كثيرا ما أحاول أن أبتعد عن قصص النساء وقضاياهن، فأكتب في موضوعات «ثقافية محضة» تخص الكتّاب والشعراء وأهل المسرح والفن. أغمض عينيّ عن كل هذه القصص التي تؤلمني، وألتزم بخط لا يهم سوى القلّة القليلة من مجتمعنا، أو لنقل بصريح العبارة القلّة النّادرة.
أكتب عن موضوعات قديمة، أخرج رفاتا من قبورها وأدّعي أني أرى ما لم يره أحد غيري، فأطرح موضوعا للمناقشة يقرأه خمسون قارئا من العالم العربي كله ـ وهو رقم مبالغ فيه – ومن بين هؤلاء الخمسين صديق واحد أو اثنان من المقربين مني يقرأونه.
لا تعليق طبعا، حتى لا اتهم أهل الثقافة بالمرض، الذي فتك بحواسهم فأصبحوا كائنات لا تتفاعل مع الحياة ومكوناتها ولا حتى مع ما يكتب في الكتب الجادّة المنبثقة من مواجعنا، فأحيانا أشعر بأن الكتابة في الشأن الأدبي أصبحت مهمّة صعبة ومخجلة حين تتحوّل لطريقة هروب مما يحدث في مجتمعنا من عملية مسخ ثقافي، يتم من خلالها تجريدنا من مكاسبنا الثقافية الرّاقية، واستبدالها بكل ما هو غرائزي حيواني دون الاستفادة من كل المنجز العلمي والثقافي الذي شهدته الإنسانية، وخرجت به كقيمة حقيقية بعد خوض تجارب مجنونة وقاسية وإجرامية بكل أنواعها، بعد حروبها ضد الذات ونهايتها نهاية مأساوية.
متى ينتصر العقل؟ بالنسبة للعاقل تتعقّد الأمور أكثر كلما انفجرت حروب جديدة هنا وهناك، لكن الحرب ليست مأساتنا الأولى، فقد تكون الحرب بعيدة يخوضها رجال يختلقون أسبابا اقتصادية وسياسية لذلك، أمّا الحروب الموجعة فهي تلك التي تعيشها في بيتك، أو في بيئتك المألوفة، وهي حروب تعلن ضدك لأسباب خارجة عن نطاقك. حين يصبح العنف اللفظي والجسدي مرافقا لك يوميا، ودون هوادة إلى أن تموت.
في العالم أجمع تقول الإحصائيات إن امرأتين من بين ثلاث نساء يتعرّضن لعنف جسدي، سواء من أقرب الناس إليهن، أو من أشخاص من الشارع. في إحصائيات صادمة أكثر دقة امرأة من كل ثلاث نساء تموت قتلا. والعنف ضد النساء لا ينتهي بعد موتها، ثمة عنف آخر يبدأ ضدها بعد موتها، وهي مدفونة في قبرها. حين يبرّر المجتمع في غالبيته الجريمة المرتكبة ضدها بابتكار أسباب تمس سلوكها، ما يضع عائلتها في قلب نار الشكوك، وهو ما حدث بالضبط للمغدورة الطالبة نيّرة أشرف، التي بعد ذبحها بتلك الهمجية المرعبة، يخرج آلاف المرضى نفسيا يبررون جريمته متعاطفين معه، ثم يخرج الطب الشرعي بتقرير يبرئ الرّاحلة من كل تلك الشكوك وينشر تقريره الذي يثبت أنها عذراء. مع ملاحظة أن كشف العذرية تتعرّض له السجينات والمعتقلات سياسيا، والمقبلات على الزواج قبل حفل زفافهن مخافة تعرّضهن للقتل إن لم يثبت الزوج بفحولته عذريتهن.
في مقالة قديمة لعالمة الاجتماع البريطانية جالنا هانمر نشرتها عام 1977 نقرأ تحليلا كاملا عن العنف الذي يُمارس ضد المرأة، وكانت من الأوائل الذين عملوا على ثيمة العنف ضد النساء كموضوع لبحث علمي، محلّلة استخدام العنف كشكل من أشكال الرقابة الاجتماعية التي يمارسها الرّجال ضد النّساء. ولعلّ هانمر كانت سبّاقة لوضع النّقاط على الحروف، وتصحيح أفكار خاطئة تنسب العنف إلى الرجل لأنه أقوى جسديا، فقد اعتمدت في دراستها على نماذج أثبتت أن الرغبة في الهيمنة على النساء واستغلالهن كان وراء هذا العنف، وهو السبب الذي يجعل عقوبة ممارسي العنف لا تنفذ وإن نفذت بتخفيف واضح وتسامح غير مقبولين.
قبل هذا التاريخ أي 1977 كانت المرأة خاصة في المجتمعات التي تنتشر فيها نسب الأمية بشكل كبير، تعتقد أن مهمة العنف ضدها من الرّجال مطلب ديني اجتماعي لا يمكن تخطّيه، ومع هذا كان من الصعب حتى بالنسبة لنساء متعلمات تقريبَ الصورة جيدا لفهم أطروحة العنف والرقابة الاجتماعية من أجل السيطرة عليهن. ما يحدث في مجتمعاتنا، حدث ويحدث في مجتمعات أخرى بالتأكيد، وتختلف وتيرته وفق المعطيات الثقافية لكل منها، لكن لغة الأرقام هي التي جعلت نظرة المجتمع تختلف، وتشجيع العنف يتراجع.
المقالة الصادمة لهانمر كانت «منعرجا مهما» ألقى بالعنف ضد النّساء في حلقة علمية ولم يعد ممكنا التراجع بعدها للخلف، ورغم استمرار العنف وتوالده من منظومات ثقافية مختلفة إلاّ أن النصوص القانونية أصبحت شيئا فشيئا أكثر صرامة، ورادعة للعنف، ومروّضة للجماعات التي تجيزه وتنتهكه. وأصبح ممارس العنف ضد المرأة رغم هذا الرّادع، يجد ما يدفعه لممارسته مثل اللامساواة بين الرجل والمرأة واعتبار المرأة أقل مكانة منه وفق التربية العائلية والتعليمية التي يتشبع بها.
في البلدان التي تتعثر سياسيا في مكافحة العنف ضد المرأة، نجد التعثّر نفسه يصبح ظاهرة ثقافية، ولهذا لا ننصدم حين نجد ظاهرة العنف منتشرة لفظيا وأحيانا جسديا في عقر بعض الجامعات، بل إن محاربة المعتقدات التمييزية تكون منعدمة فيها خاصة في الأوساط الفقيرة. وإن كانت الجامعة هي منبع الأفكار العبقرية التي تغير وجه المجتمعات والأمم نحو الأفضل، فإن التّواطؤ مع المجرم من عقر أي صرح علمي يعتبر فضيحة لا يمكن السكوت عنها. من بين الجرائم التي صدمنا بها الإعلام مؤخرا، جريمة قتل مذيعة من طرف زوجها الحقوقي، جريمة أخرى ضحيتها طالبة جامعية متحجبة، وأخرى ضحيتها سيدة حامل متحجبة هي الأخرى، تركت خلفها طفلة يتيمة في عمر الثالثة. والغريب أن التفسيرات الأولى لهذه الجرائم الثلاث التي حدثت كل منها في بلد عربي مختلف عن الآخر، تتفق على أن القتلة لديهم مبررات منطقية مرتبطة بسلوك مشكوك فيه للضحايا! تضجُّ مواقع التواصل الاجتماعي بهذه التهم، لفترة كافية لتدمير عائلات الضحايا، قبل أن تنتقل لتشويه سمعة ضحايا تاليات.
لكن ما يحزننا فعلا هو اعتقاد بعض الحقوقيين أن «لباس المرأة» قد يكون مبررا لقتلها، كما يعتقد البعض الآخر أن غيرة الزوج أو الخطيب، سبب منطقي لارتكاب جريمة في حق شريكته، وعلى هذا الأساس على المرأة أن تتصرّف بحذر حتى لا تثير مشاعر الرجال الهشة، والأهم أن تكون مطيعة ومستسلمة إن صادفت مجنونا يريدها زوجة، فإما أن تتزوجه حتى لا يقتلها أو تختفي تماما عن الأنظار لحماية نفسها.
إن مشكلة العنف ضد النساء في العالم تحدث بنسب متقاربة، باستثناء جنوب أوروبا وآسيا الوسطى إذ يقل هذا النوع من الجرائم، ولا تفسير لحد الآن لذلك سوى أن المجتمعات في هذه المناطق تتميز بثقافة مسالمة أكثر وتمييز أقل بين الجنسين. إذ يبدو جليا أن التأسيس الثقافي الجيد لفكرة المساواة في الحقوق والواجبات بين الجنسين تقلل بشكل ملحوظ من الاعتداءات الذكورية ضد الإناث. كما تشير دراسات أخرى إلى أن انتعاش الفنون والصناعات اليدوية وثقافة الفرح، من أهم أسباب تراجع الجريمة بكل أنواعها، خاصة الجرائم ضد الإناث. وفي تجربة مشجعة شهدت منطقة «بالميتاس» في «باشوكا» في المكسيك معدّل جريمة جد مرتفع، فما كان من مجموعة «جيرمن نويفو» الفنية، إلا أن اقترحت تلوين واجهات بيوتها وشوارعها، بألوان جميلة فكانت النتائج مثيرة للدهشة بعد عدة أشهر، إذ انخفضت الجريمة بمعدّل 50%. هناك من يعجز عن تصديق ذلك، لكن في إمكاننا أن ندرك دون أدنى شك أن المجتمعات التي تحرّم الفنون تغرق اليوم في حروب أهلية وتصفيات ذاتية لا تتوقف.
نعرف جيدا اليوم أن قتل النساء والاعتداء عليهن، ومباركة الجرائم والعنف تحدث، لأن أحدهم تخلّى عن دوره الحقيقي في المجتمع وترك مكانه للظلاميين، نعرف جيدا هذا الشخص لأنه وحده يحمل سر الشعلة التي تبدد كل هذا الظلام.
شاعرة وإعلامية من البحرين