بعد فشله دولياً.. غانتس مهدداً محامي المنظمات الفلسطينية الـ6: إياكم أن تساندوا الإرهابيين

حجم الخط
1

قبل سنة تقريباً، في 19 تشرين الأول 2021، نشر وزير الدفاع بني غانتس قائمة لستّ منظمات حقوق إنسان فلسطينية، كان أعلن عنها بأنها منظمات إرهابية. ليس صدفة أنه اختار جمعيات توثق خروقات شديدة للقانون الدولي وسياسة الكولونيالية والأبرتهايد التي تنفذها دولة إسرائيل وجيشها في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتأثيرها الفظيع على روتين حياة ملايين الشيوخ والرجال والنساء والأطفال الفلسطينيين.

إن توقيت الإعلان ظهر غريباً، وكان يرتبط بضائقة سياسة شخصية للوزير غانتس داخل الائتلاف قبل لحظة من التصويت على ميزانية الدولة. أعضاء “الكابينت” السياسي – الأمني، ومنهم وزيرة المواصلات ميراف ميخائيلي، ووزير الصحة نيتسان هوروفيتس، احتجوا بأن هذا الإعلان تم إخفاؤه عنهم.

“اشتعلت الأضواء الحمراء إزاء تناقض بين بيانات مضخمة لوزارة الدفاع أعطيت لوسائل الإعلام والقائلة بأن المنظمات الست إرهابية، وأنها تستخدم كغطاء لتنفيذ نشاطات الجبهة الشعبية وتمويلها، وبين المبررات السطحية والضبابية في أوامر الإعلان نفسها. لم يُشَر بصورة صريحة في إعلانات الوزير غانتس إلى أي منظمة من هذه المنظمات الست وجدت أدلة ضدها على تورط في الإرهاب مباشر وملموس. المبررات التي وردت كانت محرجة، ولا صلة لها بمسألة ما إذا كان الحديث يدور عن منظمات إرهابية أم لا. على سبيل المثال، اتهام غانتس لـ”الحق” بأنها منظمة إرهابية برره بنشاطها في المطالبة بالعدالة للفلسطينيين في محكمة الجنايات الدولية في لاهاي. وبالنسبة لمنظمة “الضمير”، كان تبريره بأنها تقدم تمثيلاً قانونياً للسجناء والمعتقلين الإداريين الفلسطينيين.

والإعلان عن “الضمير” بأنها منظمة إرهابية ظهر غريباً حتى من ناحية عملية، حيث لا بديل للتمثيل من قبل محامي هذه المنظمة. ثمة عدد قليل جداً من المحامين الآخرين، خصوصاً محامين إسرائيليين، مستعدين لتمثيل الفلسطينيين في محاكم عسكرية. بدون تمثيل قانوني مستقل للمعتقلين والمتهمين الفلسطينيين، يصعب على دولة إسرائيل أن تقنع حتى مؤيديها المتعصبين بأنها تطبق حقاً إجراءات قانونية نزيهة.

عادت وزارة الدفاع وبررت المبررات الضحلة والضبابية بأنها ترتكز على بينات سرية لا يمكن كشفها للجمهور. ربما تكون البينات التي عمل الوزير غانتس بناء عليها سرية إلى درجة أن وزارتي الدفاع والخارجية لم تعرفا عنها. ربما اعتقدت دولة إسرائيل بأن الرأي المهني للجهات الأمنية، التي تكفي لعرض الخاتم المطاطي للمحكمة العسكرية والمحكمة العليا لسلب حرية الجمهور الفلسطيني، اعتقدت أنه سيكون كافياً لإقناع الدول الأوروبية المانحة لهذه المنظمات الستة.

جزء منها في الواقع جمد تحويل الأموال مؤقتاً بعد إعلان الوزير غانتس في تشرين الأول. ولكن الممثلية الأوروبية أبلغت منظمة “الحق” في نهاية حزيران بأنها ستعود لدعم مشروع المنظمة. في الأسبوع الماضي في 12/7 نشرت كل من بلجيكا والدنمارك وفرنسا وألمانيا وإيرلندا وإيطاليا وهولندا وإسبانيا والسويد بياناً مشتركاً جاء فيه بأن هذه الدول ستواصل التعاون مع المنظمات الست؛ لأن إسرائيل لم تعرض عليها أي بينات تبرر تغيير سياستها.

وفي حين أن الدول الأوروبية حظيت بمعظم الاهتمام لأنها عملت في هذه المسألة بشكل علني، ولأنها الدول المانحة الرئيسية لهذه المنظمات، فإن الوزير غانتس لم يحصل على الدعم من الولايات المتحدة التي لم تنضم لهذا الإعلان. إدارة الرئيس جو بايدن لم تعط أي توجيهات لأي هيئة أمريكية رسمية للعمل طبقاً لذلك. عند نشر الإعلان في 22 تشرين الأول، قال المتحدث بلسان وزارة الخارجية الأمريكية، نيد برايس، بأن الولايات المتحدة ستتوجه إلى إسرائيل لـ “الحصول على تفسيرات على أرضية تصنيف منظمات مجتمع مدني كمنظمات إرهابية”. وأضاف برايس بأن بلاده لم تحصل على أي تحذير أو أي إنذار مسبق حول هذا القرار. أي، من ناحية الوزير غانتس، فإن الرئيس بايدن لا يختلف عن وزير الصحة ووزيرة المواصلات في إسرائيل، فهما أيضاً -كما قلنا- لم يبلَّغا بالقرار مسبقاً. يبدو أن إعلانات غانتس باتت فارغة بدون دعم دولي.

تجربة الماضي أثبتت أنه لا سبب لأي انتظارٍ من وزير الدفاع الإسرائيلي أو من وزارته الاعتراف بأي خطأ. ولكن في الحقيقة، كان هناك أمل صغير في أنه ربما، إزاء الهزيمة الدولية، سيخففون اللهجة، ببساطة لن ينفذوا الإعلانات حتى لو لم يسارعوا إلى إلغائها.

هذا أمل تبدد الأحد الماضي، عندما قرر غانتس إنقاذ كرامته بمساعدة أسلوب المافيا في جزر سيشل: إرسال رأس حصان مقطوع. ففي الوقت الذي يمر غانتس في ذروة حملته الانتخابية، أرسل نائب المستشار القانوني في وزارة الدفاع، المحامي غال كوهين، تحذيراً للمحامي افيغدور فيلدمان، ممثل منظمة “لجان العمل الزراعي”، الذي جاء فيه: “كمكتب يمثل منظمة إرهابية أعلن عنها، حسب قانون مكافحة الإرهاب، ويحصل على أجر من هذه المنظمة كما قلنا، نطلب أن نلفت الانتباه إلى تعليمات المادة 32 (د) (1) في القانون، التي تتناول الطريقة القانونية لاستخدام ممتلكات منظمة إرهابية، هذا دون الدخول إلى مسألة قانونية مجرد التمثيل والاستشارة القانونية لمنظمة إرهابية معلن عنها” (المحامي جواد بولص والمحامي ميخائيل سفارد، اللذان يمثلان المنظمات الفلسطينية الأخرى، حصلا على رسائل مشابهة).

من المدهش أن دولة إسرائيل، التي تعرف جيداً كيفية التأثير على الاتحاد الأوروبي، وانضمت في كانون الأول 2021 إلى برنامج “أفق أوروبي” الذي سيقدم مليارات اليوروهات للتعاون العلمي والصناعي، تشعر فجأة بالقلق من الرسوم التي يحصل عليها محام من منظمة تمولها دول غرب أوروبا. بذلك، غانتس يجر حكومة لبيد الانتقالية إلى تبني ادعاءات اليمين المتطرف والهستيري، التي تقول بأن الدول الأوروبية تمول الإرهاب.

المستشارة القانونية للحكومة، غالي يهراف ميارا، لو كانت واعية منذ تعيينها في هذا المنصب في شباط، وغفت مرة أخرى أثناء نوبة حراستها للديمقراطية، يبدو أنها غير قلقة من قيام وزارة حكومة بإرسال رسالة تهديد لمحام، كل هدفها منع تمثيل قانوني. من المرجح أن المحامية ميارا تعرف أن كل شخص -حسب تعليمات المادة 14 في الميثاق الدولي حول الحقوق المدنية والسياسية (1966)- يحق له الحصول على إجراء قانوني نزيه وتمثيل قانوني حسب اختياره.

من البداية، اعتبر كثيرون في أرجاء العالم إعلانات غانتس هجوماً على الحركة الإسرائيلية – الفلسطينية من أجل حقوق الإنسان، وهجوماً على المجتمع الدولي للعاملين في الدفاع عن حقوق الإنسان. هو هجوم أدير بخطوات فظيعة، تذكّر بالخطوات التي اتبعتها الأنظمة الديكتاتورية في روسيا وفيتنام وفنزويلا والصين وأوغندا.

ومحاولات تخويف المحامي ليست اختراعاً لغانتس؛ فمنذ تموز 2015 هددت الديكتاتورية في الصين واعتقلت وأجرت محاكمات جنائية ضد مئات المحامين والنشطاء المرتبطين بها، الذين مثلوا مدنيين حُرموا الحرية بسبب نشاطاتهم ومواقفهم السياسية، وعانوا من التعذيب وصودرت أراضيهم وأملاكهم في قضايا فساد، أو تم اختراق حريتهم الدينية. حتى إن المحامين الذين يمثلون هؤلاء المحامين الذين تم اعتقالهم في الموجة السابقة، يعانون من التهديد والملاحقة ومن سحب رخصة المحاماة منهم ومن تحقيقات مكثفة حول مصادر دخلهم، وحتى من الاعتقال وفتح ملفات جنائية ضدهم. أي محام يوافق على تمثيل معتقل سياسي في الصين يخاطر بأن يتحول إلى معتقل سياسي. بما يشبه الوضع في الصين، أبلغ غانتس المحامي فيلدمان بأنه إذا أراد تمثيل منظمة فلسطينية تم الإعلان عنها (لأسباب سياسية وبدون أي دليل) كمنظمة إرهابية، سيعتبر نفسه (فيلدمان) قد ارتكب مخالفة مساعدة الإرهاب.

في حين أن غانتس يهدد فيلدمان والمحامين الآخرين الذين يمثلون المنظمات الموجودة في القائمة، لا نعرف أنه أرسلت رسائل مشابهة لمحامين يمثلون نشطاء إرهاب يهودي، الذي يسمى “تدفيع الثمن”. كل ذلك رغم أن وزير الدفاع في حينه، موشيه يعلون، أعلن قبل تسع سنوات، في تموز 2013، عن تنظيم “تدفيع الثمن” كاتحاد غير شرعي. في البيان الذي نشره في حينه مكتب “يعلون”، كتب أن ممثلي شرطة إسرائيل و”الشاباك” قالوا في الجلسة بأن نشاطات “تدفيع الثمن” تشبه نشاطات منظمات إرهاب حديثة.

لا شك بأن الوزير غانتس قد سبب وما زال يسبب إحراجاً وضرراً دولياً لدولة إسرائيل في سلوكه في قضية المنظمات الفلسطينية الست. كيف يسمح الوطنيون الكبار في وزارة الدفاع ووزارة الخارجية والحكومة ووسائل الإعلام لغانتس بأن يناضل من أجل كرامته على حساب الدولة؟ يكمن سبب ذلك ربما في لون عينيه واسم عائلته. فلو كان غانتس سياسياً شرقياً لما اعتبر رجلاً مستقيماً وبريئاً، أو ما يسمى “غير سياسي”، بل إنه كان سيصنف منذ زمن على الطيف الذي يقع بين الغبي والخطِر. ولكن ليس هناك شخص يتجرأ على القول لغانتس بأن المنظار الذي ينظر فيه معكوس ومغلق. بالنسبة لهم، الجندي السياسي غانتس هو “الأمل الأبيض” لإسرائيل. لذلك، هم مضطرون إلى إنقاذه بكل ثمن.
بقلم: إيتي ماك
هآرتس 21/7/2022

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية