الفيلم التسجيلي الممول: هل هو فخ التجسس على الخصوصية العربية؟

كمال القاضي
حجم الخط
0

غالباً ما تحدث خلافات حول بعض الأفلام التي تحمل نقداً لاذعاً لظاهرة ما في أي من المُجتمعات العربية، بدون الدراية الكاملة بالخلفية الإنتاجية التي دفعت إلى خروج الفيلم المُختلف علية إلى النور، ذلك أن التركيز كله ينصب على المضمون بغير التدقيق في الرسالة الضمنية التي يحملها الجنس السينمائي الخاص ويتم توجيهها بمعرفة جهة الإنتاج الخارجية.
وبناءً علية تظل قضية التمويل الأجنبي هي القضية الأكثر إثارة للجدل. فالأفلام المصرية والعربية التي يتم إنتاجها عبر شركات إنتاج أجنبية أو شركات مُتعددة الجنسيات عادة ما تحوم حولها الشُبهات، فالجهات المانحة تخص شركات بعينها بالتمويل وتحدد أطر ومواصفات لما يتم إنتاجه، بحيث تصب عملية التمويل في المكان المناسب وتحقق المُستهدف من الأفكار والرسائل المراد بثها وتوصيلها لعموم الجماهير في المنطقة العربية.
وفي بعض الأحيان تسبق عملية التمويل قياسات رأي دقيقة حول القضايا الرئيسية التي تشغل المواطنين وتتنوع القضايا ما بين السياسي والاجتماعي والثقافي فكلها تُحدد اتجاه البوصلة وتُشير إلى الموضوعات الأكثر أهمية، وبناءً على هذه القاعدة يتم التركيز على المُهم والمُلح من بين ما يشغل الجماهير.
وهناك ملفات معينة تُوليها الدول الممولة والجهات المانحة عناية خاصة، كملف الإرهاب وملف الفقر وملف المواطنة والملف الخاص بحرية المرأة، وتُعتبر هذه الملفات من الأولويات في شروط التمويل، فالظاهر الحسن هو المُعالجة أما الباطن فهو الأصل والقاعدة في هذا الخصوص وهي طريقة مُبتكرة وجديدة في الحصول على المعلومات المطلوبة لقراءة الواقع العربي قراءة دقيقة، ورصد ما تموج به الساحة من تقلبات وإرهاصات وتفاعلات يتم تحليلها بمعرفة جهات أخرى مُختصة في تحليل المعلومات وتوجيهها.
ولما كانت السينما هي إحدى الوسائط الإبداعية الكاشفة باعتبارها أداة جماهيرية مُتميزة، فقد تم التعويل عليها لتكون ناقلة لنبض الشارعين المصري والعربي على السواء ومن ثم يسهل من خلالها تحديد مسارات التفكير والميول، وفي هذه الخصوصية على وجه التحديد تُفضل شركات الإنتاج الأجنبية الممولة الفيلم التسجيلي لأنه الأقدر على نقل الصورة الواقعية كما هي مطلوبة بلا تدخل مُباشر من جانب صُناعها لتزيينها أو تزييفها أو التقليل من وطأتها وتأثيرها، وبتكرار التجارب التسجيلية النوعية وضعت الشركات المُنتجة معايير مُختلفة للفيلم التسجيلي فغيرت من مواصفاته كي لا تنكشف رسالته فجعلته عملاً إبداعياً مُختلطاً يجمع ما بين الرؤية الدرامية والإيقاع التسجيلي كفيلم «ريش» على سبيل المثال وفيلم «أصحاب ولا أعز» الذي أثار ضجة كبيرة كان المُستفيد الوحيد منها هي جهة الإنتاج.
وقد سبب هذا الخلط المُتعمد ارتباكاً في تحديد مواصفات المُستنسخات الجديدة من الأفلام فظهر مُصطلح الفيلم الروائي الواقعي التسجيلي للتعمية والتشويش، وغاية ذلك أن تتشابه الرؤى السينمائية وتختلف التقييمات فتضيع الملامح فلا يُفرق الجمهور العادي بين ما هو تسجيلي وما هو درامي ويفقد القدرة على الحكم الدقيق إذا ما رأى في فيلم مُعين ما يسيئه أو ما يختلف مع قناعاته حينئذ يكون الرد والتبرير جاهزين. إنها رؤية خيالية من بنات أفكار المؤلف وبذلك يُعفى المؤلف والمخرج والمُنتج من أي حرج.
هكذا يتم التحايل على المضمون فتخرج نوعيات من أفلام طويلة وقصيرة وتسجيلية ووثائقية بلا ملامح دقيقة تطرح مفاهيم بعينها عن صور الفقر والجوع والخوف والقهر والقتل كمسوغات لحرية الرأي والتعبير ودلائل قوية على قهر الحكومات العربية لشعوبها أو تفشي الإرهاب والجريمة والسرقة كانعكاس للأزمات الطاحنة في المُجتمعات المقهورة على حد وصف الواصفين.
ولم تتوقف رسائل السينما الممولة عند هذا الحد ولكنها تمتد إلى التشكيك في العقائد والمُقدسات أحياناً، وتسعى لكسر التابوهات بالدفاع عن المثلية ومحاولة ترويجها باعتبارها ضمن الحريات العامة المقموعة في المُجتمعات البدائية.
ولو أخذنا بمبدأ الاضطرار لقبول التمويل الأجنبي والخضوع لشروطه نتيجة وجود أزمة في الاقتصاد السينمائي لكان أولى بالسينما الفلسطينية وهي الواقعة بين مطرقة الاحتلال والحصار، وسندان الفقر في روافد التمويل، قبول كل الشروط المفروضة من قبل الجهات المانحة للأموال بالدولار واليورو كي تخرج من عثرتها وتتنفس حريتها في ما تطرحه من مُشكلات وقضايا، لكنها أبت إلا أن تستمر في العمل بإمكانياتها الذاتية مُفضلة استقلالها على رغد الإنتاج السخي المشروط.
وبرغم قصر ذات اليد لدى السينما الفلسطينية الممولة ذاتياً، إلا أنها دائمة الحضور في المهرجانات العربية والدولية والعالمية والحاصدة الأولى للجوائز في كافة التخصصات.
وهذا الأمر يدحض حُجة التمويل ويؤكد أن الثبات على المبدأ لحماية الشعوب من غزو الأفكار الهدامة هو عين الصواب والضرورة الحتمية للمحافظة على طبيعة المُجتمعات العربية وصون تقاليدها وأعرافها والارتقاء بها بعيداً عن دعاوى الحداثة والفرنجة والانزلاق في هاوية التحلل باسم المُعاصرة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية