المُنظِّر السَّردي ودوره في فك المستغلقات ورصد المتروكات

تتأتى إشكالية إنتاج الخطاب السردي من تعدد الأطراف التي تشترك في بنائه وفاعلية كل طرف منها في تكوينه، وهي داخلياً تتمثل في (السارد والمسرود والمسرود له) وخارجياً تتمثل في (المؤلف والنص السردي والقارئ) وهذه الأطراف الستة الداخلية والخارجية، هي في مجموعها تعمل على جعل النسيج السردي واحداً إبداعاً وتلقياً. ومتى ما تلاءمت هذه الأطراف وانسجمت، انتجت خطاباً موازياً للخطاب السردي نفسه، أي أن التخييلي المتأتي عن محاكاة ما هو واقعي، سيحاكيه القارئ أيضا محوِّلا بالتلقي ما هو تخييلي إلى واقعي. وهذا يدل على أنّ الفاعلية المتحصلة بالخطاطة سداسية الأطراف أعلاه ستختزل مُختصرة حالها في خطاطة ثنائية طرفاها (التخييل/الواقع) ويبقى نجاح الفاعلية في التلاؤم والانسجام ما بين هذه الأطراف كلها، متوقفاً على مؤلف كان قد أنتج وقارئ سيتلقى. وبهما تتحقق تداولية الخطاب ويتم توصيل المراد توصيله من المؤلف إلى القارئ ودونهما لن تكون لهذه البنية قيمة أو أهمية، لأن البنية لا تُبتنى من تلقاء نفسها، ولا بد لها من مؤلف ينتجها، وأن إنتاج البنية من طرف المؤلف يظل ناقصاً دون متلق، يمنحها استمراراً وفاعليةً، مخرجاً إياها من صيغتها الكتابية التي هي عليها إلى آفاق قرائية من الشرح والتفسير والتأويل.
ولا شك في أنّ البعد القرائي لما هو سردي يتمم في أهميته وفاعليته البعد الكتابي للخطاب السردي. وكيفما يكن مستوى الكتابة تكن عملية التلقي القرائي. وإجادة الإنتاج تعني أن الخطاب استطاع توصيل ما أراده مؤلفه منه إلى القارئ، وأن هذا القارئ سيكون منتجاً ثانياً لما أنتجه المؤلف. وهذه الفرضية مفروغ منها في أدبيات التلقي والقراءة، لكن الإشكال يظل قائماً حول هذا الإنتاج من ناحية أنه خطاب سردي ذو بنية داخلية لها نظامها الخاص، ويمكن للمؤلف والقارئ أن يكونا حاضرين فيها؛ الأول في هيئة السارد والثاني في هيئة المسرود له.
وإذا كنا نرهن مسألة الخطاب السردي بالمؤلف أفلا ينبغي له إذن من وجود أو بعض وجود في الخطاب المكتوب؟ أو ليس للقاص والروائي حصة في ما يقوم بإنتاجه؟ ولماذا نفهم الإبداع على إنه فعل مستقل عن فاعل قام بإبداعه؟ أيمكن للمحاكاة أن تجعل ما يدور في خلد الكاتب من موضوعات هو غيره عند الكتابة، نازعة عن الكاتب ذاته ومصيِّرة الذات موضوعاً؟ وهل تغدو لكتابة السرد اشتراطات أو سمات تُجبر الكاتب على التنحي جانبا كي يفسح المجال لأنا أخرى غير أناه أن تتبوأ مكانه وتشتغل نيابة عنه وتستغل إمكانياته؟ أما إذا كنا نرهن الخطاب السردي بالقارئ، فمعناه أن المؤلف حاضر من خلال طرف من أطراف الخطاب السردي، وليس مقصياً عن هذا الخطاب؛ وكيف لا يكون حاضرا والسرد هو نفسه من إنتاجه، أي أنه قام بعملية صنعه، والصناعة هي إتمام وجاهزية تجعل التلقي ممكناً من لدن القارئ؟
إن الكتابة السردية ليست محض بناء جزافي وتلقائي، ولا هي تأتي تباعاً كيفما اتفق بلا تهيؤ وتحشيد، بل هي نتاج التفكير في الواقع، وما قد يُسفر عنه التفكير من واقع متخيل. وكل ذلك يتم وفق موجهات وباعتماد أنساق وعوامل وبمحفزات تمكِّن كل طرف من الأطراف على القيام بوظيفته. وليس سهلاً فهم ميكانيزمية عمل كل طرف، ولا إدراك مبتغياته جميعها دون وضع قوانين محددة لكيفيات تحقق تلك الميكانيزما.
وقد اجتهد المنظرّون السّرديّون كثيراً في سبيل فهم هذه الميكانيزمية، أو تفسير كيفية اشتغالها فوضعوا النظريات وسنّوا الأسس، وابتدعوا المفاهيم واجترحوا الفرضيات وقدَّموا الإثباتات في شكل معادلات ورسوم وجداول وإحصاءات. كل ذلك من أجل فك إشكالية إنتاج الخطاب السردي التي بفهمها تُفهم العمليتان اللتان هما خارج الإنتاج السردي، أعني الإبداع من ناحية منتجٍ هو المؤلف ومن ناحية متلقٍ هو القارئ. وهذا كله قام علم السرد البنيوي بالإسهام فيه وبلورته في كثير من الجد والاجتهاد، وبالفعل تمكّن من فك بعض المستغلقات المعرفية حول الخطاب السردي وميكانيزما إنتاجه. أما مسألة تلقي هذا الخطاب فكانت من أولويات النظريات الانفتاحية ما بعد البنيوية كنظرية التلقي والقراءة، ونظرية نقد استجابة القارئ والنظرية التناصية، أو التداخل النصي وما طرحته الدراسات الثقافية حول تداخل العلوم وتكاملها من مفاهيم ومصطلحات، فضلا عن مناهج التفكيك والسيمولوجيا..

وما على المنظِّر السَّردي سوى أن يستنفر قدراته من جديد وصفاً وافتراضاً وتنظيراً، لعله يفك إشكالية ما من إشكالات مستجدة طرأت على الخطاب السردي، وجعلت عملية إنتاجه برمتها مولِّدة لنقد جديد، عليه أن يُضيء مناطق هذا الإنتاج المعتمة، ويُظهرها على السطح.

فهل يا ترى استكملت عملية فك استغلاقات الداخل السردي من ناحيتي ميكانيزما البنية الداخلية للسرد وميكانيزما الخارج السردي؟ لا يمكن القطع في هذا الأمر قطعاً تاماً، لأن لكل نظرية نواقصها ومتروكاتها، التي من خلالها تتمكن نظرية أخرى من النمو والتشكل من جديد في دورة طبيعية لا نهاية لها. ومهما كانت وتيرة التطورات المعرفية متسارعة وحثيثة، فإن ميكانيزما اشتغال السرد تظل أبعد عن أن تطالها نظرية ما، أو أن يفك أسرارها منهج أو قانون. ومنذ القدم وإلى يومنا هذا وعملية التأثر والتأثير السردي بين الأمم حاصلة، وكل أدب سردي يأخذ من آداب أخرى ما يجعله مجرِّبا آليات وتقانات، بها يستمر نهر جريانه بالتدفق، فلا يتوقف عند حد معين. من هنا لا تدوم اجتراحات المفاهيم التي تبغي وصف العملية السردية بما فيها من سرد وسارد ومسرود ومسرود له، كما لا تستقر المصطلحات عند ضفة الخطاب والنص والملفوظ، ولا تقبع في جادة معينة لأنه سرعان ما تبزغ ضفاف وجادات.
وما على المنظِّر السَّردي سوى أن يستنفر قدراته من جديد وصفاً وافتراضاً وتنظيراً، لعله يفك إشكالية ما من إشكالات مستجدة طرأت على الخطاب السردي، وجعلت عملية إنتاجه برمتها مولِّدة لنقد جديد، عليه أن يُضيء مناطق هذا الإنتاج المعتمة، ويُظهرها على السطح. وقد يُوصف هذا النقد الجديد بأنه علْم، ولا ضير في ذاك، إذا فهمنا أن الفلسفة هي أم العلوم وأن النقد مهما كانت علومه، فإنها في المحصلة تصبُّ في الفلسفة شاء الفلاسفة أم أبوا. وكلما بدا الغموض محتوياً الخطاب السردي وميكانيزما فاعليته، فذلك دليل تجدده وتنوع مساراته وامتداد أفضيته. والعكس صحيح فمتى ما جمد السرد عند ما هو متعارف وما هو متوقع، كان الوضوح طاغياً على خطاباته. ومع الاستمرار في التجريب والمداومة على هذه الفاعلية يغدو النقد محتاجاً إلى مزيد من المفاهيم والنظريات، التي بها يحاول سبر الغامض من التجريب والغوص بحثاً عن ميكانيزما التفاعل السردي. وإذا كان علم السرد البنيوي، أو علم السرد الكلاسيكي، قد قال ما هو مهم وأفاض في سمات وموجبات ومسائل تصب في باب فنية السرد وموضوعيته، فإن علم السرد ما بعد البنيوي، أو ما بعد الكلاسيكي يحاول أن يبتدع الجديد والمبتكر، وكأن ما اجترحه علم السرد الكلاسيكي وسنَّه ووضعه من فروض ومفاهيم ومنظورات، كان قد جُمد واستقر وصار لزاماً تغييره والتجديد فيه. بمعنى أن علم السرد ما بعد الكلاسيكي لا يريد مضاهاة علم السرد البنيوي، بل هو يسعى إلى التميز عليه في الكشف عن مزيد من مستغلقات الخطاب السردي، وذلك لأمرين: الأول كي يصح وصف نفسه بأنه ما بعد كلاسيكي والآخر أن تكون له مشاريعه ومدارسه أسوة بما لسابقه من مشاريع ومدارس.
وقد يصح التوصيف بـ(الكلاسيكي) ويصدق النعت بـ(ما بعد الكلاسيكي) وربما يكون استعمال الكلاسي وما بعد الكلاسي هو الأدق لأن صوت كي/ cal تحول الكلمة الإنكليزية من الإسمية إلى الصفة، ومن ثم لا نحتاج عربياً أن نضيف الصوت عينه للكلمة لعدم حاجتنا إليه.. بيد أن المهم هو أن ليس ذلك بمؤثر في ميكانيزما إنتاج الخطابات السردية التي تظل على هيأتها في التجدد واللاثبات. ومن ثم يستمر النقاد السرديون أيضا في التعاهد على مواكبة التجديدات السردية، حتى إذا فرغوا من توصيف أو تنظير استجد في السرد أمر يجعل نقاداً غيرهم، أو من الذين سيأتون من بعدهم يتعاهدون على فهم وتوصيف المتغاير في الخطاب السردي، الذي لن يقف عند حدّ إبداعي معين. وكلما حصل في السرد تجريب جديد، أخذت إشكالية الخطاب السردي تتمظهر مجددا، وكأنك يا أبا زيد ما غزيت. والمسألة في هذا كله مرهونة بهذا التلاقي الحتمي والترابط الوجودي بين السرد والحياة؛ فسيرورة الأول (السرد) هي من استمرارية الثاني (الحياة). وما من وسيط بينهما سوى التخييل والإنسان، وإذا كان في الأول يدوم السرد، فإن في الثاني تستمر الحياة؛ والإنسان هو محور الحياة ومحور السرد. وكفاءة أي تنظير لإثبات علميته هي في مدى قدرته على مواكبة مستجدات الميدان الذي يبحث فيه ويُنظِّر له، والبغية رصد الفوارق في ميكانيزما هذا الإنتاج.

كاتبة عراقية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية