«أُمّ العشار بيها النَخَل والأشجار»: ذكريات بصراوية

عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
0

البصرة يامّ العشّار/ بيها النَخَلْ والأشجار… بيها النَخَلْ والأثمار… هذه أغنية شعبية سمِعتها عرَضاً في أحد المؤتمرات الأدبية في دُبَي؛ صدِّق أو لا تُصَدِّق. وقد أثارت فيّ ذكريات عن بعض الأشهر المُتباعدة التي قضيتُها في العشّار في العطل الصيفية أثناء الدراسة الجامعية في بغداد، وكانت العطلة تمتد إلى ثلاثة أشهر أو أكثر قليلا. ففي أربعينات القرن الماضي فصاعداً كانت العشّار امتداداً طبيعياً لمدينة البصرة القديمة، وتزدهر بتجارة من جميع الأنواع، وفيها تجمّعات بشرية من كل جنسٍ وأمّةٍ، من الهنود وغيرهم من الأعاجم إلى جانب جنسيات عربية مختلفة، كان أقربها إليّ “الجالية العراقية” بل “الموصلية” بشكل خاص. وعرفتُ لاحقاً أنهم مسلمون ومسيحيون من أهالي الموصل نزحوا إلى عشّار البصرة في أواخر العهد العثماني، هربا من التجنيد الإجباري أيام “السَفَر بلّك” ولا أدري لماذا كانوا يعتقدون أن البصرة بعيدة عن التأثير العثماني في شمال العراق وفي الموصل على الخصوص.
وكانت مدينة العشّار أشبه بسوق كبير، أو مجموعة أسواق، لكل سوق إسمه الخاص مثل سوق الهْنود، وهو معرض كبير من جميع أنواع التوابل ومطيِّبات الأطعمة ذات الروائح الفاغمة، فإذا مررتَ به فإنك لا تستطيع مقاومة العُطاس، فتهرب منه إلى سوق المَغايز، جمع مَغازة، أي مخزن وهو تحريف عن الكلمة الانكَليزية، ماكَازان، التي هي في الأصل تحريف “مخزن” العربية، وفيه أنواع الأقمشة والعطور وأدوات الزينة. أما سوق “المصالوة” فلا تجد فيه أثراً من “البهارات” أو الأقمشة، بل تسمع مناقشات بلهجة موصلية مطعّمة باللهجة البصراوية مع الإصرار على لفظ حرف الراء غيناَ: غاح الغجّال وما غشعتونو… مع جُمَل من هذا النوع يتقاذفها أصحاب الدكاكين عبر الممرات الضيقة في السوق، فإذا صادف مرور أحد “البصاروة” في هذا السوق سرعان ما تنقلب الأحاديث إلى لهجة “بصرومصلاوية” ويعود حرف الراء إلى قواعده سالماً.
وفي عطلة الصيف بين السنة الثانية والثالثة من الكلية ذهبتُ إلى العشّار لقضاء الصيف مع أقاربي “المصالوة” للبحث عن عمل مؤقت أجمع منه “شويّة فلوس” كما يفعل بعض الطلبة لمواجهة ما قد يستجدّ من حاجات أثناء الدراسة. فذهبتُ إلى مديرية الموانئ العامة واستطعت الحصول على وظيفة كتابية في قسم الترجمة، بعد أن اجتزتُ امتحانا حصلت فيه على أعلى درجة. وعلمتُ لاحقاً أن الشاعر الكبير بدر شاكر السياب قد سبقني إلى هذه الوظيفة قبل سنة لكنه فضّل الانتقال إلى وظيفة أخرى. وبنهاية الصيف تجمّع لديّ مبلغ طيب فعُدتُ إلى بغداد لاستئناف دراستي في السنة الثالثة. كانت بناية مديرية الموانئ جميلة ونظيفة جدا، يلتمع فيها البلاط الأبيض وينتعش الداخل إليها لبرودة الهواء الذي لم نكن نعرف كيف يختلف عن الهواء خارج البناية. لكن المدخل الكبير يتصدّره درج نصف دائري ينتهي ببوّابة من الخشب الفخم، قيل لنا إنها المدخل إلى دورات المياه التي لا يدخلها إلاّ حملة المفاتيح من الانكَليز وكبار الموظفين. لكن المزعج لنا نحن أبناء البلد أن ذلك الباب الخشبي الفخم يتقدّمه تمثال نصفي للملك، ولم أعد أذكر أي ملك عراقي كان تمثاله يزيّن ذلك المدخل !
وفي العطلة الصيفية بنهاية سنتي الثالثة في الكلية تشجّعتُ لتكرار مغامرة البحث عن عمل في البصرة، فحصلتُ على عمل في شركة النفط بسهولة أدهشت عشرات الواقفين على باب الشركة، وهم من أهل البصرة. خرج إلينا مدير الإدارة، الأسكتلندي نيرن يرتدي “شورت أبيض بقميص نصف كُم” وتكلّم معنا واختارني من بين الجميع وكلّفني بترجمة العقود والمراسلات الخاصة بالشركة ومتابعة شؤون العُمّال والموظفين مع دوائر الدولة، وخصّص لي سيارة مع سائقها لمتابعة شؤون شركة النفط عند دوائر الدولة. وجدتُ المكتب يضم حوالي 12 موظفاً من أهل البصرة الذين رحّبوا بي وبينهم رجل هندي كبير في السن، مُسلِم اسمه إبراهيم، يحمل معه لغدائه “رغيف خُبوز وتمر هندي” ينقعه بكأس ماء ويَحمد الله على نِعَمه، ويَعجب كيف أن الآخرين يحملون صمّونة مليئة باللحم والبيض ولا يمرضون بعد أكلها. والأطرف من ذلك هذا أن مدير المكتب هذا مستر جورج، القادم من إحدى القرى المسيحية في ظاهر مدينة الموصل كان اسمه “جَجّو” لكنه في هذا المنصب إتّخذ لنفسه الإسم المناسب. كان الجميع يسخرون منه في السِرّ ويَخشونه في العلن، وكان كلما مرّ مستر نيرن من أمام المكتب ينهض قائما ويستعد للانحناء إذا ما دخل إلينا مستر نيرن. وقد تجرّأتُ أنا مرة وسألته ما سبب هذا الاحترام المفرط للمدير؟ فأجاب بكل بساطة: “عيشتنا عليهم. الله من فوق والإنكَليز من جَوّه”.
وفي الأماسي كان الجوّ في العشّار يَبرد قليلاً فيخرج بعضنا للتمشّي في الأسواق والمرور من أمام ساعة سورين، القائمة على برج منخفض، ويختلف الناس حول من أقامها ومتى ولأي غرض؛ وقد أصبح ذلك من الأحاديث المملولة لكثرة ترديدها والإختلاف حولها. وإذ كنّا نمرّ ببعض الدكاكين ونجدها مفتوحة والبضاعة معروضة، ولكن صاحب المحل غير موجود، نسأل زملاءنا البصاروة تفسيراً لذلك ويكون الجواب: “صاحب المحل راح يصخّن”. أي أنه ذهب إلى داره لينام قليلاً، لأنه قد أصابته سخونة الملاريا!!! ولكن ترك الدكان بهذا الشكل المكشوف وغياب صاحبه لا يجعله عرضةً للسرقة! أي نوع من الأمانة هذه، وأي مستوى أخلاقي كان عند الناس في تلك الأيام!
ومن ناحية ثانية كان معنا المحاسب الذي ينظِّم قوائم المدفوعات تسلّماً وتسليماً مع المقاولين الذين يتعاملون مع الشركة، وكان هذا الميخائيل يتبجّح دائماً أنه قبل تقديم قوائم الحسابات يُجري عليها بعض التعديلات “لمصلحة الشركة” كأن يضع نقطة إلى يمين مبلغ الحساب الأخير فيتضاعف الرقم عدّة مرّات، ويقتسم المحاسب النبيل فرقَ المبلغ مع زملاء آخرين له في قسم الحسابات والتدقيق! ولا أحد يدري كيف “نفذ” هذا المحاسب البارع من العقاب، ولا ندري كيف أنه لم يكن يخشى من الاكتشاف وأن يُخبر أحدُنا عنه. ولكن هذا مثال آخر عن “الأمانة” عند بعض موظفي شركة النفط في تلك الأيّام.
كان من واجباتي في شركة النفط تحرير أخبار عن أنشطة الشركة في التصدير، وعن أحوال الموظفين القادمين والمغادرين. وصادف أن أحد الموظفين الانكَليز قد انتهى عمله في الشركة، وكان يستعدّ للمغادرة بزورق ليوصله إلى سفينة راسية في الفاو، ليغادر البلاد، بعد أن أقاموا له حفلة وداع. كان ذلك الانكَليزي المتحضِّر يريد أن يبرهن للآخرين أنه “يعرف الأصول” فأرسل برقية من الزورق يودِّع فيها موظفي الشركة، الانكَليز طبعاً، ويذكر بعضهم بالأسماء، ويختم الوداع برجاء الاهتمام ورعاية “نفطنا”.
كانت هذه الكلمة الأخيرة قد أثارتني وأغضبتني ولم أستطع إكمال تحرير الخبر، فصرختُ بأعلى صوتي: “نفطنا يا ابن ال…متى صار نفطكم؟” وهرع إليّ اثنان من الزملاء صائحين: خير إن شاء الله. شَكو، شَكو؟ فلم أستطع جوابا، وقلبتُ الأوراق أمامي وأنا أرتعش غضبا.
لكن هذه المُزعجات القليلة لم تَنَل من محبّتي للمدينة وأهلها. وعلى الرغم من هبّات البخار من هواء يشوي الوجوه أحيانا، بقيتُ أردِّد كلّما ذُكر اسم البصرة أمامي: البصرة أُمّ العشار/ بيها النَخَل والأشجار/ بيها النَخَل والأثمار… حلوة البصرة…

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية