الممثل باعتباره وسيطا فنيّا، بما يمتلكه من تقنيات جسدية وصوتية في التعبير والإيحاء، وهو يمارس فعله الإبداعي على خشبة المسرح وأمام الكاميرا، في إطار دوره المحوري القائم على خلق وابتكار الشخصيات التي يقدمها، سيُحصِّن ذاته باحترام وتقديرٍ يبقيانه محتفظا بسطوع تأثيره العاطفي على الجمهور، ولن يتحقق له ذلك إذا لم يكن على قدرٍ عالٍ من المِهنية في عمله، ومبتعدا بمواقفه عن كل ما قد يؤثر على تدهور سجل نجاحاته في مهنته، والأهم في هذا السياق أن يتحلى بانضباط وحرص شديدين لتأكيد حضوره كمحترف، والنأي بنفسه عن السقوط في مستنقع سلوك انتهازي عادة ما يتم اصطياد مشاهير الممثلين للوقوع في حبائله من قبل جهات مختلفة لا تربطها صلة بالعمل الفني بقدر ارتباط عملها بمشاريع أخرى غالبا ما تكون السياسة في مقدمتها. ولهذا من الضروري ان يكون منتبها خارج أروقة الإنتاج الفني، فلا يسمح لنفسه ان يتورط في ارتداء أقنعة تقدمها له أي سلطة سياسية، بغض النظر عن محتوى السلطة سواء كانت من فصيلة الملائكة أو الشياطين.
والممثل العارف بأسرار مهنته يدرك جيدا أن أقنعة الشخصيات التي يتقمصها تصلح في ميدان الفن فقط ولا تصلح في الحياة، وهنا يكمن سحر الإيهام الذي تحققه متعة التجربة الفنية بكل أقنعتها التي يقدمها الممثل للجمهور في لحظة التلقي، وإذا ما خالف الممثل هذا المنطق فهذا معناه انه ذاهب إلى مسار آخر، سيدفع به إلى أن يخسر رصيده من الحب والتقدير الذي أسبغه عليه الجمهور. وبوجه عام فإن الجمهور بطبيعة علاقة الاهتمام والمحبة التي تحكم علاقته مع الممثل لا يستسيغ له أن يلعب بأدواته التقنية خارج ملعبه الفني، ولا أن يستسهل لعبة التمقص في الواقع تحقيقا لأغراض لا علاقة تجمعها بالفن، ومن الممكن ان يحظى مثل هذا الممثل بدعم وتشجيع من قبل جمهور معين، ويتم الترويج الإعلامي للقناع الذي يرتديه خارج ميدان الفن، وهذا لأنه مرتبط بلعبة يجري نسج خيوطها من قبل سلطة سياسية لأضفاء مشروعية على أجندة تسعى لتحقيقها، ودائما ما يتم الاستغناء عن هذا الممثل مع انتهاء أشواط اللعبة ولينتهي دوره في الحياة والفن.
بكل الأحوال سيكون الأمر مدعاة للخجل عندما يرتضي الممثل أن يكون سعره رخيصا، إذا ما باع نفسه لكل من يدفع له، من دون أن يكون له رأي بما يُعرض عليه .
نعم المال مهم لمواجهة صعوبات الحياة، كذلك الإحساس بالنفوذ يشكل هاجسا ذو أهمية كبيرة لدى طيف واسع من البشر ومنهم الممثل، ولكن هل الحصول على المال والنفوذ له ما يبرره من الأعذار والحجج لتفادي السقوط في أعين الجمهور؟
ممثلون عراقيون
التزموا الصمت
بعض الممثلين التزموا الصمت في أزمنة شاعت فيها الفوضى بعد تغيير سياسي شهدته البلاد وفضلوا الوقوف بعيدا عن المشهد، غير عابئين بالخسائر التي سيدفعونها من مسيرتهم، مع انهم كانوا على درجة عالية من الموهبة والاحتراف، وذاكرتنا ما زالت تحتفظ بتقدير كبير للممثلة مي شوقي (1948) التي كانت في مطلع سبعينات القرن الماضي أبرز موهبة ظهرت في تلك الفترة وسط مجموعة مميزة من الممثلات أمثال زينب، وناهدة الرماح، ووداد سالم، وزكية خليفة، لكنها آثرت ان تتوقف عن العمل نهائيا في وقت مبكر من مسيرتها الفنية عام 1979 وكانت في قمة تألقها وسطوعها، لانها لم ترتض لنفسها ان ترتدي أقنعة خارج مهنة التمثيل، ورفضت أن تكون جزءا من مشهد عام كانت علاماته تشير إلى انه سيقود البلاد إلى مستقبل غامض ثم اختارت العيش في المنفى في منتصف تسعينات القرن الماضي.
من الممكن للممثل أن يبقى ناجحا في مهنة التمثيل التي يعشقها، ويكسب من خلالها حب الناس واحترامهم، إذا ما رفض أن يكون ممثلا في الحياة الواقعية، لأنه وبقدر نجاحه في إرتداء أقنعة الشخصيات على الشاشة وخشبة المسرح، فإن الفشل سيلاحقه إذا ما تورط وارتدى الأقنعة في الحياة الواقعية لخداع الجمهور، خدمة لمشاريع بعيدة عن الفن، لأن اللعبة بكل بساطة لن تنطلي على أكثرية الجمهور، وسيتم السخرية منه ونبذه بدل أن يتم التصفيق له.
تدليس
لفت انتباهي أحاديث متلفزة وردَت على لسان الممثلة العراقية عواطف السلمان (1954) خلال أكثر من لقاء وفي أكثر من قناة فضائية أُجري معها هذا العام، حاولت فيها السَّلمان أن تقنعنا بانها أُرغِمَت على تقمص شخصية متهمة بخيانة الوطن في مسلسل «رجال الظل» أنتجته المخابرات العراقية في تسعينات القرن الماضي، وزعَمت بأن جهة الإنتاج كانت تهدف إلى تسقيطها، بدوافع مذهبية مع اثنين من زملائها المشاركين في المسلسل، بإصرارها على ان تؤدي الشخصية، ونفس الحال ينطبق على زميليها لأن ثلاثتهم ينتمون إلى مذهب واحد حسب قولها.
لست هنا في معرض الدفاع عن الجهة المخابراتية المنتجة للمسلسل لتبرئتها من الدافع الخبيث، حسب ما زعمت الممثلة، لكن ما يهمني في الموضوع، الإشارة إلى الناحية الفنية المتعلقة بفن التمثيل، فحديثها يكشف عن قصور كبير في فهم بديهيات تتعلق بمهنة التمثيل، ومن الواضح أنها ورغم عملها كممثلة لأكثر من أربعين عاما إلاَّ أنها لم تستوعب طبيعة العلاقة الفنية التي تفصل بشكل مطلق بين شخصية الممثل الواقعية في الحياة والشخصية التي يؤديها على الشاشة، وهذا ما اتفقت عليه كل نظريات التمثيل على ما فيها من اختلافها في المنهج والرؤية، ابتدأ من المُعلم الروسي ستانسلافسكي مرورا بالألماني برتولد برخت، والبولوني غروتوفسكي والإنكليزي بيتر بروك ويوجينو باربا وآخرين.
فما تعكَّزت عليه من منطق لتفسير نوايا جهة الإنتاج، يشير إلى فهم متواضع جدا لعمل الممثل وعلاقته بالشخصية التي يؤديها، ذلك لأنها خلطت بين الفن الواقع، وحسب فهمها فإن الجمهور يبدو على درجة من بساطة الوعي، بالشكل الذي لا يستطيع التمييز بين الحقيقة والخيال، ليكون مقتنعا بالتالي بأن من يتقمص شخصية خائن على الشاشة في مسلسل درامي، لابد من أن يكون خائنا في الواقع! وإذا ما سلمنا بمنطقها الغريب على سبيل الفرض، عليها أن تتقبل وفقا لفهمها حكما نقديا مطلقا يخلط بينها كإنسانة وبين شخصيات كانت تتبنى خطاب السلطة، أدتها في اعمال درامية أخرى، لتبرير الحرب التي كانت قائمة بين العراق وإيران في ثمانينات القرن الماضي ويمكن العودة إليها في موقع اليوتيوب.
أختتمت الممثلة حديثها قائلة بأن خوفها من السلطة أرغمها على أن توافق لتأدية تلك الشخصيات. وبحكم قربنا من الوسط الفني، نجد أن كلامها ليس دقيقا ويحتاج إلى ما يثبته لأننا لم نسمع أن ممثلا تم إرغامه على تأدية شخصية ليس مقتنعا بها، هذا إضافة إلى أن أغلبية الممثلين كانوا بأمس الحاجة إلى العمل، فكيف إذا كان مسلسلا دراميا ترعاه مؤسسة مخابراتية وفَّرت له ميزانية مالية ضخمة وأجورا عالية كان يحلم بها الممثل العراقي، لذا سيكون أمرا طبيعيا أن الكثير من الممثلين سيقفون في الطابور بحثا عن فرصة من هذا النوع، وكُلٌّ له أسبابه الخاصة التي تدفع للعمل، وهذا ما ينطبق أيضا على كواليس أفلام عراقية تم إنتاجها في تلك الفترة الزمنية مثل «الأيام الطويلة، والقادسية، والمسالة الكبرى» حيث خُصِّصت لها ميزانيات ضخمة ارتقت إلى ملايين الدولارات، والأجور فيها كانت مغرية لأكثرية الممثلين.
قد يكون ما ورد على لسان السلمان يحمل وراءه دوافع لا تستطيع الإفصاح عنها، خاصة وأن العراق يغرق في فوضى سياسية منذ عقدين من الزمان لا مثيل لها، حيث تشيع بشكل متبادل بين قواه الفاعلة على الأرض أجندة التسقيط والتشويه والتزوير، وانسجاما مع هذا المناخ، لربما حاولت عبر تنصلها من تلك الأعمال، العودة إلى واجهة المشهد الفني بعد أن انحسرت عنها الأضواء التي كانت تحظى بها أيام شبابها.
ختاما علينا أن نتذكر تلك النخبة الرائعة من الممثلين العراقيين الذين احترموا مهنتهم وجمهورهم، ولم يشاركوا في أعمال درامية ما كانوا مقتنعين بها، لأن التمثيل بالنسبة لهم، كانت المهنة التي أحبوها وأخلصوا لها، ورفضوا ان تكون لعبة لخداع الجمهور.