مصافحة نتنياهو أو الامتناع عن مصافحة يواف دايان، وتقرير دانا فايس، ونظرات بينيت الحائرة، أو عناق لبيد الغريب – كل هذه ليست مهمة، مجرد العرض. أما الحدث الحقيقي فحصل من خلف الكواليس؛ نتائج زيارة بايدن – سواء اعتبرت في البداية كفعل محطة انتقالية في إسرائيل أم كوعد لاستئناف النذور بين الولايات المتحدة وإسرائيل – تنطوي على مس شديد بالمصالح السياسية والأمنية لإسرائيل. ودرءاً للشك، لا تعدّ الإدارة الأمريكية مسؤولة عن ذلك، بل تقع المسؤولية على حكومة إسرائيل.
احتفلنا إعلامياً ثلاثة أيام. وإن رشح بعض النقد الطفيف هنا وهناك، فقد تعلق فقط في وضع إدارة بايدن، ولم تقع شائبة في سلوك حكومة إسرائيل ورئيسها. امتدت تقارير الفرح والانفعال في القدس على صفحات الصحف أمس أيضاً، لكن المعاني الحقيقية بدأت تتضح قبل أن تتبدد بواقي الغبار من ثقب حفر في حائط غرفة الكابينت التي علق عليها لبيد “إعلان القدس”.
حرص وزير الخارجية السعودي أن يوضح بأن التطبيع مع إسرائيل ليس ذا صلة إلا بعد حل الدولتين. أي، في نهاية المسيرة وليس في بدايتها. وبدلاً من مد يد السلام لإسرائيل تبين أن يد السعودية مدت لإيران. وهذا مع إعلان إيراني استفزازي عن قدرتها ونواياها النووية. وهكذا، من “إعلان القدس” تبقى الشطر الغربي من المدينة بصعوبة. فالالتزام بدولة إسرائيل استبدل بالتزام لدولة فلسطينية، والوعد الأمريكي بعدم التحول إلى “إيران نووية” مع الإصرار على العودة إلى اتفاق 2015، أدى إلى واقع معاكس.
فوق كل شيء، تبين أنه في الوقت الذي وصل فيه الأمريكيون إلى المنطقة كي يتصالحوا مع السعوديين، هندس لبيد لنفسه مسرحية صورة، وسكرة أحاسيس من الابتسامات، وبالمقابل قلب سياسة خارجية وأمن إسرائيل رأساً على عقب. إذا كان السلام مع إسرائيل تأسس في اتفاقات إبراهيم على الاعتراف بقوتها السياسية وعظمتها الأمنية وعلى الرغبة للتعاون معها على هذا الأساس، فإسرائيل الآن تعرض كدولة مرعية، شبه مقودة من الولايات المتحدة.
كان في اتفاقات إبراهيم شراكة مصالح بين الدول العربية المعتدلة لخلق حلف إقليمي ضد إيران. أما الآن، فالسعودية تبحث عن التقرب من إيران، في حين ترسل الإمارات سفيراً لها هناك.
في اتفاقات إبراهيم حسم أمر الإصرار على حل “المشكلة الفلسطينية أولاً”. أما الآن فقد عاد شعار الدولتين، بل ثمة مطلب بأن يأتي الأردن والسلطة الفلسطينية أيضاً إلى لقاءات القمة الإقليمية التالية.
إذا كانت الولايات المتحدة هي التي تعطي المقابل الاقتصادي والأمني للدول كي تشجع الحلف المهم والشراكة مع إسرائيل مقابل اتفاقات إبراهيم، فإسرائيل الآن هي التي تقدم المقابل، سواء في موافقتها على نقل السيطرة على جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية (دون أي مقابل) أم بعودة البحث في الدولة الفلسطينية.
وحتى الإذن بالطيران في سماء السعودية، الذي صدر في شركات الطيران على أساس سياحي لا سياسي، فإنه يتعارض مع منطق اتفاقات إبراهيم. فإذا كانت “كل طائرة تهبط في دبي تنزل ضربة على مفهوم الأرض مقابل السلام” مثلما كتب مؤخراً في “هآرتس”، فكل رحلة طيران تمر فوق السعودية وفق إطار الخط السياسي الجديد، ستكون إذناً لمسار ورواية الدولة الفلسطينية.
إن استراتيجية سياسة الخارجية لدولة إسرائيل، التي رسمها بنيامين نتنياهو طوال سنين مضت، والتي وصلت ذروتها إلى التوقيع على أربعة اتفاقات سلام على أساس الاعتراف بقوة دولة إسرائيل، وتقزيم “المشكلة الفلسطينية” والاعتراض على النووي الإيراني، انقلبت اليوم رأساً على عقب. الاحتفال الذي بدأه لبيد في آذار الماضي في زيارة أنتوني بلينكن في “قمة النقب” انتهى هذا الأسبوع. وها هو الانتقال من مفهوم اتفاقات إبراهيم، عودة إلى مفهوم مبادرة “السلام” السعودية، اكتمل.
بقلم: ليمور سمميان درش
إسرائيل اليوم 19/7/2022