ارتفعت نسبة الانتهاكات للحقوق والحريات في الشمال السوري بشقيه الشرقي والغربي بشكل ملحوظ خلال الآونة الأخيرة، من اعتقال وتكميم للأفواه، ومنع مزاولة العمل الإعلامي والتضييق على الإعلاميين والاعتداء عليهم، بالإضافة إلى التعرض للمتظاهرين وغيرهم من الأحداث التي تنذر بخطورة ما آلت إليه مستويات الحريات في مناطق سيطرة المعارضة السورية وقوات سوريا الديمقراطية «قسد» وتلك الخاضعة لسيطرة هيئة تحرير الشام.
فقد شهدَ تموز/يوليو الماضي، وفق تقرير للشبكة السورية لحقوق الإنسان، عمليات احتجاز قامت بها هيئة تحرير الشام بحق مدنيين، تركَّزت في محافظة إدلب وشملت نشطاء إعلاميين وسياسيين، ومعظم هذه الاعتقالات حصلت على خلفية التعبير عن آرائهم التي تنتقد سياسة إدارة الهيئة لمناطق سيطرتها.
حيث تمَّت عمليات الاحتجاز بطرق تعسفية على شكل مداهمات واقتحام وتكسير أبواب المنازل وخلعها، أو عمليات خطف من الطرقات أو عبر نقاط التفتيش المؤقتة.
كما سجل التقرير الحقوقي، عمليات اختطاف قوات سوريا الديمقراطية أطفالاً بهدف اقتيادهم إلى معسكرات التدريب والتجنيد التابعة لها وتجنيدهم قسرياً، ومنعت عائلاتهم من التواصل معهم، ولم تصرح عن مصيرهم.
أما المعارضة السورية المعتدلة «الجيش الوطني» فقد قامت بأعمال خطف واحتجاز تعسفي، بعضها حدث بشكل جماعي استهدفت وافدين من مناطق سيطرة النظام السوري، كما وثق التقرير الحقوقي عمليات احتجاز قامت بها المعارضة السورية على خلفيات عرقية تركزت في مناطق المعارضة المسلحة.
هذه الأعمال حدث معظمها من دون وجود إذن قضائي وبدون مشاركة جهاز الشرطة وهو الجهة الإدارية المخولة بعمليات الاعتقال والتوقيف عبر القضاء، ومن دون توجيه تهم واضحة.
عراقيل
المصور الإعلامي في الشمال السوري رامي السيد قال لـ«القدس العربي» إن التضحيات والحرية التي ناضل من أجلها الشعب السوري طيلة السنوات الماضية باتت بخطر في شمالي البلاد، خاصة على الصعيد الإعلامي والعمل الصحافي.
مشيرا إلى وضع عراقيل كبيرة أمام العمل الإعلامي بالإضافة إلى سياسة تقييد حرية التحرك والتصوير في العشرات من المناطق، لا سيما في مناطق غصن الزيتون ودرع الفرات، وهي مناطق تخضع لسيطرة الجيش التركي وقوى المعارضة السورية المعتدلة.
وقال المصور لـ«القدس العربي» في حال التوجه لإعداد أي تقرير مصور، نضطر إلى تحصيل عدة موافقات من قوى عسكرية متعددة، وأن تعدد الجهات العسكرية المسيطرة يصعب العمل الإعلامي ويعرقله.
وحول مدينة إدلب، أشار المصدر، إلى عراقيل مشابهة لتلك المتواجدة في مناطق غصن الزيتون ودرع الفرات، ولكنها أقل نسبيا منها خاصة بعد توفيرها لبطاقات صحافية جعلت العمل الإعلامي أيسر من مناطق أخرى.
أما فيما يخص المؤسسات الإعلامية التنظيمية، اعتبر السيد أن تلك المؤسسات ضعيفة ولا ترقى إلى مستوى تطلعات الكوادر الإعلامية ولا تستطيع مجابهة سلطات الأمر الواقع، وهو ما يجعل تسهيل وتيسير العمل الصحافي والإعلامي يتم من باب العلاقات فقط، وسط غياب لأي عمل مؤسساتي أو قانوني يضع ضوابط ومحددات للعمل الإعلامي في الشمال السوري.
الحريات مقيدة
مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، يرى أن مستوى الحريات في شمال شرق وشمال غرب سوريا بعيدة جدًا عن المعايير والمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، مشيرا إلى تسجيلهم انتهاكات متنوعة وقعت في تلك المناطق وسط غياب بات واضحا لمناخ الحريات والتعبير عن الرأي، وسط قيود تحجمه من إبداء الرأي كمواطن يمتلك حقوقا.
وأضاف، عند التطرق لمواضيع حرية التعبير في الشمال السوري بشقيه الشرقي والغربي، تتم المقارنة بممارسات النظام السوري «الوحشية» إنما ما يجب فعله هو مقارنة مستويات الحرية والديمقراطية في المناطق آنفة الذكر بمواقع أخرى تولي الحريات والحقوق اهتماما وفق معايير حقوق الإنسان.
وقال: في الشمال السوري يتم أيضا تنفيذ اعتداءات على الجهات الموثقة للانتهاكات، ويتم التهجم على الشخصيات التي تواجه الانتهاكات من حقوقيين وإعلاميين.
غياب القضاء يعزز الانتهاكات
من أبرز الأسباب وفق مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، تتمحور في غياب السلطة القضائية المستقلة، والتي من شأنها البت لصالح المعتدى عليه، وإصدار أحكام قضائية بحق مرتكب الانتهاكات من قوات عسكرية أو أمنية، ويتم تحصيل تعويضات للجهات المتعرضة لاعتداءات.
مشيرا إلى قيام بعض الجهات بالصلح وإغلاق الموضوع هكذا بدون قضاء مستقل وفعال، لا يمكنها الحد من الانتهاكات، وأن مثل هذه القضايا لا يمكن معالجتها بمثل هذه الطرق التي لن تحجم الاعتداءات بحق الإعلاميين والناشطين والحقوقيين وكل من يدافع عن الحقوق والحريات في الشمال السوري.
فالاعتذار الشفوي لوحده لا يكفي في مثل هذه الاعتداءات، ولو تمت محاسبة مرتكبي الانتهاكات في الشمال السوري، ما كانت تلك المناطق قد عانت من المزيد من الانتهاكات وإهانة الناس على الحواجز الأمنية والعسكرية لقوى المعارضة ومثيلاتها الموجودة في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية «قسد».
وحذر المتحدث الحقوقي من استمرارية الانتهاكات للحقوق وحريات التعبير في الشمال السوري، التي من شأنها إدخال المنطقة بكارثة وتقييمات ستقول: إن التضحيات التي قدمها الشعب السوري طيلة السنوات الماضية أصبحت بدون جدوى ولم تقدم نموذجا مشرقا كانت شريحة كبيرة من السوريين تتأمل في الوصول إليه.
أما الباحث لدى المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام رشيد الحوراني، فقال لـ «القدس العربي»: من العوامل المساهمة في رفع نسبة الانتهاكات للحقوق والحريات في الشمال السوري، عدم وجود سلطة مركزية قادرة على سن التشريعات المناسبة لهذه الحالة، وكذلك تعمل على تنفيذها من قبل المؤسسات المختصة، فمثلا حتى اليوم لا يوجد قانون ناظم للإعلام.
بالإضافة إلى تضرر الجهات التي تتلقى النقد سواء على المستوى المعنوي بما يتعلق من انتشار سمعة تتعلق بالفساد والسوء عنها، أو بما يتعلق بتوقف تحقيق مكاسبها الشخصية المادية.
وقال الحوراني: حرية الرأي والتعبير والعملية الديمقراطية بشكل عام عملية تربية تراكمية، وعملية تدريجية؛ بمعنى ان الأمر الفاسد في مؤسسة ما يجب معالجته بالطرق التراتبية مع المؤسسة، وإن لم تستجب يتم اللجوء إليه الإعلام والتعبير (السلطة السادسة) على اختلاف أشكالها الحالية، ونحن كسوريين لم نتعود حتى الآن على ذلك.
وهذا الأمر يجب تفعيله من قبل المؤسسات ذاتها، وتقوم بإصدار نشرات تتعلق بطرق الوصول لخدماتها، وحل المشاكل في حال تعثر الأمر في تلك المؤسسة.
حالة حرب
المحامي السوري عبد الناصر حوشان يرى الحرية في المناطق المحررة في الشمال السوري في خطر داهم، والسبب مكمنه أن حياة الناس وأعراضهم وأموالهم في خطر محيط بهم من كل جانب، وهذا يولد القلق الدائم ينعكس على أفعال وأحوال الناس سوءا أو حسنا بمقدار هذا الخوف والقلق.
وقال الحقوقي لـ «القدس العربي»: يجب ألا ننسى أننا في حالة حرب، وإن التحول التنظيمي للمنطقة المحررة انطلق من مرحلة الفوضى العارمة التي خلفت كثير من الإشكاليات وصل بعضها إلى مستوى الجريمة وخاصة الاقتتال الفصائلي والاصطفاف المناطقي والعشائري، وهو ما جعل مستوى الوعي العام منخفضا، فانعكس على الحياة الاجتماعية فاختلط العام بالخاص والخاص بالعام، وتم استغلال الحوادث لأهداف حزبية أو فصائلية كل هذه الإشكاليات أثرت على طريقة التعاطي مع القضايا الأساسية فلم تعد الشفافية ولا الحيادية ولا الانصاف موجودة، مما خلق جو من الشك و الريبة انعكس على الحريات و ممارستها، فكثرت الانتهاكات ووصل بعضها إلى مستوى الجريمة الجنائية.
مشيرا إلى أن الإعلام سلاح خطير، ينظر إليه الجميع بعين الريبة والحذر مع غياب الضوابط اختلطت الضرورات الأمنية مع التعسف باستخدامها لقمع حرية الرأي والصحافة.
وكذلك الأمر بالنسبة الاعتبارات الأخرى مثل العقائد والأعراف والعادات التي تعتبر عند البعض خط أحمر لا يجوز التدخل بها.
العلاقات الشائكة
تعتبر العلاقات العامة المحلية منها والعابرة للحدود من أهم العوامل المؤثرة أيضا على الحريات والحقوق في الشمال السوري.
وفي هذا الإطار، قال المحامي عبد الناصر حوشان لـ «القدس العربي»: قضية العلاقة بين الفصائل المسلحة ودول الجوار أو دول التحالف يعتبرها أصحابها شأنا عسكريا وسياسيا غير قابل للنقد أو التعاطي، رغم كل هذا يمكن الارتقاء بمستوى احترام الحريات إذا تعاون الجميع في وضع معايير وضوابط وآليات لممارسة الحريات وكيفية التعاطي معها بمهنية واحترافية من قبل السلطات القائمة أو من قبل الإعلام لعدة اعتبارات، ومنها أن المنطقة محكومة بعوامل عديدة كغياب الاستقرار، وأن الضرورات فيها أكثر بكثير من المتاح سيما أنها منطقة مستهدفة عسكريا واستخباراتيا وفكريا وعقائديا واجتماعيا.
كما نوه إلى أن إطلاق مبادرة تجمع الإعلاميين والحقوقيين والنقابات مع سلطات الأمر الواقع لوضع أساسيات وقواعد للتعاون في كل القضايا التي تمس الشأن العام في المحرر على قاعدة الارتقاء به نحو أعلى مستوى من الحوكمة الرشيدة.
التحكم في المشهد
في الشمال السوري، وفق الباحث الحوراني، هناك مظهران يتحكمان في المشهد المتعلق بالحريات والحقوق، الأول منهما، أن حرية التعبير لا تزال موجودة ويعبر الشارع عن رأيه من الأحداث والتطورات بشكل واضح ويصر على الأهداف الأولى التي انطلقت في بداية الثورة، وهذا المظهر يلجأ إلى عدة أساليب منها المظاهرات والاعتصامات والوقفات وحملات الدعم والمناصرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
والمظهر الثاني يتمثل في الجهات والمؤسسات التي تتعكر أحوالها من تلك الأصوات الناقدة لها، وتلجأ إلى أساليب من قبيل الاعتقالات والخطف في حالات نادرة أو تحاول من خلال بعض الإجراءات والتدابير امتصاص الانتقادات الموجهة لها.