صورتنا في الذاكرة الأنجلوساكسونية

حجم الخط
16

تكرار حادثة ما على نحو يحولها إلى ظاهرة امر يجب ان لا ينحصر السجال فيه حول الحادثة ذاتها او ما يشبهها، فلكي تفهم تكرار جرائم القتل في امريكا ومنها ما هي مجاني وعبثي او ما يتم استجابة لدوافع غامضة علينا بدءا ان نستقرىء منهجيا ما استقر في الذاكرة واللاوعي لدى الامريكيين، فماذا قرأوا عنّا ؟ لقد تولى الاستشراق الكولونيالي تقديم صورتنا الشائهة سواء في ابحاث او روايات او تقارير، فالعربي هو الخائن والكاذب ودماغه قاصر، وهذا ما قصد اليه طومسون الذي كان قريبا من فان دايك مؤسس الجامعة الامريكية في بيروت، فقد رأى طومسون سيدة تقشر ثمرة صبار ولا تنقّب البذور في داخلها، فقال هذا هو الدماع العربي، اذا نقّبت منه البذور فهو مجرد هلام، انه ينتمي إلى ما قبل المنطق .
ويقول هنري لودج : لقد جعل الله الامريكيين جديرين بالحكم كي نتمكن من ادارة الشعوب البربرية والهرمة وقد اختار الله الشعب الامريكي ليقود العالم نحو تجديد ذاته، ويذكر ادوارد سعيد ان جامعة برنستون كانت قد اعدّت زيا خاصا للطلبة بمناسبة التخرج عام 1967 وكان المقرر ان يكون الحفل عربيا ثم صدر بعد الخامس من حزيران امر يقضي بأن يسير الخريجون في موكب وهم رافعون ايديهم فوق رؤوسهم تعبيرا عن الهزيمة .
ويقول ديكنز وهو مستشرق وليس ديكنز الروائي البريطاني ان الادب العربي كله لا يستحق ان يُترجم منه شيء، ويقول مستشرق آخر : ان العرب اساسا قتلة والعنف والخديعة محمولان في الموروثات العربية .

* * *

حين قرأت كتاب ادوارد سعيد لأول مرة احسست على الفور ان الكتاب الذي نال شهرة كونية واسعة، لن يُقرأ كما يستحق في عالمنا العربي، وسوف تتولاه الثقافة الشفوية التي تختزله إلى بضع مقولات، وحين التقيت الراحل سعيد في الجامعة الامريكية بالقاهرة قبل فترة من رحيله قلت له ان من لم يقرأ ما كتبه عمر فاخوري عام 1922 بعنوان آراء غربية في مسائل شرقية لن يقرأوك ايضا باستثناءات قليلة لأغراض اكاديمية، وقلت له انني حصلت على نسخة من كتاب فاخوري تباع على رصيف في بيروت قبل اعوام قليلة، فأدهشه ان هناك نسخة من الطبعة الاولى لكتاب صدر قبل أكثر من ثمانين عاما، اقول ذلك لا على سبيل الذكريات الشجية بل لأن العرب لو قرأوا كتاب سعيد فعلا لما ادهشهم اي فعل يصدر عن الولايات المتحدة، فمن يعرف ان هنري كلود كتب بالحرف الواحد : من المفيد بالنسبة لامريكا اقرار سياسة تدخل فعّال حتى نؤمن لبضائعنا فرص استثمار رابحة . وهذا التدخل ذو المدخل التجاري سرعان ما افضى إلى عدة تدخلات لاسقاط دول واستبدال نُظُم، حتى تلك النظم التي رعتها امريكا وكانت تدخلها إلى غرفة الانعاش وتمدها بالجلوكوز اذا اصابتها انيميا سياسية كما حدث لبينوشيهات في امريكا اللاتينية وشاهات في اسيا ، واستراتيجية قلب ظهر المجن للتابع الذي يسمى من باب النفاق السياسي شريكا برهنت على ان البراغماتية ليست فقط صناعة امريكية، بل هي فلسفة برغمانوس الذي يرى ان لا قيمة لأية فكرة الا اذا كانت ذات تجليات واقعية قابلة للاستثمار .
ما أود قوله باختصار هو ان من قرأ الاستشراق الامريكي الوريث للاستشراق الانجلوساكسوني برمته في الحقبة الاستعمارية عليه ان لا يندهش من ترسب ادبيات هذا الاستشراق في الذاكرة واللاوعي الامريكيين، ومن يجرؤ على استخدام السلاح لقتل ثلاثة من العرب المسلمين دفعة واحدة لديه صورة شائهة وكاريكاتورية للعربي، وكما يقول عمر فاخوري الذي القيت مخطوطاته في بئر ماء في زمن التتريك بإن صورة العربي في المخيلة الامريكية من خلال الاستشراق لا علاقة لها بالواقع وهي صناعة روائية من طراز اعمال وولتر سكوت والاسكند ر توماس فالعربي كما رآه دي بور في كتابه تاريخ الفلسفة الاسلامية هو ابن الصحراء التي كانت منذ القدم وحتى اليوم مكان حلّ وترحال تتنقل فيه قبائل بدوية، وكان العربي هو الاستثناء البشري الوحيد الذي حكم عليه بان يبقى كائنا غير زماني ما دامت الصحراء منذ القدم حتى الان هي مرجعيته الثقافية والجغرافية ويعيش فيها فوضى ما قبل الدولة . ان ما ترسب في اللاوعي الامريكي من محاصيل ذلك الاستشراق تسلل اليه من مناهج دراسية وروايات وقصائد من طراز ما كتبه روديارد كبلنغ الذي قال بأن الشرق والغرب مستقيمان متوازيان لا يلتقيان ! ولا نظن ان ما قاله الرئيس روزفلت قد حذف من كتاب التاريخ بأمريكا، عندما أعلن في خطاب شهير ان قدر بلاده أمركة العالم، واضاف بأن من حق أمة متمدنة كامريكا ان تمارس دور الشرطي رغم تقيّدها بمبادىء مونرو اذا رأت ان هناك دولة لم تستطع الوفاء بالتزاماتها او تراخت او فقدت لياقتها، وما فعله بوش الاب والابن ليس سوى تلبية لهذه الوصايا .

* * *

أثار انتباهي عندما كنت بصدد تأليف كتابي بعنوان « الاستشراق والوعي السالب « ان واحدا من اهم مرجعيات الاستشراق باللغة العربية هو موسوعة الاستشراق للراحل د . عبد الرحمن بدوي قدّم في موسوعته مئتين وسبعة مستشرقين من مختلف اللغات ولم يقدم من الاستشراق الامريكي سوى مستشرق واحد هو ماكدونالد الذي كان بريطاني المولد والنشأة وانتهى إلى تأليف ابحاث حول عبقرية اللغة العِبْرِية والتفوق اليهودي، واليه تُنسب تلك الخرافة العرقية التي تتلخص في فوارق جوهرية بين العقل الشرقي والعقل الغربي .
واذا كان الراحل ادوارد سعيد قد ذكر في كتابه ان هناك مئات من مراكز البحث الامريكية متخصصة في شؤون الشرق الاوسط وشجون العرب بالتحديد، فيما لا يوجد في عالمنا العربي واحد بالمئة من ذلك العدد، فقد سبقه نجيب عقيقي بزمن طويل حين ذكر في كتاب عن المستشرقين ان هناك تسع جامعات في امريكا تعد طلاّبها لنيل الدكتوراه في اللغات الشرقيةعدا المدارس اليهودية والمسيحية التي تُعنى باللغات الشرقية .
أنقول بعد ذلك ان جهلنا بصورتنا لدى الاخر هو ما يدهشنا حين نراه يستخف بنا قوميا ووجوديا ؟ وان معرفة السبب لو تحققت بالفعل لابطلت كل هذا العجب!!!

كاتب اردني

خيري منصور

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية