أحيانا تأتي المناسبات السعيدة بما لا تشتهي الجيوب. هكذا تزاحمت المناسبات على الجزائريين والمغاربة. امتحانات البكالوريا، التي تستدعي استعدادات مادية ومعنوية هائلة، ثم موسم الاصطياف والحيرة في أي الأماكن ستقضي الأسر أيام راحة واستجمام، ناهيك عن عيد الأضحى الذي أصبح وشيكا ولم يعد متاحا لأغلبية المواطنين، لا سيما وأسعار المواد الأساسية عرفت ارتفاعا طول السنة ولم يقتصر ذلك على المواسم والمناسبات.
مع كل ذلك فالكثير منا يريد أن يقضي العطلة في مكان هادئ، مريح للتفريج عن النفوس والخواطر وكسر روتين الحياة «العنيف». فأي الوجهات سيختار الجزائري في خضم كل التوترات التي تحيط به وغلق الحدود مع الجيران؟
المرجح، وحسب معطيات المختصين في مجال السياحة، سيكون للسياحة المحلية حظ الأسد للعائلات متوسطة الدخل، بينما تبقى الوجهات الخارجية محل جذب لذوي الدخول المرتفعة أو ممن تعودوا على السياحة الخارجية. فحسب جريدة «المغرب الأوسط» وفي مقال «السياحة الداخلية بين واقع السوق وإرادة الحكومة»، وتحت شعار «خلي صيفك جزائري»، وهو شعار افتتاح موسم الاصطياف في البلاد، فقد وقف المقال من خلال تصريحات وزير السياحة والصناعات التقليدية، على ضرورة تحسين الخدمات، وفق متطلبات العائلات الجزائرية، حيث صرح مخاطبا المتعاملين الاقتصاديين والمستثمرين والعاملين في الحقل السياحي، وفق ما نقلته «المغرب الأوسط»: «على قدر ما نحن في الاستماع إلى انشغالاتكم ومرافقتكم في كل ما تطلبونه وتأملون منا مساعدتكم، فإن للمواطن وللعائلة الجزائرية كامل الحق في مطالبتكم بالمرافق السياحية التي تستجيب لتطلعاتهم، وتلبي رغباتهم، وفي الخدمة الراقية والمناسبة التي تراعي ظروفهم، سواء كانت العائلية أو المالية، فالمسألة اليوم بعيدة كل البعد عن الربح المادي، بقدر ما هي قضية ربح ثقة المواطن في مقدرات بلده السياحية، ومعركة ربح ثقة المواطن الجزائري». لكن من يرى ما توفره بعض المنتجعات كمنتجع «زينة بيتش» يدرك أن السياحة غير ممكنة لجل الجزائريين، وأن ثمن أسبوع لأربعة أشخاص (بالغين وقاصرين) تفوق 60 مليون سنتيم. ولا غرابة أن يعلق الجزائريون أن ذلك الثمن أو أقل منه هو تكلفة رحلة لأيام عديدة الى حزر المالديف! ورغم التطور الملحوظ الذي عرفته السياحة المحلية لأسباب كثيرة، منها جائحة كورونا، التي جعلت المواطن يبحث عن متنفس، وغلق الحدود الجوية والبرية، إلا أن السياحة في الجزائر تبقى الأغلى مقارنة بدول الجوار ودول أخرى، كتركيا ومصر.
وتبقى السياحة في البلاد تفتقر للتنظيم والهيكلة والترويج الفعلي بما يتناسب والبنى التحتية والفوقية للقطاع، بالرغم من امكانات الجزائر السياحية الكبيرة وتنوع طبيعتها المذهل. فقد حان الوقت لامتصاص التأخر الكبير في هذا المجال الحيوي.
السياحة العربية وأزمة الحدود
بينما كانت مشكلة التجاذبات بين رواد منصات التواصل الاجتماعي حول غلق الحدود وامكانية فتحها مع المغرب، سواء للم شمل الأسر المتوزعة بين البلدين الجارتين، أو من أجل السياحة فقد ظهرت مشكلة بين الجزائر وتونس من خلال فيديوهات وتدوينات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في ما يخص العلاقات بين التوانسة والجزائريين ومن يستحق الآخر أكثر من غيره. ومن هو بحاجة لخدمات الآخر. دون الإعلامي التونسي في قناة «التونسية» سمير الوافي، على صفحته على الفيسبوك « لماذا يواصل «الخاوة» غلق حدودهم معنا بدون مبرر واضح، حتى بعد إطلاق الموسم السياحي، الذي كان يتميز بحضورهم الكبير والمهم. هل هو موقف سياسي؟ هل تمر العلاقات ببعض البرود والجفاء؟ حدودنا الغربية شريان مهم للإنعاش الاقتصادي والسياحي في هذه الأزمة، وغلقها يؤثر على الحركة الاقتصادية والسياحية. و»الخاوة» يعرفون ذلك. فلماذا يستمر الغلق دون أن نفهم أسبابه»؟
ويبدو أن لطفي يحياوي، الذي كتب منشورا على صفحته يرد على الإعلامي التونسي، يمتلك الإجابة، فجاء في تدوينته على صفحته: «يوم كان توافد السياح الجزائريين للدولة الشقيقة بالآلاف كانوا يعاملون كسياح من الدرجة الثانية ويتعرضون لحملة من السخرية والتنمر من الكثير من المقيمين في مدن الساحل التونسي، حيث كانوا يتناسون مساندة ووقوف الجزائر مع دولتهم في كافة المجالات». ويعلق على منشور الوافي الذي جاء أسفل منشوره «هذه وجهة نظر أحد الصحافيين التونسيين لاستمرار غلق الحدود».
وقد سبقته «فيديوهات» سب وشتم بين جزائريين للرد على صحافيين تونسيين، بعد زيارة الرئيس عبد المجيد تبون لإيطاليا وتصريحاته بشأن تونس. فانبرت إحداهن للرد على الجزائريين ولا سيما من قال إنه سيقطع الكهرباء عن تونس، كما فعلها الرئيس الراحل هواري بومدين. فشرحت القضية وأن تلك الحادثة جاءت ناقصة لأنه في اليوم الموالي وبمكالمة من الرئيس بورقيبة عادت الكهرباء. وعن قضية عبور الغاز من تونس، فردت عن ذلك بقولها بأنه لا خيار للجزائر، لأنها معادية للمغرب ومعادية لإسبانيا، كما ذكرت، أي الجزائر مرغمة على تمرير الغاز عبر تونس ومن «غير مزية» كما قالت.
ثم عرجت على علاج الجزائريين في تونس وأن طب العيون مزدهر في تونس واسبانيا. واسبانيا كما قالت «غالية عليكم» إذن، فالوجهة تونس لترد للجزائريين أبصارهم. وبشأن قول الجزائريين بأن تونس ولاية جزائرية. فترد بأن العبرة ليست بالكبر، ولكن بـ«الفهامة» و«التاريخ»، فهي بلاد «حنبعل»، الذي وصل إلى جبال «الألب» و«يوغرطة»، الذي قدم «روما» للبيع. وبلاد «عليسة» التي بنت قرطاج بجلد «علوش»، كما جاء في فيديو السيدة التي سمت نفسها سيليا تيزيري على تطبيق «التيك توك». اللهجة كانت انتقامية بقولها «إن على الجزائريين أن يخافوا على الجالية الجزائرية «المكدسين هنا»، وزعمت أنه لا وجود لجالية تونسية في الجزائر حتى تخاف عليها. والسؤال المطروح من يصنع الرأي العام في بلداننا. الإعلاميون النزهاء والمثقفون أم الإعلام الموازي و«اليوتيوبرز»، وأي شخص يسجل «صوته» على تطبيق «التيك توك»؟
إلى متى ينظر كل واحد منا أنه هو الأهم والثاني عالة عليه؟ لماذا لا ننظر بعين التكامل والجوار وروابط الدم والمشترك من الثقافة بين البلدان التي تربطها الحتمية الجغرافية، قبل أي شيء. لماذا لا ننظر إلى التعليقات الايجابية الهادئة ونأخذ فقط بالتعليقات المتطرفة؟ السياحة ليست لمساعدة التوانسة فقط، والعلاج ليس لأن الجزائري ليس له حل آخر؟! الكل ينفتح على الكل بسبب المنفعة المتبادلة الضرورية، ولا أحد يزايد على الآخر، لنزيد انغلاقا على بعضنا البعض وسنرى نتائج تهورنا ودمنا الحامي من جميع الأطراف. الدماء لا يمكن أن تصبح مياها مالحة، ولا حتى مياه زهر وورد!
ما فائدة أن يروج للسياحة مصريون أو أي من العرب. وقد يأتي مقطع فيديو لينسف العلاقات في لحظة. لا بد من التريث وفهم الآخر القريب حتى نبني نظرة فيها كثير من الموضوعية والتعاون والمحبة في آن واحد.
رحمة الصغار… لا يعرفها الكبار؟
تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورة طفل نزع قميصه ليقي أخاه حر الشمس الحارقة في إحدى المدن الجنوبية. كانت الصورة مجهولة الهوية. لا مكان ولا زمان ولا اسم الطفلين، ولا من أخذ الصورة. ثم تبين أنها لطفلين من مدينة ورقلة.
فكتب الروائي والأستاذ الجامعي الصديق حاج أحمد الزيواني على صفحته الرسمية على فيسبوك «يظهر لي أن التفاعل الذي أحدثته الصورة الإنسانية للطفلين مرده للعفوية التي جاءت بها دون مساحيق تجميلية، فلو كانت الصورة من الأمام وفي استعداد للتصوير، ما كانت لتحصل على هذا الحصيد. تماما كالكتابة العفوية والمتكلفة». وكتب الإعلامي والشاعر والناشط في المجال الثقافي عبد العالي مزغيش على صفحته على فيسبوك: «دردشة مع والد الطفلين وملتقط الصورة. دردشت. مع السيد بوبكر صاولي (51 سنة) والد الطفلين «بطلي الصورة» التي انتشرت في الفيسبوك وتجاوزت الحدود لتصل الى عدة دول. وألهمت الشعراء، فكتبوا فيها قصائد مدحية. وجدته كذلك مفتخرة بفعلة ابنه حذيفة (11 سنة) مع شقيقه الصغير عبد الرحمن المدعو توتي (4 سنوات). قال إنه لم يكن ينتظر هذا الذي حدث مع صورة ابنيه. وهو سعيد بكون الصورة تنقل رسالة هادفة إلى المجتمع». وأضاف مزغيش: «الوالد بوبكر المنحدر من بسكرة والمقيم في ورقلة يمارس رياضة «الأيكيدو» ردد قائلا: «والله لم أكن أتصور أن تلقى هذه الصورة كل هذا الصدى، ولكن أراد الله أن تكون هكذا والحمد لله». أما الشاب ملتقط الصورة فهو يعقوب بزالة (28 سنة) من باتنة، ويقيم في ورقلة حيث يعمل مساعدا لشقيقه الأكبر في محل خاص بهما».
يقول السيد مزغيش تواصلت معه أيضا. فقال «فرحت لكوني ملتقط الصورة ولكوني قد أوصلت فكرة مبدأ الأخوة والتضحية من أجل الأخ»، وعبر الشاب النبيه عن حلمه ليصبح مصورا صحافيا محترفا في المستقبل، لكن بكاميرا محترفة، كما قال وليس بهاتفه الذي التقط به الصورة الشهيرة يوم 2 الشهر الماضي.
وكتب المصور على حسابه على الفيسبوك تحت اسم يوبا الشاوي «هذه الصورة قمت بالتقاطها بكل عفوية في 2 حزيران/ يونيو 2022 وأنا متوجه للمحل على الساعة الواحدة زوالا في جو حار، بحيث لفت انتباهي ذلك الطفل الشجاع، وهو يحمي بنفسه وليس بقميصه أخاه الأصغر من أشعة الشمس الحارقة. سبحان الله الرجولة لا تكتسب، بل تسير في الدم من الصغر. قمت بنشرها في القصص البارحة لم أتوقع أن تصنع الحدث في مواقع التواصل الاجتماعي. نشكر الأبوين على هذه التربية وقمة الأخلاق والمبادئ». فعلا الصورة إنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معان. لا سيما والمجتمع قد وصل درجة اختفت فيها صلة الأرحام وانتشرت العداوة بين الأخوة الأشقاء. وظهرت صور شتى لقابيل وهابيل هذا العصر، فهل يأخذ الكبار بما فعله الصغار بكل تلقائية وبكل ما في التضحية من سمو ورفعة؟ وهل صورة الفيسبوك هذه للطفلين تؤسس لعودة المحبة والتقاء الاخوة الأعداء وتذيب جليد العلاقات بين الأخوة وبين الأهل. فهل سيأخذ الكبار الدرس والعبر من الصغار؟
* كاتبة من الجزائر