في صباح الاثنين الماضي، اجتاز المطران الماروني موسى الحاج مع عائلته المعبر الحدودي في رأس الناقورة بعد أن زار إسرائيل و”المناطق” [الضفة الغربية] بحكم أنه المسؤول عن الطائفة المارونية في المنطقة. ليست المرة الأولى التي يأتي فيها المطران لزيارة كهذه، وكانت قافلته تجتاز الحدود بدون أي مشكلة من قبل. وكان في كل مرة يحمل في جعبته الأموال والدواء التي تبرع بها أبناء الطائفة المارونية في إسرائيل لتوزيعها على المحتاجين في لبنان. ليس المارونيون فقط هم الذين يتبرعون بالأموال، بل أبناء الطائفة المارونية في إسرائيل. وفلسطينيون من “المناطق” يستخدمون خدمات البائع المتجول للمطران لنقل الأموال والدواء لأبناء عائلاتهم. ولكن محققي المخابرات في لبنان احتجزوه هذه المرة، واضطر إلى الإجابة على أسئلة المحققين خلال 12 ساعة. وقد صادروا أمتعته وهاتفه والـ 460 ألف دولار التي كانت بحوزته.
احتجاز المطران والتحقيق معه أثار عاصفة كبيرة؛ فالتحقيق معه في المخابرات العسكرية يخرق القاعدة المتبعة في لبنان، التي تقول بأنه يتم التحقيق مع رجال الدين إذا كانت هناك حاجة، ولا يقدمون للمحاكمة إلا من قبل مندوبي الفاتيكان. في البداية، رفض المطران الخروج من السيارة، ولكن لأن أمر التحقيق كان قد أصدره قاض مدني وهو فادي عكيكي، الذي يمثل جهاز القضاء المدني في المحاكم العسكرية، فقد استجاب في النهاية. وقبل منتصف الليل، أطلق سراح المطران، وقد شق طريقه مباشرة إلى مقر رئيسه، ومن هناك أصبحت القضية معروفة. ثم تحولت إلى هزة سياسية وصلت إلى رئيس الدولة ميشيل عون. القيادة السياسية للمسيحيين والدروز أثارت ضجة ووجهت إصبع الاتهام لـ”حزب الله” وجهات أخرى، “داخلية وخارجية” في محاولة لجر لبنان إلى حرب أهلية. اجتماع رؤساء الطائفة المارونية برئاسة البطريرك الراعي، نشر بيان إدانة شديداً كتب فيه بأنه “يجب إنهاء العرض الأمني والقانوني والسياسي على الفور، وإعادة جميع الأموال والأدوية التي صودرت لتوزيعها على المحتاجين الذين ينتظرونها، وإغلاق الملف القانوني والتحقيق مع القاضي عكيكي ووقفه عن عمله.
كان للقاضي عكيكي جواب قاطع على هذه الادعاءات: “الأموال التي نقلها المطران ليست من ممتلكات الكنيسة. مصدرها عملاء يعيشون في إسرائيل (القصد هو رجال جيش لبنان الجنوبي الذين وصلوا إلى إسرائيل أثناء انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان)، ومعظمهم يعملون لصالح العدو. هذه الأموال خاضعة للقانون اللبناني الذي يسري على كل شيء يدخل من الأراضي المحتلة (إسرائيل كلها تعتبر منطقة محتلة) وهو يطبق على كل من يدخل منها… ثمة قانون لمقاطعة إسرائيل، وواجبي تطبيقه”.
قضية المطران لم تنته بعد؛ فقد استُدعي للمثول أمام القاضي مرة أخرى لمواصلة التحقيق معه. ولكنه أوضح بأنه لا ينوي تطبيق الأمر بدون مصادقة من المسؤولين عنه. حتى الآن يبدو أن الضغط السياسي فعل فعله، وربما سيتم حفظ الملف أو نسيانه. ربما يختفي الملف، ولكن التوتر الطائفي الذي أثاره سيتواصل صداه وسيخلق رأس مال سياسياً. القيادة المارونية التي تتولى رئاسة الدولة، تعَدّ هذه القضية بالنسبة لها قضية محرجة، في الوقت الذي يجد فيه رئيس الحكومة، نجيب ميقاتي (السني)، صعوبة في تشكيل حكومة متفق عليها. الرئيس عون سينهي ولايته في تشرين الأول القادم (إذا لم يتم تمديدها بسبب الصعوبة في تشكيل الحكومة أو الاتفاق على المرشح الذي سيستبدله). في الحقيقة، وقف عون إلى جانب المطران، لكن الإشارات الشديدة لمعارضي “حزب الله”، من بينهم قيادة الدروز وزعيم القوات اللبنانية سمير جعجع، بأن الحزب هو المسؤول عن التحقيق مع المطران، تضخم القضية وتنقلها إلى الملعب السياسي. هي الآن ترتبط بمسألة ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان، حيث إن “حزب الله” في نهاية المطاف متورط في القضيتين، وهو فيهما يحاول تحطيم الأدوات وتحديد قواعد اللعب، إما مساعدة وأموال من إسرائيل للبنانيين، أو مفاوضات حول حقل الغاز، وإما تشكيل حكومة في لبنان أو قروض من صندوق البند الدولي. “حزب الله” لا يبقي طرف خيط صغير إلا ويلفه على إصبعه.
في الأسبوع الماضي قال الرئيس عون بأن اتفاق ترسيم الحدود يتقدم بشكل جيد، وأن وزير الخارجية اللبناني عبد الله بوحبيب، تنبأ بتوقيع الاتفاق في أيلول. تصعب معرفة إلام تستند هذه التقديرات المتفائلة في الوقت الذي لم يتسلم فيه لبنان بعد جواب إسرائيل على خارطة الحدود التي طرحها. الأمر غير المشكوك فيه هو موقف “حزب الله”، حيث أوضح بأن لبنان لن يوقع على اتفاق لا يضمن له كامل حقوقه، وفي أساسها حقل الغاز “قانا” الواقع داخل الحدود التي تدعي إسرائيل ملكيتها. في الحقيقة، أوضح “حزب الله” بأنه سيؤيد كل ما ستقرره الحكومة اللبنانية، لكنه يهتم بالتوضيح بأن الحكومة لن تتخذ قرارات مخالفة لمواقفه. ما يقلق “حزب الله” ليس مصير حقل الغاز، بل تشكيلة الحكومة في لبنان، من سيكون الرئيس وكيف سيحافظ على روافع قوته. حقل الغاز رافعة قوية، وقضية التحقيق مع المطران تخدم أهدافه. ومثلما قال وزير الخارجية بوحبيب في مقابلة مع موقع “أساس – ميديا” اللبناني قبل سنتين: “حزب الله هو حاكم لبنان الفعلي”. لا تجديد كبيراً هنا، لكن التحقيق مع المطران اعتبر تجاوزاً للخطوط الحمراء في دولة يوجد فيها لهذه الخطوط مرونة كبيرة.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 25/7/2022