخزينة بأكثر من ذلك بـ100 مليون على أقل تقدير، حتى بعد تسلم الدفعة الأولى من الروافع، لن يتمكن البرسا من إبرام أي صفقة سوبر، حيث سيذهب ما مجموعه 150 مليون لإغلاق السنة المالية 2021-2022 من دون خسائر، على أن يبدأ بعد ذلك تحدي جمع الميزانية المطلوبة لإتمام التعاقدات الإستراتيجية بالنسبة لتشافي والمشروع برمته، والحديث عن الثلاثي كوندي وبرناردو سيلفا وروبرت ليفاندوسكي، ومعروف مسبقا، أنه في أفضل الظروف، لن يقدر النادي على ضخ أكثر من 120 مليون يورو في سوق الانتقالات الصيفية، في حال حقق سقف التوقعات وجمع أكثر من 400 مليون يورو من عملية بيع 49 % من «تجارة وتراخيص برشلونة» BLM، وهذا يفسر سر انفتاح النادي والمدرب على فكرة بيع بعض الأسماء، لتمويل الجزء المتبقي من المبلغ المطلوب لإتمام الثورة التي يخطط لها تشافي الموسم المقبل. ويأتي في مقدمة ضحايا هذه الخطة، لاعب الوسط الهولندي فرينكي دي يونغ، الذي اقترن اسمه بمانشستر يونايتد أكثر من أي وقت مضى، وذلك بطبيعة الحال، ليس فقط للعنوان الظاهر بأن مواطنه إيريك تين هاغ يحتاج للاعب بمواصفات متوسط ميدانه السابق في أياكس أمستردام، بل لحاجة البارسا لبيعه بأعلى عائد مادي، كونه صاحب أعلى قيمة سوقية في قائمة المنبوذين ومن ضمن الفئة الأقل أهمية بالنسبة للمدرب. ونفس الأمر ينطبق على المدافع الفرنسي كليمون لانغليه، المحتمل ذهابه إلى توتنهام اللندني، إلى جانب أنصاف النجوم ومدمني الإصابات وما أكثرهم بدون ذكر أسماء، منها سيتوقف النادي عن دفع رواتب في الهواء، ومنها سيفسح المجال أمام تشافي لوضع حجر أساس المشروع بالطريقة التي رسمها للنادي منذ توليه مهمة الإنقاذ خلفا للهولندي رونالد كومان أواخر العام الماضي.

قيمة الثورة

بإلقاء نظرة عن تكلفة الثورة التي يحتاجها تشافي، سنجد أنها لن تقل بأي حال من الأحوال عن 200 مليون يورو، وذلك من دون إدخال مدافع تشلسي السابق كريستنسن ومتوسط ميدان ميلان السابق فرانك كيسي في الحسبة، بحكم الاتفاق المسبق معهما بموجب قانون بوسمان، حيث سيذهب أكثر من نصف المبلغ للصفقتين الحيويتين بالنسبة للمدرب، كوندي وليفاندوسكي. وبحسب تقارير عدة منها «موندو ديبورتيفو» و«سبورت»، فإن المايسترو يضغط بكل قوة في هذه الإثناء، لإتمام الصفقتين في أسرع وقت ممكن، لرغبته في الاعتماد عليهما في جولة الاستعداد للموسم الجديد في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن شاهد مباريات برشلونة في الموسم الماضي وفي السنوات القليلة الماضية، يفهم سر إصرار وتمسك المدرب بضرورة جلب مدافع من الطراز العالمي، ويا حبذا لو اثنين، للقضاء بأثر فوري على صداع «هشاشة وسذاجة» خط الدفاع، لأسباب تتعلق بتأثر قائد المنظومة الدفاعية جيرار بيكيه بعامل التقدم في السن، والجديد انشغاله بنزواته النسائية ومشاكله العائلية بعد انفصاله عن أم طفليه العالمية شاكيرا، إلى جانب ضعف جودة الفرنسي لانغليه. ونفس الأمر ينطبق على مواطنه كثير الإصابات صامويل أومتيتي، فيما كانت الصدمة في مردود ابن الأكاديمية إيريك غارسيا المتواضع للغاية بعد عودته من تجربته مع مانشستر سيتي، فقط الاستثناء الوحيد هو الجوكر رونالد أراوخو، الذي يثبت من مباراة لأخرى أنه مشروع قائد مستقبلي بامتياز، وفي وجود شريك مثل كوندي في قلب الدفاع وبديل بكفاءة الوافد من تشلسي، في الغالب ستتحسن المنظومة الدفاعية للفريق الكتالوني، ولو أن هذا سيتوقف على حل لغز توفير البدائل المناسبة للثنائي المخضرم جوردي ألبا وداني ألفيش في مركزي الظهير الأيسر والأيمن، وهذا يعكس اهتمام النادي بثنائي تشلسي سيزار أثبيليكويتا وماركوس ألونسو، ضمن جيش الصفقات المحسومة عمليا، في انتظار الإفراج والإعلان الرسمي بعد تسوية الخطة الاقتصادية، وهي الميزة التي يعول عليها لابورتا للحصول على وقته الكافي لترتيب اقتصاده، قبل تحويل مشروع وأفكار تشافي إلى حقيقة.

قائد الثورة والإشكالية

إذا كان كوندي القطعة النادرة التي يبحث عنها تشافي للارتقاء بجودة الخط الخلفي، فإن جلاد الجلادين روبرت ليفاندوسكي، هو قائد وعراّب المشروع، وذلك لعدة أسباب، منها حاجة الفريق لمهاجم بحجم خبرات وتأثير صاحب الـ33 عاما، باعتباره واحداً من أكثر المتمرسين على الجوائز الفردية والألقاب الجماعية في عالم كرة القدم، على غرار تتويجه بجائزة الأفضل من قبل الفيفا، واعتياده على الفوز بكل البطولات المحلية مع بايرن ميونيخ، بجانب إنجاز دوري الأبطال بنسخة 2020، وعلاوة على تأثيره الفوري المضمون في أرقام وإحصاءات الهجوم، سيلعب دور القدوة والمُلهم للشباب والمراهقين، الذين سيبني عليهم تشافي مشروع العقد، هذا ولم نتحدث عن تأثيره التجاري الضخم، باعتباره صفقة إعلامية من النوع المفضل للأندية الكبرى، لسهولة الاستفادة من حقوق صورته واسمه، لإنعاش النشاط التجاري للنادي، وبالتبعية زيادة في الأرباح الأسبوعية والشهرية، جراء زيادة عدد المشاهدين وبالتبعية تدفق أموال الرعاة ورؤوس الأموال. وقبل هذا وذاك، الانتعاشة الكبيرة في المتاجر، بالزيادة المتوقعة في حجم الطلب على شراء قميصه، بنفس الطريقة التي يجني منها بايرن ميونيخ ملايين طائلة، بما مجموعه 29 % من قمصان النادي التي تحمل اسمه في 2021. وبالنسبة لبرشلونة، فلا خلاف أبدا على أنه يملك قاعدة جماهيرية أكبر من البايرن، وهذا سيؤدي إلى زيادة الأرباح وجعل النادي أكثر جاذبية، ومع زيادة الطلب على قميصه، سيدر الكثير من الأموال التي يحلم بها البارسا للخروج من الضائقة المالية. ولا تنسى عزيزي القارئ، أن الحديث عن واحد من أفضل ثلاثة مهاجمين في العالم، ووجوده في الهجوم، من شأنه أن يعطي نفس تأثير كريم بنزيمة في هجوم الريال، وهذا سيتوقف على نجاحه في الحفاظ على معدل أهدافه الخيالي، بتسجيل ما لا يقل عن 22 هدفا في الموسم الواحد منذ حملة 2015-2016 وحتى الموسم الأخير. وبشكل عام، سيوفر أشياء كثيرة يفتقرها البارسا منذ القرار الساذج بالتخلي عن السفاح لويس سواريز، العمق والخبرة في مركز رقم 9، وهذا يفسر سبب تمسك برشلونة بالتوقيع معه، وعودة لابورتا مرة أخرى بعرض مُحسّن لإقناع العملاق البافاري بالتخلي عن ماكينة الأهداف البولندية في أقرب فرصة ممكنة.
تبقى الإشكالية الأكثر وضوحا في خطة لابورتا وتشافي، موقف الفرنسي عثمان ديمبيلي من التجديد، بعدما أصبح حرا في تقرير مصيره، سواء بتأمين مستقبله في «كامب نو» أو بالبحث عن مغامرة أخرى. وبحسب صحيفة «سبورت»، فإن المدراء في مكاتب «أريستيدس مايول»، سلموا فعليا بحقيقة أن الشاب العشريني سيكون خارج أسوار النادي الموسم المقبل، وهذا دفع الإدارة للبحث عن بدائل أخرى، أبرزهم جناح ليدز يونايتد رافينيا، لكن على أرض الواقع، تبدو صفقة بعيدة المنال، ليس لصعوبة منافسة آرسنال، بل لاشتعال الصراع بعد دخول المنافس اللندني الآخر تشلسي، رغم رغبة اللاعب ووكيل أعماله ديكو، لاعب برشلونة السابق، في ذهابه إلى الإقليم الكتالوني. وبدرجة أقل، هناك إشكالية أخرى يتمنى تشافي حلها من الجذور هذا الصيف، وتكمن في ضرورة العثور على الخليفة المستقبلي لمهندس الوسط سيرجي بوسكيتس، ووفقا لأغلب المصادر المحسوبة على النادي، فإن المدرب لا يرغب في بقاء نيكو، ويخشى من توابع تقدم بوسكيتس في السن، وبناء عليه شدد على ضرورة التوقيع مع محور ارتكاز ولفرهامبتون روبن نيفيز، لخلق منافسة حقيقية مع صاحب الـ34 عاماً على مكان في التشكيل الأساسي، كما يخطط منذ يومه الأول كمدرب في النادي، بتوجيه المال للصفقات الضرورية والمهمة، بدلا من مهازل حقبة بارتوميو، التي أهدر خلالها النادي مئات الملايين على لاعبين لا يستحقون حتى منافسة أبناء أكاديمية «لا ماسيا» على مكان في مقاعد البدلاء، وعلى إثرها ما زال النادي يعاني الأمرين لسد الفجوة الكبيرة بين ميزانية الأجور وبين إجمالي الدخل والأرباح. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل سيلبي لابورتا ولو جزءا من شروط ومطالب المدرب في النافذة الصيفية؟ أم ستكون قصة «الروافع الاقتصادية» بمثابة «فنكوش» جديد؟ بعد اعتياد الجماهير في السنوات الأخيرة على صدمات الخطة «بي»، التي تسفر عادة عن صفقات أقل من طموحات النادي وبعيدة عن الأهداف الرئيسية بسنين ضوئية، مثل وهم هالاند وعودة نيمار وانتظار ديفيد آلابا وغيرها من الصفقات التي تمت في الصحف والمواقع الرياضية فقط. عموما الأيام والأسابيع القليلة المقبلة ستكشف ملامح نتائج خطة إنقاذ الاقتصاد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية