غزة– “القدس العربي”:
أمضى الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال عيد الأضحى في ظروف نفسية قاسية جدا، لبعدهم عن الأهل والأحبة، وعدم اشتراكهم في الطقوس المعتادة، غير أنهم رغم ذلك، حاولوا، بما هو متوفر لديهم، إدخال شيء من الفرحة، بصناعة الكعك والحلوى بإمكانيات بسيطة، ضمن محاولاتهم للهروب من الأحزان.
وتجسد المشهد الذي رسمه الفنان الفلسطيني ناجي العلي في كاريكاتير “كعك العيد” الخاص بالفلسطينيين، في واقع الأسرى المرير، فبدلا من الكعك الذي يتناوله المسلمون حسب عادة الأعياد، خلال تقديم التهاني، كانت هناك أغلال وسلاسل، تكبل حريتهم، وتحرمهم من الأهل ومعانقة الحرية، خاصة أن هذا العيد مرّ على الأسرى، ومن بينهم من يصارع الموت، إما بسبب الإضراب الطويل عن الطعام، رفضا للاعتقال الاداري، أو بسبب ضعف جسده الذي نهشه المرض والسرطان.
ومشاعر وأجواء العيد والحياة داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي تختلف عما خارجها، فهناك أجواء العيد تنكأ أحزاناً كبيرة، وتعيد تذكير الأسرى ببعدهم عن الأهل والأحبة والأبناء.
فمن الأسرى من أمضى عشرات السنين خلف القضبان، محروماً من الاجتماع بأهله وأبنائه، ومن بين الأسرى أطفال يعيشون هذه الأجواء للمرة الأولى، ويتذكرون كيف أقرانهم في هذه الأيام، يحصلون على “العيدية” من آبائهم وأمهاتهم وأقاربهم، وهم يذوقون شتى أنواع التنكيل والتعذيب، ومن بينهم أمهات فرقت أسوار وأغلال السجون بينهن وبين أبنائهن في الخارج، وقلوبهن في مثل هذه الأوقات تعتصر ألماً على الفراق.
وتبدأ سلطات الاحتلال، ما بعد الأيام الأولى للعيد، في فتح باب الزيارة للأهل، لتتجدد خلال تلك الدقائق المعدودة ذكريات مبهجة للأسرى وذويهم قبل الاعتقال، تجبر الأسير وذويه على ذرف الدموع اشتياقا للاحتفال من جديد بأجواء العيد بعد التحرر من الاعتقال، رغم أن من بين الأسرى من هم محكومون بأحكام تصل إلى مئات السنين، ومن بينهم من يمضي حكما بالسجن مدى الحياة.
ويقول الباحث عبد الناصر فروانة، المسؤول في هيئة شؤون الأسرى والمحررين، إنه من الصعوبة بمكان وصف الحياة وترجمة المشاعر التي يعيشها الأسرى في العيد، ويقول إن الأسرى يعيشون داخل السجون المحاطة بالجدران الشاهقة وداخل الغرف المغلقة ظروفاً صعبة، ويُعاملون بقسوة ولا إنسانية.
ويوضح أن العيد في السجون رغم أنه مناسبة إسلامية سعيدة، لكنها أيضا تكون “ثقيلة ومؤلمة”، وتمر ساعاتها المعدودة وأيامها المحدودة ببطء شديد، والحياة والمشاعر فيها مختلفة، فيضطر الأسرى لإحياء المناسبة بطقوس خاصة.
ويشير إلى أن الأسرى في العيد يضطرون لاستحضار شريط الذكريات، بما حمله من مشاهد ومحطات مختلفة، فبعض الأسرى ينطوون لساعات طويلة في زوايا الغرف الصغيرة، والبعض الآخر يشرع في ترجمة ما لديه من مشاعر على صفحات من الورق، ليخطّ بعض القصائد والرسائل على أمل أن تصل لاحقاً إلى أصحابها، وقد لا تصل وتبقى حبراً على ورق، فيما الدموع تنهمر من عيون بعضهم حزناً وألماً على ما أصابهم وأصاب عائلاتهم.
ويوضح أيضا أن هناك المئات من الأسرى قد استقبلوا عشرات الأعياد بين جدران السجن، ومنهم من احتفل بالعيد مع أبنائه خلف القضبان، ومن بين الأسرى من فقدوا أحبة لهم وهم في السجن، وتبخر الأمل في الاحتفال بالعيد مع آبائهم وأمهاتهم وأعزاء على قلوبهم.
وكما الحسرة التي يعيشها الأسرى، هناك حسرات أخرى تعيشها عوائلهم، وذلك باستذكار الأطفال آبائهم، واستحضار الأسرة سيرة نجلها، وهو ما يجعل العائلة تفقد مشاعر الفرح.
ويقول فروانة إن أجواء العيد هذا العام أكثر قسوة، خاصة أن الزيارات متوقفة لأهالي أسرى قطاع غزة، وهي غير منتظمة بالنسبة لباقي الأسرى منذ انتشار جائحة “كورونا”.
ويشير مركز فلسطين لدراسات الأسرى إلى أن هناك 250 أسيراً على قائمة عمداء الأسرى، أقلهم أمضى 40 عيداً، وأكثرهم أمضى 84 عيداً في سجون الاحتلال، بعيدا عن أهله وأحبائه.
ويقول مدير المركز رياض الأشقر إن الفرحة باستقبال العيد لم تدخل منذ سنوات طويلة على المئات من بيوت الأسرى القدامى على وجه التحديد، الذين أمضوا ما يزيد عن 20 عاما في سجون الاحتلال، وأن هؤلاء الأسرى يحدوهم الأمل في كل عام أن يكون مختلفاً عما سبقه، وأن يجتمعوا مع أحبائهم محررين بين أحضانهم.
ورغم الألم، إلا أن الأسرى يحاولون التغلب على أحزانهم، أو بالأحرى الهروب منها، من خلال صناعة الحلوى وفقا للإمكانيات المتاحة، والاستيقاظ المبكر صبيحة العيد، وارتداء أجمل الملابس، والخروج إلى الفورة (الساحة) لصلاة العيد، ومن ثم يصطفون بشكل دائري، ويصافحون بعضهم البعض، ويتبادلون التهاني، ويوزعون الحلوى والكعك الذي صنع بإمكانيات بسيطة.
وتقول هيئة الأسرى إن عيد الأضحى حل هذا العام وأوضاع الأسرى وظروف احتجازهم، في غاية القسوة، حيث صعدت سلطات السجون من عمليات الاقتحامات والاعتداءات والقمع، وكذلك عودة انتشار فايروس “كورونا”، الذي تقابله سلطات الاحتلال بالاستمرار في تغييب إجراءات الوقاية وتدابير السلامة، كما حل العيد وهناك أسرى لا يزالون يواصلون معركة الإضراب عن الطعام، وآخرون على أسرّة المرض بسبب تدهور وضعهم الصحي.
ولا يزال الأسير رائد ريان (27 عاما)، من بلدة بيت دقو شمال غرب القدس المحتلة، يواصل إضرابه المفتوح عن الطعام لليوم الـ 97 على التوالي، رفضا لاعتقاله الإداري، فيما يستأنف الأسير خليل عواودة (40 عاما) إضرابه المفتوح عن الطعام منذ 10 أيام، احتجاجا على تراجع سلطات الاحتلال الإسرائيلي عن الإفراج عنه، بعد أن علقه سابقا بعد 111 يوما من الإضراب.
والأسير ريان المتواجد في “عيادة سجن الرملة”، يعاني من نقص حاد في الوزن، ونقص في السوائل، والفيتامينات والبروتينات، وحالات من الدوار، والتقيؤ، وأوجاع في كل أنحاء جسده، ويتنقل على كرسي متحرك، ووضعه الصحي يزداد خطورة مع مرور الوقت، ورغم ذلك ترفض إدارة السجون نقله إلى مستشفى مدني.
كما يعاني عواودة من وضع صحي آخر خطير، ويقول المتحدث باسم هيئة شؤون الأسرى والمحررين حسن عبد ربه، إنه كان من المفترض أن يتم الإفراج عن عواودة نهاية الشهر الماضي، لكن الاحتلال تراجع عن تعهداته ومدد اعتقاله لمدة أربعة أشهر، ما جعل الأسير عواودة، الذي يرقد في مستشفى “أساف هروفيه” الإسرائيلي، يعاود الإضراب عن الطعام من جديد، محذرا من أن استئناف الأسير لإضرابه عن الطعام من جديد بعد إضراب طويل، يشكل خطورة كبيرة على صحته، أشد من فترة الإضراب المتواصلة التي خاضها.
وقد أشاد الناطق باسم حركة حماس حازم قاسم بالأسيرين عواودة وريان في إضرابهما المفتوح عن الطعام، رفضاً لاعتقالهما الإداري، وقال، في تصريح صحفي: “هذه الإرادة الصلبة والعزيمة الجبارة لأسرانا الأبطال، قادرة على الدوام على فرض إرادتها في معركة الكرامة، وسيجلب الأسرى بأمعائهم الخاوية نصراً، كما في كل معارك الإرادة ضد السجان الصهيوني”.
وفي السياق، يواصل المعتقلون الإداريون مقاطعتهم لمحاكم الاحتلال الإسرائيلي لليوم الـ 292 على التوالي، في إطار مواجهتهم لجريمة الاعتقال الإداري، وذلك حتى شهر سبتمبر القادم، حيث هدد الأسرى بالدخول في إضراب مفتوح عن الطعام، حال لم تستجب إدارة السجون لمطالبهم.
والجدير ذكره أن سلطات الاحتلال وإدارات المعتقلات، تتذرع بأن للمعتقلين الإداريين “ملفات سرية” لا يمكن الكشف عنها مطلقا، حيث لا يعرف المعتقل مدة محكوميته، ولا التهمة الموجهة إليه، وفي الغالب يتعرض المعتقل الإداري لتجديد مدة الاعتقال أكثر من مرة لمدة ثلاثة أشهر أو ستة أشهر أو ثمانية، وقد تصل أحيانا إلى سنة كاملة
يشار إلى أنه في اليوم الثاني لعيد الأضحى، جرى الإعلان عن تسجيل 16 إصابة جديدة في صفوف الأسرى في “سجن عسقلان” بفيروس “كورونا”.
وذكر نادي الأسير أن عددًا من المصابين هم من الأسرى المرضى الذين يعانون أمراضًا مزمنة، ويقضون أحكامًا عالية منها المؤبد، محملا إدارة سجون الاحتلال المسؤولية الكاملة عن مصيرهم.
والحدير ذكره أن سلطات الاحتلال تعتقل نحو 4650 أسيراً، بينهم 30 أسيرة، و180 طفلا و650 معتقلا إدارياً، وبينهم أكثر من 500 أسير وأسيرة، يعانون من أمراض مختلفة، بينهم عشرات من ذوي الاحتياجات الخاصة ومرضى السرطان وكبار السن.