ربما تكون مقولة مارك شبيغلر التي وصف بها تجارة الفن بأنها «أكثر ليونةً وحضارةً من الصناعات الأخرى» فيها الكثير من الواقعية، فالمدير العام للمعرض الدولي (آرت بازل) والرجل الذي يُصَنَّف كواحد من أهم خمس وعشرين شخصية مؤثِّرة في العالم، يُفسِّر (ولو بشكل غير مباشر) ما حدث في ميامي بيتش سنة 2002، عندما غَيَّر آرت بازل المدينة الأمريكية الفقيرة، وصارت كل نسخة من المعرض هناك تعني بيع أعمال فنية تصل قيمتها الإجمالية إلى 465 مليون يورو سنوياً. قبل ذلك التاريخ كانت ميامي بيتش واحدةً من أفقر المدن الأمريكية التي تفوح منها رائحة الذهول والعنف، لكنْ اعتباراً من العام المذكور صار جميع من في المدينة ينتظر ذاك الحدث الفني العالمي ويخطط لِغَلّةٍ أكبر تملأ سلال الموسم بالمزيد.
يُعتبر آرت بازل معرضاً دولياً ربحياً للفن المعاصر، يُقام سنوياً في ثلاث بقاع عالمية: بازل/ سويسرا، ميامي بيتش/ فلوريدا- الولايات المتحدة، وهونغ كونغ. ويقدم المعرض منصاتٍ لعرض وبيع الأعمال الفنية، كما يتميز هذا النوع من المعارض بأنه لا يفرض أي قيود على الأعمال المعروضة. فكرة تأسيس المعرض الدولي آرت بازل تعود لعام 1970 حيث أسسه كل من السويسريين أرنست بيلير، ترودي بروكنر وبالتز هيلت.
في عامه الأول في سويسرا استضاف آرت بازل 90 معرضاً من عشر دول وجذب أكثر من 10000 زائر، وفي عام 2002 كان المعرض قد خرج من سويسرا ليُطلقَ أول فرعٍ له في ميامي بيتش، حيث شارك فيه 120 معرضاً ليصل إلى هونغ كونغ سنة 2013.
في الرابع عشر من حزيران/ يونيو 2022 وبعد عدة أيام من العواصف المطرية، كان الصيف قد حطَّ رِحالَهُ مُجَدّداً في بازل، المدينة التي يقسمها نهر الراين إلى قسمين، فيما قُسِّمَ الفن المعاصر المقبل من أربعين دولة إلى صالتي عرض ضخمتين: الصالة رقم 1 والصالة رقم 2. التنظيم المدهش كان أكثر ما يثير الاهتمام، فابتداء من محطة القطار يقودكَ الترام خلال زمن لا يتجاوز تسع دقائق إلى (بازل ميسسي بلاتز) ليتوقف مقابل الصالة رقم 1، بهذا التنظيم الأنيق والفعّال تحوَّل النقل العام إلى بوصلات سريعة، لدرجة أننا نرى الأثرياء يُفضِّلون الترام على الليموزين!

بعيداً عن عذابات العالم، يُعَدُّ معرض بازل حَدَثاً رئيسياً في سوق الفن المعاصر، حيث جمعَ، حتى 19 حزيران/ يونيو 2022، مئتين وتسعةً وثمانين داراً للعرض، تُمَثل ما يقرب من 4000 فناناً ينتمون إلى أربعين دولة، اقتسمتها أربع قارات: أوربا، آسيا، والقارة الأمريكية بينما شاركت القارة الافريقية بمعرضين.
اللافت في هذه النسخة من بازل آرت أنه سهَّل المشاركة لبعض دور العرض الصغيرة، عن طريق تخفيض الأسعار، لأنه لم يَتَسنَّ لها المشاركة سابقاً.
فور الولوج إلى القاعة رقم 1 استوقف الزائرين 76 زِياًّ أقرب ما يكون للزِي العملي النسائي، الذي يعكس بموديلاته البسيطة مفهومَ الحرية والفاعلية والأناقة البسيطة، وفيه الكثير مما يرمز إلى الـ(نَحْنُ) العالمية التي تُفضِّل الحرية (العملية) كأسلوب عيش، بعيداً عن بريق الأناقة الكلاسيكية التي تحبس الجسد وراء قضبان الزِيّ. العمل للمُصَمِّمة الأمريكية أندريا زيتيل التي صمّمتهُ لفصول السنة كافة في الفترة الممتدة بين 2003 ـ 2013. وقد اعتُبِرَت تلك الأزياء باباً واسعاً فتحته أندريا زيتل أمام مُناصري (العملي) الذي خفف من عبء الزي الرسمي. وقد اختارت إدارة المعرض مكان ذلك العمل في مدخل الصالة رقم 1 كرسالة مفاهيمية مفادها، أن آرت بازل بهذه النسخة، يُعِّبِّر وبشكل عملي جداً عمّا يريده من جامعي الأعمال الفنية وهو شراء أعمال رأوها على الإنترنت مسبقاُ ولم يتبقَّ سوى أن يعاينوها ويشتروها.
العمل الفني المثير للاهتمام كان في القاعة رقم 2 وحمل عنوان «غرفة البدء» للفنانة الفرنسية تانيا مورو، يرتكز هذا العمل على مشروعها الذي بدأته سنة 1968، حيث أنشأت أول بيئات لها، والمعروفة باسم «غرف البدء» يمثل المشروع مساحاتٍ بيضاء مطلية بالورنيش، فيساهم كل شيء في سبر وفهم مفهوم الفضاء بطريقة حِسيّة، معتمدةً على الوعي الذاتي من خلال التصورات. وليس على الزائر سوى تغليف حذائه بكيس أزرق (صديق للبيئة) والجلوس في زاوية غرفة بيضاء ذات تكوين أبيص أملس، ثم التأمل في موسيقى تسجيلية كونية داخل تلك الغرفة. الأعمال الفنية النحتية اللافتة في القاعة رقم 1 كانت للبريطاني توماس جي برايس ذي الـ41 عاماً، الذي تقف فيه امرأة ذات أصول افريقية وقد وضعت يديها في جيبيها. العمل من البرونز بطول مترين وسبعين سنتيمتراً ووزن 420 كغم.. مستمدُّ من الشخصية ذاتها في عمله Reach out، التي تبدو فيه المرأة ذاتها وهي تُقَلِّب في هاتفها المحمول باحثةً عن رقم شخص ما. فيما يبرز عمل الهولندي فولكرت دي يونج ذي الخمسين عاماً «إطلاق النار» الذي أنجزه سنة 2006، وهو عبارة عن تركيبة نحتية لمواد: ستايروفوم صناعي، رغوة البولي يوريثان، خشب وفولاذ. يتكون التركيب من شخص جاثم ضخم محاط بالجنود، يبتسم ابتسامة جنونية. إلا أن هذا النوع من المنحوتات المُروِّعة يُعتبر بمثابة شهادة صامتة على حالة الإنسان المعاصر!
العمل الأكثر إدهاشاً كان للأمريكي الأسمر ليوناردو درو البالغ من العمر واحداً وستين عاماً، وهو عمل تجريدي أقرب ما يكون لـ(التَشَظّي) التصقتْ فيه شظايا لقطع أخشاب ملونة على حائطين أبيضين متلاصقين بزاوية مثلث مفتوح حاد الزاوية، في ترميز شفاف للأوضاع العالمية في القرن الحادي والعشرين.
في القاعة رقم 2 يلفت انتباه الزوار عمل فني مُبتَكَر مناهض للتحرُّش الجنسي، نفّذتْه الفنانة الإسبانية أليثيا فراميس في سياق موجة (أنا أيضاً) المناهضة للتحرش الجنسي، ويُعتبر عملاً فنياً متفرداً لأنه «عبارة عن سلسلة فساتين نسائية مصنوعة من الأنسجة المستخدمة في الوسادات الهوائية داخل السيارات، وهي تنتفخ وتَنفِّس، وذلك لحماية النساء اللواتي يرتدينها في محيط عملهن. وهو ما صرَّحت به الفنانة الإسبانية لوكالة الصحافة الفرنسية، الحاضرة بقوة طيلة أيام آرت بازل!
في ما يخص التغطية الإعلامية لآرت بازل، تُصيب الدهشة روكسانا آزيمي الصحافية المتخصصة بشؤون الفن والمبعوثة الرسمية لصحيفة «لوموند» الفرنسية، فتكتب بتاريخ 16/06/2022 عن التسهيلات التي قُدِّمَتْ (للأثرياء) في كيفية حصولهم على أفضل أعمال الفن المعاصر وبأسعار عالية: «منذ يوم الاثنين، 13 حزيران/ يونيو إلى مساء الأربعاء، 15 حزيران/ يونيو، تم تسهيل الوصول لجامعي اللوحات الذين يحملون بطاقات VIP (التي تخضع لتَدَرُّج يسمح لهم بالوصول إلى أفضل الأعمال الفنية لكسب عاملَي الوقت والجودة في شراء تلك الأعمال (الطازجة كلحم الحمَل) مع أسلوب ترحيب يجعل جامعي اللوحات يندفعون في ممرّات المعرض، بينما يُطلَبُ من «الأشخاص الأقل أهمية» الانتظار!

هذه الساعات الأولى، وأحياناً هذه الدقائق الأولى، مُهمَّة للمؤسسات التجارية الكبيرة المتخصصة بشراء الأعمال الفنية، لأنهم إذا لم يشتروا في نهاية اليوم، فستضيع الفرصة. لذلك يجب أن يكونوا قادرين على التفاوض مع جامعيهم دون أن يزعجهم المتفرجون!». «في أعقاب ذلك، باع المعرض أيضاً أعمالاً مهمة يوم 15/06/2022، تلك الأعمال تنتمي لمؤسسة (هاوزار أوند ويرث) Hauser & Wirth، وحسب «صحيفة الفن» فقد بلغ حجم المبيعات 75 مليون دولاراً. حسناً، لقد فعلوا ذلك بنجاح غير متوقَّع لأن البيانات الصحافية الأولى بدأت بِزَوبعاتها، فبِيعَ عمل «العنكبوت» للفنانة الأمريكية لويز جوزيفين بورجوا الذي أُنجِزَ عام 1996، وعرَضتْهُ المؤسسة السويسرية في اليوم الأول مقابل 40 مليون دولار (38.4 مليون يورو). وهو عمل نحتي ضخم من الفولاذ بارتفاع 3.26 متراً، ويقف على مساحة تصل إلى حوالي سبعة أمتار». تضيف روكسانا آزيمي.
يكتب الصحافي الأمريكي سكوت ريبورن أيضاً مؤكداُ في مقاله في «النيويورك تايمز» بتاريخ 16/ 06/2022 أن المؤسسة السويسرية باعت عمل العنكبوت للويز جوزيفين بورجوا:» بالعودة إلى فقاعة عالم الفن الدولي، يبدو الأثرياء، في الوقت الحالي، وكأنهم في فورة إنفاق بعد سلسلة المزادات الضخمة التي استمرت أسبوعين في شهر أيار/ مايو في نيويورك، والتي جَمَعتْ أكثر من 2.5 مليار دولار، كان هواة الجمع يبحثون عن المزيد من الأعمال الحديثة والمُعاصرة المرغوبة في النسخة الجديدة من معرض آرت بازل في سويسرا، الذي افتُتِحَ أمام الضيوف (المُهمّين) يوم الثلاثاء 14/06/2022. حيث تم الإعلان عن بيع تمثال «العنكبوت» الأيقوني للفنانة لويز جوزيفين بورجوا، العائد لمجموعة هاوزار أوند ويرث، الذي بلغ سعره 40 مليون دولار، باعتباره الأكبر من بين العديد من مبيعات (أصحاب التذاكر الكبيرة)».
تضاعفت في المعرض كذلك عمليات البيع التي تمَّتْ بمبالغ أقل، إذ بيع عمل للرسام الأرميني أرشيل غوركي مقابل 5.5 مليون دولار، بالإضافة إلى لوحة زيتية للدادائي الفرنسي فرانسيس بيكابيا بأربعة ملايين دولار. وحقَّقتْ عمليات البيع في اليوم الأول رقماً لامس الـ 75 مليون دولار. كما باعت صالة ديفيد زفيرنر للعرض عملاً للفنان المتخصص في الفنون المرئية الأمريكي فيليكس غونزاليز- توريس، المولود في كوبا والذي توفي في سن 36 عاماً بـ 12.5 مليون دولار، بالإضافة إلى لوحة أنجزتها الفنانة الهولندية /الجنوب افريقية مارلين دوماس، التي بيعت مقابل 8.5 مليون دولار. بينما باع الأمريكي مارك غليمشر المدير التنفيذي ورئيس معرض (بايس) في نيويورك لوحةً زيتية للفنانة الأمريكية الراحلة جوان ميتشيل مقابل 16.5 مليون دولار ووضع منتجات رقمية مستقبلية بصيغة «إن إف تي» تُمثل أعمالاً فنية للأمريكي جيف كونز ستُباع الواحدة منها بمليوني دولار.
مع انحدار في أسواق الأسهم، فإن بعضاً من الـVIP طمأنوا زوّار آرت بازل، بأن سُمعة آرت بازل راسخة باعتبارها المعرض الأبرز للفن الحديث والمعاصر في أوروبا، مؤكدين أن الفن العالمي خيرُ ضمان لاستقرار السوق، حيث قالت إيميلي باستور، وهي جامعةُ أعمال فنية في موناكو: «أستطيع أن أشعر بالقلق من تراجع سوق الأسهم، إنَّ السوق يأخذ المزيد من الوقت ويبحث عن أسماء آمنة. أما أنا فسأختار المزيد من الفنانين الكلاسيكيين الراسخين، أو غير المعروفين».
إذن هو القرن الحادي والعشرون، يضع بصمات التغيير في كل الأمكنة والاتجاهات، حيث لا أحد يفكر في التجوُّل بسيارة فارهة، أو يتنقل ضمن موكب من المصورين والصحافيين، لا أحد يريد بعد الآن أن يمشي بخطىً واثقة كما كان جامع اللوحات السويسري الشهير إيميل بيرلي، أو الفرنسي هنري كانفايلر، وهما يرتديان بدلتيهما الـ(توكسيدو) بل هناك قادمون آخرون، يفركون أيديهم وينظرون دون قلق إلى الأمام، لأنِّ رأسمالهم أعمال فنية ليست بحاجة إلى أن تَتَفَقَّدَ قيمتها الثابتة، كالمعادن النفيسة.
إسماعيل كرك
كاتب سوري