قمة جدة «للأمن والتنمية» تفتح باب «العودة الأمريكية» بعد «خطأ» الانسحاب!

رلى موفق
حجم الخط
0

الإعلان السياسي للقمة الأمريكية-الخليجية في جدة من شأنه أن يرسم حجم التحول السياسي في الشرق الأوسط. تتضمن وثيقة «إعلان القدس» التي وقعها الرئيس الأمريكي جو بايدن ورئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لابيد التزام واشنطن بمواصلة لعب دور نشط في بناء هيكل إقليمي قوي لتعميق علاقات إسرائيل وشركائها ودمجها في المنطقة وتوسيع دائرة السلام لتشمل دولاً عربية وإسلامية أخرى. وهذا الهيكل الإقليمي، والذي يطلق البعض عليه تسمية «ناتو شرق أوسطي» كان وسيبقى بنداً مطروحاً في كل القمم والاجتماعات والمنتديات الأمريكية-العربية إلى أن يتم إنجازه كلياً.
ليس النقاش ما إذا كان هذا «الهيكل الإقليمي» سيبصر النور كحقيقة ملموسة، بل متى سيتم الإعلان عنه. الديمقراطيون العائدون اليوم إلى الانخراط في المنطقة بقوة، بعد الإقرار بخطأ استراتيجية الانسحاب منها، يقولون انهم يحملون رؤية مغايرة لتلك التي أرساها باراك أوباما بالتوصل إلى اتفاق مع إيران حول برنامجها النووي يدير الظهر لحلفاء واشنطن الإقليميين ويشرع الأبواب أمام طهران لمد نفوذها. هو الاتفاق الذي شرع أبواب المنطقة أمام روسيا والصين التي اعتبر الديمقراطيون أنهم معه سيتفرغون لكبح صعود «التنين الأصفر» و»طموحات القيصر» بغية إنهاء القطبية الأحادية في النظام العالمي الذي استحوذت عليه الولايات المتحدة الأمريكية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي كقوة عظمى وحيدة.
ما كان ممكناً بروز رؤية بايدن الهادفة إلى «تصويب البوصلة» لولا حرب روسيا على أوكرانيا وما كشفته من تبدلات جيوسياسية ومن اضطرابات في الأمن الغذائي وأمن الطاقة. يأتي الرئيس الأمريكي حاملاً شعار «لن نترك المنطقة لتملأها روسيا والصين» بمعنى أنها تعود لترتيب أوراقها من جديد لإقفال الباب أمام ثغرات تسرب صيني وروسي وإيراني أكبر يحدث انقلاباً حتمياً في موازين القوى في الشرق الأوسط. بايدن حمل معه «رؤية العودة « إلى المنطقة» وكيفية الانخراط لسنوات قادمة في ضمان مسار الأمن والتنمية والاستثمار في قطاعات عدة تجديداً للشراكات الاستراتيجية التي كانت قائمة قبل أن تغلب نظرية الانسحاب من الشرق الأوسط على توجهات صناع القرار الأمريكي.
المدخل للعودة هو الملف الإيراني بكل تشعباته: الاتفاق النووي، الصواريخ البالستية، المسيرات، وأنشطتها المزعزعة للاستقرار في المنطقة سواء بتدخلها المباشر أو عبر أذرعها العسكرية. هذا الملف هو المشترك بين المشاركين في القمة الأمريكية-الخليجية التي تضم دول مجلس التعاون الخليجي الست إضافة إلى مصر والأردن والعراق، وإنْ كان بنسب مختلفة، فضلاً عن أولويات لدى كل من تلك الدول تضعها على الطاولة.
ما تعهد به بايدن في إسرائيل وجدة هو منع إيران بشكل مطلق من امتلاك السلاح النووي ومواجهة أنشطتها لزعزعة أمن واستقرار المنطقة وردع تدخلاتها في الشؤون الداخلية للدول، ودعمها للإرهاب من خلال المجموعات المسلحة التابعة لها. هو أكد أمام لابيد أن أفضل سبيل لعدم امتلاك إيران السلاح النووي هو الدبلوماسية، لكنه التزم في «إعلان القدس» بأن أمريكا مستعدة لاستخدام جميع عناصر قوتها الوطنية لضمان هذه النتيجة، وأعلن انه بحث مع السعودية في احتياجاتها الدفاعية والأمنية والعسكرية لمواجهة التهديدات، بعدما كان حجب عنها أسلحة بعد وصوله إلى «البيت الأبيض» على خلفية حرب اليمن، حيث ذهب بعيداَ في ضغطه على السعودية وفي إرضائه إيران برفع «جماعة الحوثي» عن لوائح الإرهاب التي كان أدرجهم عليها ترامب قبل مغادرته سدة الرئاسة الأمريكية.
في «إعلان القدس» جملة مفتاحية بإعراب واشنطن وتل أبيب عن حماسهما للمضي قدما في الشراكة الدفاعية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من خلال التعاون في تقنيات الدفاع المتطورة، مثل أنظمة أسلحة الليزر عالية الطاقة للدفاع عن سماء إسرائيل، وفي المستقبل عن سماء الشركاء الأمنيين الآخرين للولايات المتحدة وإسرائيل. جملة تلاها كلام المسؤول الأمريكي عن أن بايدن سيبحث القدرات الصاروخية والدفاعية المتكاملة خلال القمة مع الزعماء العرب.
سيتقدم مفهوم «تكامل القدرات في المنطقة ودمجها» وسيترجم أكثر فأكثر في الهيكل الإقليمي الذي يمكن أن يأخذ توصيفات عدة. اتفاقات إبراهام والتي شملت الإمارات والبحرين والمغرب والسودان وقبلها اتفاقات «كامب ديفيد» و»وادي عربة» و»أوسلو» التي شقت الطريق لمصر والأردن والسلطة الفلسطينية في العلاقات مع إسرائيل، تشكل الاختراقات لا بل ركائز التأسيس لما سيلحق من تفاهمات وتحالفات.
بالنسبة للأمريكيين، تتوافر الآلية التنفيذية للهيكل الإقليمي في «سنتكوم»- القيادة المركزية الأمريكية- التي تدخل دول الشرق الأوسط الحليفة لواشنطن في نطاقها، والتي تمَّ بعد «اتفاقيات إبراهام» نقل إسرائيل إليها بعدما كانت في تقع نطاق عمليات «المنطقة الأوروبية»-»إيوكوم». فمن خلال هذا الإطار، يمكن العمل المباشر بين جيوش الدول المنضوية ضمنه، ولو بشكل مرحلي. بايدن أكد خلال قمة جدة للأمن والتنمية أنه سيتم تعزيز الدفاعات الجوية والانذار المبكر لمواجهة التهديدات الجوية. وثمة بحث في الكونغرس لمقترح جمهوري- ديمقراطي يطلب من البنتاغون المساعدة في دمج الدفاعات الجوية للدول الشرق أوسطية الحليفة للتعاون الأمني ضد تهديدات طهران، وربطها بعضها ببعض.
في رأي متابعين، أن إنشاء منظومة ردع تكون قدراتها واضحة ومقنعة لإيران يمكنها أن تشكل عناصر فعلية في تفادي الحرب، ودفعها إلى الذهاب في اتجاه توقيع الاتفاق النووي الذي تقول الدول المعنية به أن الوقت بدأ ينفذ. وهنا، لا يستبعد هؤلاء، أن تعمل طهران على اختبار مدى تماسك منظومة الردع وقدراتها وقوتها وطبيعة تكاملها، ذلك أن ثبات تلك المنظومة من شأنه أن يشكل عامل توازن في المنطقة، لكنهم يعتبرون أن نقطة البداية هي في تبلور مدى قدرة إدارة بايدن على الالتزام وترجمة تعهداتها.
خاطبت كلمات القادة العرب بكثير من الحذر الجار الإيراني، لا بل أن ولي العهد السعودي دعاه لأن تكون جزءاً من العهد الجديد من التعاون المشترك في المنطقة شرط الالتزام بما تنص عليه مبادئ ميثاق الأمم المتحدة التي تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها. وأسمع كثير من الكلمات الرئيس الأمريكي على أن المفتاح لأزمات المنطقة والمدخل لبناء مستقبل سلام وأمن ورخاء يبقى حل الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني وفق حل الدولتين والتمسك بالمبادرة العربية في هذا الإطار. تأكيد من شأنه أن يسحب البساط من الأذرع الإيرانية التي تأخذ من القضية الفلسطينية ستاراً تمضي طهران من خلفه في سياسة تفتيت المنطقة.
لا أوهام بما يمكن أن يسفر عنه الإعلان الأمريكي بالعودة إلى المنطقة. الهدف الأساسي الأمريكي ليس إيران فقط، بل قبلها ومعها الصين وروسيا. واشنطن قلقة من وجود عسكري صيني نصت عليه المعاهدة الصينية-الإيرانية لحماية الاستثمارات الصينية، وكذلك وجود صيني مماثل في القرن الأفريقي. يذهب بعض الباحثين إلى الاعتقاد بأن أمريكا تريد من هذه المنظومة أن تشكل الضمانات المطلوبة لحماية أمن المنطقة، إذ أن الأولوية الأمريكية هي في التركيز على مواجهة الصين في جنوب شرق آسيا لحماية الدول الحليفة لها-اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية- وتريد، في الوقت عينه، ضمان عدم انتصار روسيا على أوكرانيا بما يفتح شهيتها لتكرار «سيناريو الغزو» على دول البلطيق.
«العودة الأمريكية» لا بد من أن تنسج شراكات متعددة الاتجاهات مع دول المنطقة مجتمعة ومنفردة سواء في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والمناخ والغذاء واتفاقيات للاستثمار بمليارات الدولارات، لكن يبقى الأمن يحتل المرتبة الأولى ما دام هو مفتاح الاستقرار والتنمية والرخاء. هذا هو مفتاح بايدن لإعادة بناء جسور الثقة بينه وبين الحلفاء التقليديين له في الشرق الأوسط، لكن التحديات التي يشهدها العالم بعد الحرب الروسية على أوكرانيا لا شك أنها تقيد الرجل. هو الامتحان الذي ينتظر الجميع نتائجه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية