ذر الرماد في الغليون

كان إطار التدريس الوطني ناقصا، ولذلك عادة ما يأتينا من فرنسا مدرسون في مواد بعينها في نطاق تعاون في ما يبدو. لم يرتبط حضور هؤلاء المدرسين عندي لا بصفاء لغتهم إذ ينطقونها بشيء من العذوبة والصفاء كنا نفتقدها في ألسنة بعض مدرسينا، ولا ارتبط بجمالهم و لا باختلافهم عنّا قلبا وقالبا، بل ارتبط حضورهم عندي بالغليون، نعم بالغليون لأنّ أغلبهم كان يدخن في ذلك الوقت شيئا نادرا في مشهدياتنا اليومية هو الغليون. ربما ركزت لديهم على الغليون لأنّي لم أكن مع هؤلاء المدرسين ذا حظ. كانوا يجمعون بين شيئين لا يجمع بينهما في التدريس على عهدنا هما: الكفاءة العلمية واللامبالاة. أمّا الكفاءة العلمية فلم تكن شيئا عجيبا، إذ نحن من كانوا يعتقدون أنّ الآخر أعلم منا بعلومه؛ وأمّا اللامبالاة فكانت غالبة على فئة كثيرة منهم يقدمون الدروس ولا يعنيهم نظام الفصل وانضباطه، فهم لا يردعون من يثير الشغب في الفصل ولا يثنون من يعطلون سير الدرس عن عزمهم. أنا لا أعتقد أنّ التجربة، على الأقل في معهدنا كانت مثمرة، فأنا على سبيل المثال لم أغنم الشيء الكثير من دروسهم، ولا أذكر أنّ واحدا منهم طبعني بطابعه أو أثر فيّ التأثير الإيجابي الكبير.
أقول هذا وأنا أفصل ولا شك بين تجربة التدريس الاستثنائية، وموقفي الإيجابي من التفاعل بين الثقافات لا في بلادنا، بل في المعمورة. كان بعضنا يريد أن يمارس عليهم شيئا من التحايل اللساني، كنا نخاطبهم بالعامية ونعتذر لهم بأننا لا نتقن كثيرا لسانهم. وكانوا ينطقون أسماءنا نطقا عجيبا يثير كثيرا من الضحك العلني في الفصل. في ذلك العام درسني أستاذان فرنسيان أحدهما في الفيزياء والثاني في الرياضيات. كان السيد أستاذ الفيزياء وعلى النقيض من أستاذ الرياضيات ثلاثينيا هادئا رصينا كيسا، وهذا نادر في صنفه، وكان يجري التجارب الكيميائية البسيطة التي تنجح وليس لها غير النجاح، ويحاول أن يكلمنا بفرنسية مفهومة يغلب عليها المصطلح العلمي المزعج. كان يدخن الغليون. كان غليونه عندي مخبر التجارب الفيزيائية والكيميائية الحقيقي. أنا لم يكن لي عهد سابق بالغليون، صحيح أن والدي كان يدخن ككل الشعب الكريم السجائر الشعبية وحتى خالي رحمة الله عليه، الذي كان يدرس في المعهد نفسه التاريخ والجغرافيا يدخن السجائر ولا يريد أن يكسر هذه العادة بغليون.
لم أكن أعرف عن الغليون شيئا قبل أن أراه عند المدرسين الفرنسيين في تلكم السنوات الأخيرة من السبعينيات. لقد كان الغليون موضوع اكتشاف وفتنة وتميز ثقافي، يضاف إلى ما كان يحشرون به أذهاننا من مواقف متباينة عن الفرنسيين فهم من ناحية مستعمرون لم يبقوا ولم يذروا، وهم من ناحية أخرى قوم راقون يعرفون كيف يعيشون. كان لنا شيء من الازدواج تجاه الفرنسي ولي شيء من الفتنة تجاه الغليون.

في المعجم الفرنسي يعرف الغليون بالتركيز على الأنبوب وليس بالتركيز على الفرن الذي يغلي فيه التبغ؛ فعبارة pipe تعني في هذه اللغة الأنبوب. هذا يعني أن من سماه بيبة لم ينظر بعين الاعتبار إلى النار والحرق والجرن وغيرها، بل نظر إلى جزء الغليون الذي يشرب منه الدخان.

لم نكن نسم الغليون غليونا، بل نستعمل له الاسم الفرنسي pipe محرفا فنقول بيبة pipa بنيّة التأنيث في مقابلة مع السيجارة التي تذكرها لهجتنا فنقول سيقارو. كانت البيبة مؤنثا في وعينا أو لا وعينا لأنها كانت مقعرة وتحشى بالتبغ، ثم توقد فيها النار، وحين ينتهي دورها يذر ما فيها من رماد لتحشى من جديد. كان عقل بعض أترابي قياسيا حبن كان يطلق على الغليون اسم التنور البربري، الذي ينضج فيه الخبز العربي المخمر «خبز القوجة». يحشى في التنور الحطب ويملأ الغليون بالتبغ، ويبحث هنا وهناك عن الدخان. الدخان في الغليون مطلب والنار وسيلة والرماد لا يذر في الغليون، بل يذرّ خارجه.. لكن الدخان في التنور ليس مطلبا في ذاته هو حالة لا بد منه، ثمّ يخلو وجه التنور للنار كي يحمرّ الخبز، كما يحمر من الخجل خدّ ذابل.

يلتهم بعض التبغ بعضه حين تأكله النار ويصبح دخانه مادة للاستهلاك. وكان يطيب لي أن أشم رائحة التبغ المنبعث من الغليون، سواء أنفثه الأستاذ أم تضوع من نفسه من جرن الغليون. كان اسم غليون اكتشافا عجيبا حين سألنا عن اسمه الفصيح، نريد أن نخبر به أستاذنا الذي اطمأن إلى أن اسمه في لهجتنا حافظ على مصدره الفرنسي. الغليون كان عندنا اسم مختلف في صيغته عن الأسماء المتداولة. كثير من الناس يعتقدون أن الغليون على وزن فُعلون بضم الفاء، لكنه على فَعلون بفتحها فهو يتقاسم الوزن نفسه مع أسماء بعض الأشجار كزيتون ومن الزيتون يمكن أن يصنع الغليون، وسمى العرب نهري سيحون وجيحون باشتقاقهما على هذه الصيغة، من ساح وجاح وهما فعلان من أفعال وفرة الماء وفيضه. واستعملت العرب هذه الصيغة للتوسع في تسمية أعلام مشتقاتها القديمة بدت بالية فمن زيد قيل زيدون..

يبدو أن غَليون هي توسُّع من المصدر غَلْي أو غَليَان التي تستعمل في العادة لإحماء الماء أو المرق الذي في القدر. من المؤكد أننا حين نضع التبغ في الغليون نحن نستعير صورة وضع الماء أو المرق في القدر، مع اختلاف في طريقة الإحماء والإحراق. يقتضي الإحماء أن تكون النار تحت القدر، لكن النار في الغليون تكون داخل الجرن المعمول بطريقة مهذبة. الغلي يكون مع السوائل التي تحمى وهي في الجرن، لكن الإحراق هو الفعل الحقيقي الذي يناسب عملية توفير الدخان. كان من الممكن لو أن للتسميات منطقا سببيا أن يسمى الغليون، وعلى الوزن نفسه حَرقون. غير أنه ما من اسم على هذه الصيغة متوفر اليوم أو مستعمل، لذلك يبدو لقرائنا غريبا وغربته من ندرته، لكنه يظل تسمية قابلة لأن توجدها حركية الاشتقاق لحاجة إلى استعمالها في الكلام.
بعض اشقائنا العرب لا يستعملون للتدخين فعلا مشتقا من مادة (د.خ. ن) بل يستعيرون لنشاط التدخين فعلا من حقل الشراب فيقولون (شربت سيجارة أو نارجيلة). فعل التدخين عندهم هو فعل شراب طالما أنه يستعمل قناة الفم مثلما يستعملها شارب الماء، لكن أن تشرب دخانا هو فعل استعاريّ لأن الدخان لا يشرب، بل تشرب السيجارة التي هي منبع الدّخان وتشرب النارجيلة لأن الدخان فيها والماء في تفاعل مشترك يظل الماء في النارجيلة، ولا يستخرج رغم أنه المرتبط بأنبوب مثل أنابيب الماء، يغلي ماء النارجيلة، لكنه ليس غليانا كغليان النار. كان من الممكن أن يستعمل الغليون للنارجيلة لكنه لم يستعمل لها.
في المعجم الفرنسي يعرف الغليون بالتركيز على الأنبوب وليس بالتركيز على الفرن الذي يغلي فيه التبغ؛ فعبارة pipe تعني في هذه اللغة الأنبوب. هذا يعني أن من سماه بيبة لم ينظر بعين الاعتبار إلى النار والحرق والجرن وغيرها، بل نظر إلى جزء الغليون الذي يشرب منه الدخان. التبغ نفسه يذر في الغليون مثل ذر الرماد في العيون، مسكين هذا الرماد يكون مستخلصا من كل شيء حتى من تبع الغليون. الغليون يتطلب عملا مهذبا لا تطلبه السيجارة أو النارجيلة، عليك أن تنظف غرفتها بآلات خاصة، ثمّ عليك أن تذر ما سيكون رمادا في الغليون بشيء من العناية الكبيرة التي تسمح للنار أن تتحرك في الغرفة فلا تحرق بسرعة ولا تخمد. الغليون موضوع فنّ يقول بيل فوغان Bill vaughan المدون الأمريكي يقضي مدخنو الغليون كثيرا من الوقت في تنظيفه وفي إعداده وإمتاع النفس به، لذلك لن يكون لهم الوقت لحدوث المشاكل. أفتح خزانة قديمة أسحب غليونا قديما ومن صندوق قديم أيضا أسحب رمادا وأذره في الغليون وأسمع أغنية جاك برال يغني أغنية الغداء الأخير: (في غليوني سوف أحرق ذكريات طفولتي.. وأحلامي التي لم تكتمل وبقايا من أمل).. أذر الرماد في الغليون كمن يسقي بيت النار صمتا أبديا كي لا تلتهب.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية