أحمد خالد توفيق والشيخ الشعراوي

لست هنا في موضع مقارنة بين الاثنين فلا علاقة بينهما، لا في الفكر ولا في الفعل والعمل. لكن اشتعلت السوشيال ميديا منذ أيام بسبب تغريدة كتبها الإعلامي شريف عامر عن الكاتب أحمد خالد توفيق، وبسبب خبر انتشر أيضا على السوشيال ميديا بعزم المسرح القومي على تقديم مسرحية عن الشيخ محمد متولي الشعراوي، كمفتتح لمسرحيات عن عظماء بلدنا.

نبدأ أولا بالحديث عن أحمد خالد توفيق وما أثاره كلام شريف عامرعنه من ضجة. قال شريف عامر على صفحته في فيسبوك (سبحان الله. مؤلف وروائي راحل شديد الانتشار والنجاح. رغم شعبيته وسط أجيال لاحقة، كلما تابعت عملا مأخوذا عن مؤلفاته «وجدتها» شديدة السذاجة، ومحاولة تمصير سطحية لنوع بسيط من الأدب والدراما الأمريكية. صحيح لولا اختلاف الأذواق).

من هاجموا شريف عامر فهموا أنه هجوم على كتابات أحمد خالد توفيق.. أدركت أن الأزمة في كلمة «وجدتها» فجملة «كلما تابعت عملا مأخوذا» لا يُشار إليها «بوجدتها» بل «بوجدته» ومن هنا استقر في وعي المهاجمين أن شريف عامر يتحدث عن أعمال أحمد خالد توفيق، لا الأعمال الفنية عنها. بشكل عام أنا لست مع إجمال أعمال أيّ كاتب كلها في جملة واحدة، فدائما بين الأعمال ما هو رائع، وما هو جيد، وما هو حتى سيئ. الكاتب يتطور أثناء الكتابة إلا إذا كان من أصحاب العمل الواحد وهؤلاء قليل. معرفتي بشريف عامر أنه أعقل من ذلك، لكنه دخل عش الدبابير، أحمد خالد توفيق ترك وراءه حشودا من القراء المحبين، وكنت أحبه لذلك ولطموح كتابته في الخيال. اجتمعت كلمات الرثاء يوم وفاته بجملة حقيقية هي «جعل الشباب يقرأون». لقد نال شريف عامر الكثير من الانتقاد والشتائم، حين فكر البعض أن هذه حملة على أحمد خالد توفيق بسبب روايته «يوتوبيا» التي فيها ينفرد الحاكم ورجاله بمدينة جديدة ويتركون الشعب في حضيض مدنه القديمة. وكان مما جاء فيها أن سعر الدولار سيرتفع إلى ثلاثين جنيها، وأن الناس ستأكل أرجل الفراخ. طبيعي أن يتحول الأمر إلى سياسة، والدولار في مصر يرتفع ويكاد يصل إلى ثلاثين جنيها، وهناك صحف وبرامج ومراكز تغذية طلبت من الناس أن تأكل أرجل الفراخ وراحت تشرح فوائدها. بالمناسبة هي تباع منذ انفتاح السادات الاقتصادي، وقد جاء ذكرها في روايتي «هنا القاهرة» التي تدور أحداثها في السبعينيات. لم أكن اتنبأ لكن كنت أصف الأسواق. المحبون لأحمد خالد توفيق فسروا الأمر بحملة وهجوم عليه، لأن ما كتبه يحدث الآن. دخل بعض الأدباء المعترك وأبدوا رأيا سيئا في كتابات أحمد خالد توفيق. هنا والآن أحببت أن أذكّر الجميع بأهمية التفرقة بين كتابات أحمد خالد توفيق وكتابات الروائيين العاديين. كتابات أحمد خالد توفيق كما قلت أكثر من مرة تدخل تحت بند روايات البوب. الروايات واسعة الانتشار ومن مظاهرها الروايات البوليسية أو روايات الخيال العلمي. هذه الروايات موجودة في العالم كله والسينما تعتمد عليها أكثر مما تعتمد على الروايات الأدبية العادية، لأنها أكثر جذبا للمشاهد، كما هي مع القراء. مؤلفو هذه الروايات عادة هم الأكثر توزيعا بين الشباب الذين بالكاد في سن العشرين. هذا النوع من الروايات يجب عدم مهاجمته بالمقارنة بينه فنيا وبين الروايات العادية. لا أحد يقارن في النقد بين أجاثا كريستي وتوماس هاردي، أو جيمس جويس، أو غيرهما من أعلام الأدب الإنكليزي. لقد وزعت أجاثا كريستي في حياتها مليار نسخة من أعمالها، وهو رقم يفوق توزيع كل كتّاب إنكلترا أحياء وأمواتا.

في النهاية كل ما يراه البعض سلبيات له هي بنت إيمانه بالتفسير الظاهري للقرآن الكريم وهو المنهج الذي يمشي عليه أكثر من يسمونهم علماء الإسلام عبر التاريخ ويحبهم الحكام. منهج النقل لا العقل. فالمعتزلة مثلا أهل العقل مكروهون كما أن شيوخ هذا المذهب في أغلبهم مؤيدون للحاكم، مهما طغى وتجبر.

هكذا يبدو شريف مخطئا في الحكم لكن أيضا ليس وحده، بل كذلك الأدباء الذين قارنوا بين أحمد خالد توفيق ونجيب محفوظ وغيره من الأدباء. طبعا لم أحب الشتائم التي انهالت، فالسوشيال ميديا تفتح الباب لها، لكن المعركة أضاعت المعنى الذي أراه حقيقيا وهو، أن روايات أحمد خالد توفيق، أو نبيل فاروق، أو غيرهما من كتاب البوب آرت نوع من الإبداع لا يُقارن بغيره.

أنتقل إلى مسألة الشيخ محمد متولي الشعراوي، والحديث الذي تفجر بعد انتشار خبر تقديم مسرحية عنه في المسرح القومي. انتهى الأمر بتراجع، أو توضيح من وزيرة الثقافة، أنه لن تكون هناك مسرحية عنه، لكن سيكون شهر رمضان فرصة للاحتفال الديني بتقديم بعض الوجوه الدينية، وأن اللجنة لم تعتمد الشيخ الشعراوي بعد. ما أريد أن أقوله، من خلال متابعتي له زمان وقراءاتي لكتاباته، إن الشيخ متولي الشعراوي من أهل الظاهر في تفسير القرآن، أهل النقل لا أهل العقل الذين يفسرون الآيات وفقا لأسباب نزولها ومكانها وزمانها، ومن ثم فهو يأخذ الآيات كما هي في ظاهر الكلام. ضرب المرأة يعني ضرورة ضربها وحلاله.. لعن الله “اليهود والنصارى” ولا تراجع رغم آيات أخرى طيبة عن أهل الكتاب، ويمكن أن تكون الأولى مكية في بداية الإسلام، والثانية مدنية بعد استقراره، المسيح ليس الله إذ كيف يكون الله طفلا يكبر. لا يفرق بين العلم والإيمان فكثير جدا من حكايات الأنبياء لها أصول في الأساطير القديمة، ولا تناقش علميا ولا عقليا، لكنها تدخل في عالم الإيمان. هكذا في كل أقواله عن الأحكام، ويضيف إليها باعتباره من أهل الظاهر، أن كل شيء مُقدر لك، ومن ثم لا داعي لتغيير الأعضاء أو غسيل الكلى، بل الاستسلام للمرض فإذا أراد لك الله الشفاء ستشفى وإذا لم يرد فهو قضاء الله ولا اعتراض عليه. هذا هو المدخل لفهمه وبه نستريح. أما مواقفه فهي مع الحاكم فهذا منهجه، لأن الله أمر بطاعته وطاعة الرسول وأولي الأمر، والحاكم ولي الأمر، لم يفعل ذلك مع عبد الناصر لأنه كان في السعودية، ومن ثم حين وقعت هزيمة 1967 صلى شاكرا لله لأن عبد الناصر في نظره شيوعي، لكن لا تنسى أن عبد الناصر لم يكن على وفاق مع السعودية، بسبب حرب اليمن.. شارك في تشجيع البنوك الإسلامية ورجال توظيف الأموال فهم مصدر الرزق والإنسان يسعى لرزقه، كذلك مثلا وقّع على بيان بعد اغتيال فرج فودة مسانداً لمحمود مزروعة نائب رئيس جبهة علماء الأزهر، الذي كان قد أفتى من قبل هو ورئيس الجبهة عبد الغفار عزيز بكفر فرج فودة، وواجب قتله كمرتد. لقد وقّع على بيان الدعم والتأييد إلى جانب محمد الغزالي، وآخرون من أعضاء جماعة الإخوان، وجبهة علماء الأزهر كما قلت، بعد الاغتيال لا قبله. لكن ما الفرق؟ دون سؤال عن معنى الردة الآن، وماذا يضير الإسلام بعد رسوخه. هذا إذا كان هناك يقين بالردة أصلا وهذه صعبة الإثبات.

في النهاية كل ما يراه البعض سلبيات له هي بنت إيمانه بالتفسير الظاهري للقرآن الكريم وهو المنهج الذي يمشي عليه أكثر من يسمونهم علماء الإسلام عبر التاريخ ويحبهم الحكام. منهج النقل لا العقل. فالمعتزلة مثلا أهل العقل مكروهون كما أن شيوخ هذا المذهب في أغلبهم مؤيدون للحاكم، مهما طغى وتجبر. كل سلوكيات الشيخ الشعراوي هي تجليات لهذا المنهج، ولا يعني هذا أبدا التقليل من معارفه، وحولنا الآن من يفسر من الشيوخ كل قرار حكومي تفسيرا دينيا حتى قرار تعويم الجنيه أمام الدولار.. والسؤال الأهم هو هل في حالة تقديم مسرحية أو احتفال به ستتم الإشارة إلى ذلك. المسرح قائم على الدراما وصراع الخير والشر، إذا تم ذلك فأهلا رغم أنه صعب، وإذا كان عن مسرحيات دينية في رمضان فلدينا ما كتبه عبد الرحمن الشرقاوي وعلي أحمد باكثير وصلاح عبد الصبور مثلا عن وجوه عظيمة من الإسلام كانت حياتها دراما مكتملة الأركان.

روائي مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية