هآرتس: بعد بحث بالستي “يشخص النوايا”.. أمريكا في أذن الرصاصة: قولي “ظرف مأساوي”

حجم الخط
2

تخيلوا ما لا يصدق: إيلانا ديان (أو يونيت ليفي) تخرج من مناطق راحتها لتغطية الاحتلال إعلامياً. لقد وجدت نفسها في مكان يتم فيه تبادل لإطلاق النار وأصابتها رصاصة في عنقها، بين الخوذة والسترة الواقية. لقد قتلت. ماذا سيحدث عندها؟ تقوم إسرائيل خلال فترة قصيرة باعتقال “الخلية” الفلسطينية. غير مهم من أطلق النار، تتم تصفية كل أعضاء الخلية أو يتم الحكم عليهم بالسجن المؤبد. ثم تعلن إسرائيل الحداد على موت صحافيتها الكبيرة.

لا يخطر في بال أحد أن يقوم بفحوصات بالستية – من أجل ماذا؟ لا حاجة لها. لذلك، من الواضح للجميع من قتل تلك الصحافية اليهودية. أمريكا لا تفكر في التدخل بالتحقيق، وستدين الفلسطينيين وتشارك في حداد الشعب الإسرائيلي وقد تفرض عقوبات على السلطة الفلسطينية بسبب قتل الصحافية. من الواضح للجميع أن الصحافية الإسرائيلية قتلت لأنها يهودية ولأنها صحافية. القتلة، هذه الكلمة التي ستستخدم بالطبع، تعمدوا قتلها. أي طفل في إسرائيل يفهم ذلك.

لكن شيرين أبو عاقلة كانت مراسلة حربية فلسطينية، شجاعة وحازمة أكثر بما لا يقاس من ديان وليفي معاً، وقتلت في جنين. إسرائيل تنصلت من أي مسؤولية كالعادة. تنصلت وطمست الحقائق. كل التحقيقات التي نشرت عن ظروف قتلها أدت إلى استنتاج واحد، وهو أن الجيش الإسرائيلي أطلق النار عليها، لكن إسرائيل استمرت في طمس الحقائق.

بعد ذلك جاء الفحص البالستي، الذي جرى بحضور ضابط أمريكي. وهاكم النتيجة: وزارة الخارجية الأمريكية، التي تهتم بسلامة المواطنين والتي تُصدم من المس بالصحافيين، مثلما تم الإثبات في قضية خاشقجي، أعلنت بأنه لا يمكن التقرير بشكل مؤكد من قتل أبو عاقلة، لكن من المرجح أن النار أطلقت من ناحية الجيش الإسرائيلي. المقولة القاطعة هي أنه “لا يوجد سبب للاعتقاد بأن النار كانت متعمدة، بل هي نتيجة ظروف مأساوية”. الرصاصة المحطمة التي تم إخراجها من رأس أبو عاقلة همست للولايات المتحدة بأن مطلق النار لم يتعمد القتل. كان هذا فحصاً بالستياً متطوراً عبر التاريخ: هذا فحص بالستي يفحص القلب والكلى ويشخص النوايا.

من الصعب التفكير في حشد أخرق وغير مهني وسخيف ومهين أكثر من ذلك في خدمة الدعاية الإسرائيلية. لقد تبين مرة أخرى بأن الأمر حين يتعلق بأمريكا فهي مستعدة لفعل أي شيء، من أجل الدفاع عن بؤبؤ عينها. وهي مستعدة للتغطية على أي جريمة وتعريض نفسها للسخرية، وأن تستخف بمعايير الأخلاق والقانون والمهنية فقط من أجل أن تتمكن من التغطية على إسرائيل. أمريكا تقول لإسرائيل: واصلي قتل المراسلين. فهذا من ناحيتنا على ما يرام. دائماً سنقول: لا تتعمدوا، ظروف مأساوية هي التي قتلت أبو عاقلة وليس جنود “دفدفان”، الوحدة المختارة في الجيش الإسرائيلي.

الأمريكيون أيضاً لا يشاهدون الـ “سي.ان.ان”. التحقيق الذي بثته الشبكة أظهر بأن على غصن الشجرة التي كانت خلف المكان الذي أصيبت فيه أبو عاقلة، إصابة لثلاث أو أربع رصاصات أخرى أطلقت بصورة متقطعة وليس كصلية. هل يدل هذا أيضاً على أنه لم تكن هناك نية لقتل الصحافية التي بحثت عن مخبأ تحت الشجرة؟ هل يمكن أن نجعل الأمور ضبابية ونطمسها ونقوم بالتضليل فقط من أجل جعل مكوث الرئيس الأمريكي جو بايدن في إسرائيل ممتعاً؟ هل التستر على جريمة يعتبر بالنسبة لأمريكا مظهراً من مظاهر الصداقة تجاه من نفذوها؟

أبو عاقلة ماتت وماتت معها بقايا الثقة بالولايات المتحدة التي تعرف حقيقة حليفتها. بفضلها تستطيع إسرائيل مواصلة الادعاء بأننا لن نعرف يوماً ما من الذي قتل شيرين، لكن يبدو أننا نعرف جيداً من الذي قتلها. وهو يتجول بيننا الآن.
بقلم: جدعون ليفي
هآرتس 7/7/2022

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية