نادية أوسي مواليد بغداد، دَرَست التصميم الغرافيكي في كلية الفنون الجميلة/جامعة بغداد، هاجرت إلى بريطانيا عام 1990 وأكملت دراستها هناك بنفس الاختصاص عام 1995 ثم انتقلت عام 2007 إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ما بين عامي 2005-2014 ساهمت في معارض مشتركة في بغداد ولندن وأمريكا، كما أقامت معرضا شخصيا في دبي عام 2017.
مع أن محاولات استنساخ الواقع من قبل الرسامين قد وصلت إلى أقصى درجات الإتقان حتى نهاية القرن التاسع عشر، إلاَّ أنهم لم يتوقفوا عن محاورة المشهد الواقعي، رغم ما جاء به فن التصوير الفوتوغرافي في ذلك القرن من إمكانات هائلة وضعته على خط المنافسة مع فن الرسم مزاحما إياه على مكانته من حيث الدقة في إعادة استنساخ الواقع. يُذكر بهذا السياق أن عام 1826 شهد التقاط أول صورة فوتوغرافية بالكاميرا. هذا الاكتشاف التقني أوجد تحديات أمام الرسام الواقعي، فكان لابد له من مواجهتها، والبحث عن معالجات فنية تعيد الاعتبار إلى ما يمتلكه الرسم من إمكانات في محاكاة الواقع، بالتالي تجعله متفوقا على الكاميرا، وتقطع طريق المنافسة بينهما، بعد أن تعيد له مكانته، وذلك من خلال تفرده في أسلوب الصياغة والتعبير عن الأحاسيس والانفعالات، عبر حركة الفرشاة وقوة الضربات وإيقاعها وطبيعة ما يتم استخدامه من مواد وأصباغ وخامات، وما تزال هناك مساحات في ذخيرة فن الرسم يتفرد بها في إعادة رسم الواقع ومحاورته بأسلوبه الخاص بما تعجز الكاميرا عن الوصول إليه، وهذا يعود إلى عوامل عديدة، فبالإضافة إلى الموهبة والحرفية، فإن سلطة التخييل تمنح الرسام حرية لا حدود لها في إعادة خلق الزمن الواقعي بمحمولاته الحسية المخبوءة في تفاصيله، وبما يجعل الرسام قادرا على أن يدفعنا لاكتشاف ما لم ننتبه إليه من أزمنة عشناها، وفي هذه التفصيلة يتقاطع الرسم مع الشعر، ليس في إستعادة الأشياء فقط إنما في إعادة الروح إليها.
في ما يتعلق بالموضوعات التي تتصدى لها نادية أوسي، الملاحظ أن لها علاقة حميمة مع الحياة العراقية، بصورها ومظاهرها العفوية التي تتدفق من أزمنة مألوفة في تجليات إيقاع المدينة، فهي دائمة البحث عنها، برؤية راصدة للزوايا اليومية، وعادة ما تجعلها محتشدة بالبساطة العائلية والفطرة المغرقة بمحليتها في بيوت تعبق بالخضرة ونور الشمس، إضافة إلى الاسترسال في استحضار توقيعاتها الاجتماعية في الميادين العامة، كالمقاهي والأرصفة والأزقة الضاجة بالفتيات والشباب. وفي تعاملها مع هذه الثيمات تتحرك أوسي في مساحة شاسعة من العراق، إلاَّ أن ما تصفه ليس الزمن الحاضر الغارق بالفوضى والعنف والعشوائيات، فالمسرود في نصوصها البصرية يعود إلى زمن يحيا في الذاكرة والوجدان، حيث يطالعنا كل ما نفتقده في الزمن الحاضر من هدوء ونقاء وصفاء، ووجوه معبأة بالرقة والعافية والإطمئنان، وما هو مهم في تجربتها أنها لا تتعامل مع هذه المشهدية الواقعية من منظار فولكلوري، مثل ما يفعل الكثير من الرسامين إذا ما اقتربوا من البيئة المحلية، متغافلين بذلك عن ما تزخر به من موروث إنساني، كان قد تشكَّل عبر مراحل زمنية طويلة، مستقيا قوة حضوره من تيار يتدفق بفيض من مشاعر وانفعالات تضخها في شرايينه ذاكرة جمعية .
أوسي تحاول في لوحاتها أن تستكشف ما قد تحمله خصوصية المكان سواء في المعمار أو العادات أو الأزياء، من فراديس جمالية معبأة بالتناغم مع الحياة، فلا دفء ولا صباحات ناعمة ولا صحبة طيبة ولا براءة بين الناس إذا لم يكن المكان مفتوحا على النور والهواء، ولعل أبرز ما يومض في لوحاتها خلوها من أية إحالات تشير إلى قيم دراماتيكية قد تترك انطباعا يبعث في المتلقي شعورا بالتوتر أو الصراع ما بين الإنسان والمكان، وما بين الإنسان وأخيه الإنسان، وكأنها تنقلنا إلى عالم مثالي نتوق إليه جميعا، عشناه لكنه غاب عنّا وتسربت نداوته من بين أصابعنا من بعد أن طوت وحشية الزمن الحاضر صفحاته المضيئة.
وللوهلة الأولى تبدو أوسي ليست معنية في التوغل إلى أعماق شخوصها، وهذا ما يظهر في طريقتها التي تحرص فيها على أن ترسمهم بها، إذ يبدون في ملامحهم الملساء الخالية من أية تغضنات وتجاعيد وترهلات، كما لو أنهم تلك الدمى الجميلة التي عادة ما توضع في فاترينات محلات الألبسة الفاخرة، ويتضائل هذا الإحساس ثم يتلاشى إذا ما أمعنا في تفاصيل اللوحة، واقتربنا أكثر من شخوصها وعلاقاتها.
الإحتفاء بسرد التفاصيل
أوسي منشغلة في تكريس ما تراه طافحا بالجمال، فهي لا تكتفي بالتقاط ظاهر الأشياء والشخوص، لأن أداءها مرتبط بالمضامين الإنسانية المُعَبر عنها بمساحة من العلاقات المحكومة بزمان ومكان محددين، مع إصرار على طغيان البهجة على كافة مفرداتها، فمهمة الفنان من وجهة نظرها التي نستشفها من لوحاتها مواجهة الزمن بجريانه السريع، لإستعادة حكايات منسية من بين تفاصيله الموحشة، حكايات أشبه ما تكون بقطع موسيقية هادئة تشبَّع بها الماء والهواء والضوء والتراب، ولن يتوقف الفنان عند هذه المهمة، بل غالبا ما يحرص على أن يسردها بطريقته الخاصة، مستحثا لأجل ذلك خبرته وفطنته وذاتيته، وما لديه من ذخيرة فنية قوامها تقنيات وآليات وأساليب لتأكيد رؤيته.
محتوى الأداء الفني في تجربتها رغم صلته بمضامين إنسانية إلاّ أنه لا يتعمد إثارة جدل لدى المتلقي يكتسب طابعا سياسيا أو اجتماعيا أو ايدولوجيا، فسياق معالجاتها التي تنظر من خلالها إلى التفاصيل الصغيرة المفقودة ليست بغريبة عن المتلقي العراقي، لأنها دائما ما تكررت أمامه في الماضي القريب، وما زالت حاضرة في وجدانه، رغم أنها ما كانت تثير اهتمامه في الماضي، لاعتياده على رؤيتها والتعايش معها، لكن رؤية أوسي النافذة وحساسيتها العالية، منحتها القدرة على استعادتها واكتشافها من وسط تيار الحياة الجارف، واستظهار ما تخفيه من أسرار ومكنونات إنسانية وجمالية.
ونجاحها الأسلوبي يتجلى في الزاوية التي تنظر من خلالها، لتنتقل بها من مركزية الحاضر المتغطرسة إلى فطنة الماضي بحكمته.
فالمناخات العراقية الباذخة التي تستريح إليها أوسي بما تحمله تقنياتها من شفافية في التناول، تباغت المتلقي بكثافة واضحة من الدهشة، ولعل الأكثر مدعاة للإشارة هنا أن معالجاتها ليست قائمة على تكريس الشكل لأجل الشكل، والانحراف به إلى ناحية طغيانه المتقنِّع بغرابة غامضة، بقدر ما نجدها تنتصر للشعرية في تقديم العلاقات القائمة داخل اللوحة. وبهذا السياق يمكن القول إن اللوحة لديها من حيث المحتوى والمنهج الذي تعتمده في بنائها، تمثل اقترابا مما هو جوهري، بما يشير إلى انها تكنُّ لوعي المتلقي قدرا عاليا من الاحترام، وهذا لأنها تضع في اعتبارها الأخذ به لاكتشاف القيم الجمالية، عبر تجربة لا تتعكز فيها على تحميل الفكرة أكبر مما قد تشي به من دلالات، والرّسام في هذه الجزئية المهمة من تشكيل التجربة لا يستطيع الاحتماء بهذه الرؤية إن لم يكن يحمل وعيا فنيا عميقا، نابعا من التقنيات التي سبق له التوصل إليها في محترفه الشخصي، بالشكل الذي يمكنه وعيه من أن يستجيب لتحولات ما يواجهه من أسئلة إجرائية أثناء خلق التجربة، وهنا يبدو الرسام غير مشغول بما ليس له صلة بخفايا ومكنونات تجربته، أي أنه يتحرك في فضاء شاسع من حريته الداخلية، ولن يجد المتلقي صعوبة في اقتناص هذا الإحساس إذا ما وقف أمام لوحاته.
تطويع الأفكار
إذا ما اقتربنا من موضوعاتها التي تبدو للوهلة الأولى على قدر واضح من البساطة، وتأملناها بعمق سنعثر فيها على أفكار ومعطيات، تمجد نشيد الحياة بمرجعيته الواقعية، وتطويع الأفكار من حيث ارتباطها بما يواجهه الإنسان من تحديات جسيمة لإيجاد معادلات صورية مضادة لها، تكرس مشاعر البهجة والانسجام والتآلف ما بين البشر، مستندة بذلك إلى تقنياتها وأسلوبها في التناول المشهدي، آخذة بالعلاقات إلى منطقة تتكاثف فيها طاقتها الشعرية. ووفق هذا المنظور فإن أوسي لا تسعى إلى التماهي مع آليات النسق الفوتوغرافي وهي تستعيد الأشياء واللحظات التي تشهق بها الحياة، ولا الإنشغال بتكريس الشكل لأجل الشكل، إلى الحد الذي تصبح فيه الومضة الخاطفة هي التي تستحوذ على كلية التجربة، إنما تتقصد خلق حالة من التعانق والتعالق بين المفردات التي تتأسس منها البنية الإنشائية للموضوع أو الفكرة، وهي لا تهدف أيضا إلى إنتاج نص بَصَري يتمنطق بالغموض، أو الانعطاف إلى مباشرة فجة تأخذ من قدرة الفن على الانزياح بالدلالات. وإذا ما اقتربت من الحاضر المضرجة ذاكرته بالشظايا، لا نجدها تتخلى عن زخم الخيال وقوة الإيحاء، وليس أمامها إلاّ أن تخطف أبصارنا بمعادلات لونية تفيض إشراقا من زرقة السماء وخضرة الأشجار وصبية ترسم أحلاما محلقة مع حمامات بيضاء.