القاهرة ـ «القدس العربي»: الحياة على نهر النيل لها طبيعة خاصة، فمن عاش ويعيش في ظِل هذا النهر يعرف جيداً ماذا يعني. وعلى اختلاف الدول التي تحيا من خلاله، فأساطير النهر لن تنتهي، وبالتبعية لن تنتهي الحكايات عن شعوب لم ينفصل تاريخها عن تاريخه. وعن هذه الحكايات جاء معرض بعنوان «يوميات النيل» ــ يُقام حالياً في معهد غوته في القاهرة ــ يستعرض حكايات مختلفة لمجاوري النهر العظيم، بداية من دول المنبع وحتى المصب. الكونغو، وكينيا، وأوغندا، وبوروندي، وإثيوبيا، وجنوب السودان، والسودان، ومصر. ومن خلال المعرض يمكن التعرّف على ناس النهر، وحكاياتهم المصوّرة، بعيداً عن الصورة المعهودة لشعوب هذه المناطق، والتي في الغالب إما منقوصة أو على غير حقيقتها، أو مجهولة تماماً لشعوب أخرى تتشارك معهم جيرة النهر. هذه الحكايات تكشف قضايا ومشكلات ترتبط بالنيل في كل بلد من هذه البلدان، ما بين المعاناة من فيضان أو المعاناة من ندرة المياه، والرحلة الشاقة لجلب المياه إلى مناطق بعيدة من هذه البلاد. وبصورة غير مباشرة تكشف الحكايات عن مدى فساد حكوماتها، أو سوء تخطيطها، فيتحول الأمر في النهاية إلى كارثة على هذه الشعوب.
أوغندا: منازل ابتلعتها المياه
يعد الصيد هو المهنة الأساسية في أوغندا، ويأتي الفيضان وبالتالي ارتفاع منسوب المياه ليغرق الأرض، وفي قرية بوما القديمة تتجلى المأساة، فهي أقرب موقع فعلي للنهر داخل بحيرة فيكتوريا. ومع تكرار الفيضان عاماً بعد عام تتقلص مساحة اليابسة، وتصبح عمليات تهجير السكان أمراً لا مفر منه. وتأتي الحكايات للعديد من السكان، كمن هجر بيته، وآخر يحاول الاستمرار في عمله بمطعم خاص يمتلكه، ولا يعرف كيف سيعيش إن غادره. الضرر أيضاً يقع على مهنة الصيد، فالفيضان يقلص عدد الأسماك التي يمكن صيدها من البحيرة.
كينيا: مدينة الأشباح
وفي كينيا تحكي الصور حكاية صيادي جزيرة روزينغا الواقعة على بحيرة فيكتوريا، حيث الصيد هو المصدر الأساسي للحياة بالنسبة لسكان الجزيرة، ولكن بسبب تغير المناخ وزيادة منسوب البحيرة وارتفاع درجة الحرارة، وكذلك التلوث، بدأ الصيد في التراجع، نظراً لتأثر الأسماك، خاصة بعض الأنواع منها. ومن أهم أسباب ذلك استخدام مصابيح الكيروسين أثناء الصيد ليلاً، فالأسماك تظل في القاع نهاراً، ولا تصعد مقتربة من السطح إلا في الليل، وعلى ضوء المصابيح، لذا جاءت تسمية الجزيرة بمدينة الأشباح. من ناحية أخرى ونظراً لأخطار الكيروسين، كان اللجوء إلى مصابيح تعمل بالطاقة الشمسية، تفادياً لأخطار الكيروسين على البيئة وصحة الصيادين أنفسهم.
الكونغو: المياه سلعة بعيدة المنال
مع تكرار اندلاع بركان نيراجونجو في مقاطعة شمال كيفو بجمهورية الكونغو الديمقراطية في أيار/مايو 2021 ــ اندلع من قبل في عام 2002 ــ أصبح مئات الآلاف من سكان المدينة بدون مياه صالحة للاستخدام، سواء للشرب أو الزراعة، وقد تسببت الحمم البركانية في تدمير سبع عشرة قرية، وتشريد أكثر من نصف مليون شخص. إضافة إلى أن هذه الحمم قد أذابت أنابيب المياه والخزان الرئيسي بالمدينة. من ناحية أخرى تلوثت الجداول والبحيرات جرّاء الهواء الملوث بفعل البركان. ولم يعد أمام السكان إلا العيش على مياه الأمطار، وبالتالي يعيشون محنة الحصول على مياه نظيفة تكفيهم بالكاد، ولا يتحقق ذلك إلا بالسير مسافات طويلة، وفي طرق خطرة للحصول على بعض الماء من بحيرات لم تتأثر بالبركان وتبعاته من التلوث. وتأتي العديد من اللقطات لتصوّر المأساة اليومية للحصول على الماء النظيف.
بوروندي: الشاهد الصامت
يقع أحد منابع نهر النيل في بورندي، ورغم ذلك تعاني من قِلة الطاقة الكهرومائية، وتصنف الدولة كواحدة من أدنى معدلات الطاقة في جنوب الصحراء الأفريقية. إلا أن هناك مشروعاً لإقامة سد يقع على الحدود بين بوروندي ورواندا وتنزانيا، كحل لمشكلة الطاقة في هذه البلاد.
كذلك وثق المصوّر الهرم الذي بناه المستكشف الألماني بوركهارت فالديكر عام 1937عند منطقة جبلية يرتفع عندها منبع النهر، وليصبح شاهداً على المنبع في بوروندي، وكحلقة وصل بينه وبين الهرم الأكبر عند المصب في مصر. وبالطبع ظل هذا الهرم معلماً هاماً في بوروندي وقِبلة للسائحين. هذا المصدر الاقتصادي تأثر بدوره بجائحة كورونا حسب أحد المرشدين السياحيين بالمنطقة.
رحلة الهجرة والعودة والذهب الأزرق
توثق اللقطات منطقة جامبيلا، وهي إحدى الولايات الإثيوبية التي تضررت بشدة نتيجة الفيضانات السنوية. ففي عام 2020 تسببت تلك الفيضانات في نزوح ما يُقارب من 12 ألف شخص، إضافة إلى تدمير المحاصيل، وانتشار الحشرات وحدوث الأوبئة نتيجة ارتفاع منسوب المياه. وتقول إحدى ساكنات المنطقة، إنها تقوم وأسرتها بتجهيز أسِرّة مؤقتة، تمكنهم من الاستلقاء فوق الماء. من ناحية أخرى فتوقيت الفيضان يأتي في شهري تموز/يوليو واب/أغسطس من كل عام، بدون أن يكون على وتيرة واحدة في القوة، وبالتالي يهجر السكان المكان ويقيمون لدى أقاربهم في أماكن بعيدة نسبياً، حتى تنحسر المياه ويعودون.
يُطلق الإثيوبيون على النيل الأزرق ــ أحد الروافد الأساسية لنهر النيل ــ اسم الذهب الأزرق، بسبب لون الطمي الثقيل، ولكن المشكلة تكمن في انجراف هذا الطمي، وبالتالي تآكل وتعرية الأراضي والغابات والانهيارات الأرضية، كما يُشكل خطراً على السد الإثيوبي. لهذا أطلقت إثيوبيا حملة لزراعة 22 مليار شتلة في غضون 4 سنوات لتثبيت التربة، وتجنب حالات التجريف المستمرة.
جنوب السودان: البحث عن محطات للمياه
يعاني جنوب السودان من ندرة المياه الصالحة للشرب، ويعتمد أغلبية السكان على شاحنات نقل المياه، التي يتم جمعها عن طريق مولد، سواء من نهر النيل مباشرة، أو من نقاط المياه في المدينة. عدد قليل من المنازل لديهم مياه جارية، منقولة بالمواسير، وآخر يعتمد على الآبار، والأخير يأتي بالمياه من النهر مباشرة. هذه المعاناة ازدادت بعد ارتفاع أسعار الوقود، ما أثر بدوره على ارتفاع سعر الماء. ورغم وجود الموارد المائية الطبيعية في البلاد، إلا أن سوء التوزيع وموجات الجفاف والفيضانات كان له أكبر الأثر على تفاقم الأزمة. وتحاول الدولة الحد من الأزمة عن طريق عدة مشروعات مع دول أخرى، كاليابان التي ستقوم بمشروع إمداد المياه النظيفة، ومصر التي ستساعد في بناء نظام يساعد في توزيع المياه، حيث لا يقتصر الأمر على الشاحنات، التي تسير مسافات طويلة، وتأتي في أيام متباعدة.
السودان: ما بعد الطوفان
في عام 2020 اجتاحت الفيضانات 16 ولاية سودانية، فانهارت عشرات الآلاف من المنازل، وتضرر أكثر من نصف مليون شخص، ورغم ذلك يعودون بين الحين والآخر لمنازلهم المهدمة يجلسون جوارها، أو ينصبون الخيام أمامها.
من ناحية أخرى لم تزل بعض القرى تعاني من عدم وجود مياه للشرب، حتى الخرطوم العاصمة بها بعض المناطق يعاني أهلها من انقطاع المياه لفترات طويلة، ولا يجد البعض إلا الذهاب صباحاً وعند الغروب لجلب المياه من الطلمبات، وإلا سيضطر لشراء المياه من إحدى العربات الكارو التي تتجول في الطريق.
مصر: رحلة إلى الجذور
ونأتي إلى دولة المصب، ورحلة أخرى إلى الجنوب، حيث زراعة قصب السكر، التي يعتمد اقتصاد الصعيد عليها. ولكن هذه المهنة يهجرها أهلها الآن، هذا ما توضحه المقارنة بين الجد والحفيد على سبيل المثال. فقد تم هجر الزراعة لصالح مهن وحرف أخرى كما تسرد صاحبة الحكاية، التي اتخذت من أسرتها في الصعيد مثالاً لما كان، وما حدث، ذلك من خلال صور قديمة للعائلة، الجد، والأب، والأحفاد، ليبدو فعل الزمن على الشخوص والمكان.