قالوا في الكلب!

الذين ذهبوا إلى نجاسة الكلب هم فقهاء الشافعية والحنابلة، ويستدلون على ذلك بحديث رواه أبو هريرة في صحيح مسلم: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهنّ بالتراب». كما أن الشيعة الإمامية يعتقدون بأن نجاسة الكلب عينية، أي أن كل شيء فيه نجس شعره وجلده وأظفاره وفضلاته من لعاب وغيره، وحجّتهم بذلك قول لأبي عبد الله الصادق: «إن أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله، وإن مسّه جافّا فاصببْ عليه الماء، قلت: لم صار بهذه المنزلة؟ قال: لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) أمر بقتلها». لكن بعض فقهاء الشيعة مثل الشريف المرتضى ذهبوا إلى القول بطهارة بدن الكلب ونجاسة لعابه.
نُقل عن الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب قولا بليغا بحقّ الكلب ذكره ابن المرزباني في كتابه «فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب» ويستدلّ بهذا الكلام على رهافة حِسّ سيّد المؤمنين. قال عمر: «ومن لا يعرف في الأمور يقول إن الكلب من السباع ولو كان كذلك ما ألِفَ الناسَ واستوحش من السّباع وكره الغياض وألِفَ الدور واستوحش من الدراري والقفار وكيف لا يكون كذلك وهو يرضى بالنوم والرّبوض على الأرض وهو لا يرى بساطا ولا وسادة إلا علاها وجلس عليها رابضا وهو لا يجد لكل موضع جليل نظيف سبيلا فيقصر عنه وتراه متخيرا أبدا أرفع المواضع في المجلس وما يصونه صاحبه».
أما الكلام الأغرب فهو ما ذكره عبد الله بن محمد بن عباس الزاهد في مؤلفه «عجائب الملكوت» والأمر مطروح إلى علماء التاريخ للتثبّت من صحّة ما ورد فيه على لسان الخليفة الرابع عليّ بن أبي طالب. قال الزاهد: «عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: طوبى لمن كان عيشه كعيش الكلب ففيه عشر خصال، فينبغي أن تكون كلّها في المؤمن، أوّلها ليس له مقدار بين الخلق وهو حال المساكين، وثانيها أن يكون فقيراً ليس له مال وهذه صفة المجرّدين، وثالثها ليس له مأوى معلوم والأرض كلها بساط له وهو من آداب المتوكّلين، ورابعها أكثر أوقاته جائعاً وهو من آداب الصالحين، وخامسها إن ضربه صاحبه لا يترك بابه وهو من علامات المريدين، وسادسها لا ينام من اللَّيل إلا اليسير وذلك من صفات الخاشعين، وسابعها أن يُطرد ويجفى ثم يدعى فيجيب ولا يحقد وذلك من علامات العاشقين، وثامنها أكثر عمله السكوت وذلك من علامات المرتاضين، وتاسعها يرضى بما يدفع إليه صاحبه وهو حال القانعين، وعاشرها إذا مات لم يبق له شيء من الميراث وهو من مناقب الزاهدين».
الوقت هو الفجر، والكثير من النساء والرجال يجرون على الشاطئ، لكن رياضة الكلاب تختلف، فهي تتعرّف على الوجود بواسطة الشّمّ، وكلما تقوّت هذه الحاسّة الناعمة لديها صارت تنتمي إلى عالمها الكلبيّ أكثر. ثم توقفت سيارة، وهبط منها رجل مع كلبه. كان الحيوان يشمّ الهواء والرّصيف والأشجار، ويتقافز ويركض ويدور حوله، فرحا باليوم الجديد وتباشيره. كان مشهدا جديرا بالتأمل، الكلب يسير في الأمام، والرجل يتبعه، يحرسه من مفاجأة قد تنفجر مثل اللغم على الطريق. وكان الكلب مطمئنا على صاحبه لأنه يحرسه. نقل الدميري في كتابه «حياة الحيوان الكبرى» عن مسلم بن سلمى، عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: «أول من اتخذ الكلب للحراسة نوح عليه السلام، وذلك أنه قال: يا ربّ أمرْتني أن أصنع الفلك وأنا في صناعته أصنع أياماً، فيجيئون في الليل فيفسدون كل ما عملت، فمتى يلتئم لي ما أمرْتني به فقد طال عليّ أمدي. فأوحى الله إليه: يا نوح اتخذْ كلباً يحرسك، فاتخذ نوح عليه السلام كلباً، وكان يعمل بالنهار وينام بالليل. فإذا جاء قومه ليفسدوا بالليل عمله نبحهم الكلب فينتبه نوح عليه السلام فيأخذ الهراوة ويثب لهم فيهربون منه. فالتأم له ما أراد».
ولأن الوقت هو الفجر فإن الشاطئ خال إلا من الاثنين، الرجل وكلبه. إنه كهل طويل القامة وله صلعة كبيرة ورقبة ضخمة وجسد ممتلئ. خلع ملابسه، وبقي بلباس السباحة. الكلب، وهو يقعي على طرفيه الخلفيتين، عيناه مشدودتان إلى الموج العالي، وكان يراقب ما يجري. ثم نزل صاحبه إلى البحر، وكلّ قلق الأمهات والآباء صار في عينيْ الحارس المؤتمن الأمين. كان من نوع القلق الذي يغوص في ما تحت الجلد ويستنفر الأعماق. لم يرمش للكلب جفن، وعيناه تنظران البحر الواسع، والرجل فيه مثل قشّة، ترتفع مع الموج وتنخفض، ويدفعها البحر إلى الشاطئ، ثم يجعلها تعود إليه. حيّا الرجلَ شابّ كان يهرول على الرّصيف:
– بونجور يا ريمون! كيف الميّه اليوم. منيحة؟
نحن في بيروت، وشهر نيسان في أوّله. أجابه ريمون بكلام ضاع بين الريح. يهتاج البحر، ومعه تهتاج أمواج دماء الكلب. كان واقفا، منتصبا، متوفّزا، يريد أن ينبح بطريقة غامضة يعبّر بها عن قلقه على صاحبه. ثم خرج من فيه ما يشبه السعال الخافت. عندما انتهى ريمون من السباحة وخرج من البحر، لا أحد يتصوّر كمية الفرح التي سقطت على قلب الكلب، وعلى رأسه وبدنه. إنه ينطّ ويقفز ويتقافز ويهزّ ذيله طربا، ويقترب من سيّده ليشمّ بنطاله ومن ثَمَّ يعود إلى الرقص، وكأن فرح الدنيا بأسرها صار ملكه. كلّمه ريمون، وأجابه الكلب بشيء من الرجفة ولهاث السرور. وكان يطيل نظره ليتأكد أن صاحبه ماثل أمامه كله، لم تأخذ منه وحوش البحر شيئا.
تقوم نباهة الكلب على عصب الشمّ، وقد دقّق االبارئ عند تركيبه ليدلّ على إعجاز عمله، وجاء المخلوق عبارة عن عصبٍ جبار في الأنف، فهو كأنه لا يسمع ولا يرى ولا يهجس الوجود إلا عن طريق واحد هو السبيل المؤدي إلى منخريْه. زار صديق لي يسكن الريف أحد معارفه، وهجمت عليه كلاب الدار ومزّقت ثوبه، ثم استقبله مضيّفه بالاعتذار وجهّزه بثوب من خزانة ملابسه. تعلّل الرجلان وأكلا وشربا، ثم انقضت السّهرة وعاد الرجل إلى بستانه، وكانت عليه دشداشة مضيّفه. لم تعرفه كلاب بيته لأن الرائحة اختلفت عليها من الثوب الغريب، وهجمت عليه، وكادت أن تمزّقه رغم أنها كلاب بيته.
عنوان الكتاب هو جامع الأسانيد لابن الجوزي عبد الرحمن بن علي (ت 597 هجرية) من تحقيق الدكتور علي حسين البواب. الناشر: مكتبة الرشيد – الرياض. الطبعة الأولى، 1426 هجرية – 2005 ميلادية. رقم المسند هو (176) وعنوانه «مسند السالب بن أبي السالب». واسم أبي السالب صيفيّ بن عائذ المخزوميّ(1): (1825) الحديث الأوّل: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا عبد الصمد قال: حدّثنا ثابت قال: حدّثنا هلال بن خَبّاب عن مجاهد عن مولاه ــ يعني السالب بن أبي السالب أنّه حدّثه: أنّه كان فيمن بنى الكعبة في الجاهلية. قال: ولي حجرٌ أنا نَحَتُّه بيدي أعبُدُهُ دون الله تعإلى، فأجيء باللبن الخاثر الذي أنْفَسُه (2) على نفسي فأصُبُّه عليه، فيجيء الكلب فيَلْحَسُه ثم يَشُغَرُ فيبول(3). قال: فبنينا حتى بَلَغْنا موضع الحَجَر، وما يرى الحجرَ أحدٌ، فإذا هو وسطَ حجارِتنا مثلُ رأس الرجل يكاد يتراءى منه وجهُ الرجل، فقال بطن من قريش: نحن نضَعُه. وقال آخرون: نحن نضَعُه. فقالوا: اجعلوا بينكم حَكَماً، وهو أوّل رجل يَطُلَعُ من الفجّ، فجاء النبيُّ (صلّى الله عليه وسلَّم) فقالوا: أتاكم الأمينُ، فقالوا: فوضعَه في ثَوب، ثم دعا بطونَهم فأخذوا بنواحيه معه، فوضَعه هو صلّى الله عليه وسلّم (4).

كاتب عراقي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الآحاد 2/22، ومعرفة الصحابة 3/1369، والاستيعاب 2/99، والتهذيب 3/104، والإصابة 2/10. (2) الخاثر: الغليظ. وأنفَسُه: أبخل به. (3) شَغَرَ الكلبُ: رفع إحدى رجليه ليبول. (4) المسند 24/261 (15504) وفيه: عن مولاه أنه حدّثه. وجعل المحقّق مولاه هو قيس بن السائب، مع أن الإمام أحمد جعله في مسند السالب بن أبي السالب. وصحّح المحقّق إسناده، وذكر بعض شواهده.
للجاحظ كلام رائع بحقّ هذا الحيوان، لكن أبلغ من تكلّم عنه هو المرزباني في كتابه الذي مرّ ذكره «فضل الكلاب على…». قال: «وللكلب أيضا من الفضائل إتيانه وجهَ صاحبه ونظره إليه في عينه وفي وجهه وحبّه له ودنوّه منه حتى ربما لاعبه ولاعب صبيانه بالعضّ الذي لا يؤلم ولا يؤثر وله تلك الأنياب التي لو أنشبها في الشّجر لترك فيها أثرا عميقا».
انتهى المشهد وغادر الرجل ومعه حارسه الجميل. كانت الشمس صعدت في الأثناء، وكانت تعبر السماء سحابة قطنية اللون، وتبدّت لي بصورة كلب يجري في سماء زرقاء وردية. ثوانٍ، وطفق الكلب الذي في الأعالي ينبح مسرورا باليوم الجديد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية