لندن – «القدس العربي» : وفقا للمؤلف مارسيل بروست، فإن الوظيفة الرئيسية للفنان هي جعل إبداعاته «مرئية» للمشاهد، حيث تكمن إبداعاته في إقناع الجمهور بالمشاهد العابرة والمتحولة التي تحيط به في حياته اليومية. وللفن والإبداع أشكالٌ عدة، أهمها الموسيقى التي تزين البطولات القارية والدولية في كرة القدم. حيث ترتبط الأغنية الرسمية للبطولة ارتباطاً وطيداً في أذهان المشجعين وعشاق المستديرة حول العالم. كما في بطولة كأس العالم 2010 وأنغام «واكا واكا» بصوت شاكيرا. اللقطات لباتريك كلايفيرت وتييري هنري وهم يركضون بسعادة حول المعالم البرتغالية. عندما أسمع أغنية بطولة اليورو 2004، أستذكر العديد من المشاهد، أبرزها القمصان الرائعة ذات اللون الأحمر والمارون والبرتقالي فوق الملاعب صاحبة العشب الأخضر الفاتن. أما اللون الأوضح في ذلك الصيف فكان اللون الذهبي. حيث رأيناه كثيراً في منتخب البرتغال، على الأقل من الناحية الفنية والكروية.
ويحمل لويز فيليبي سكولاري ذكريات مميزة عن تلك الفترة. حيث تولى تدريب المنتخب البرتغالي عام 2003، بعدما قاد منتخب البرازيل إلى كأس العالم المخيب للآمال في العام الذي سبقه. كما عانى «بيغ فل» إلى حد كبير منذ توليه قيادة السيليساو، حيث فاز في 7 مباريات من أول 15 مباراة. فيليو، كما كان يلقب بمودة «الرجل المسن»، أصبح غريب الأطوار. المخاوف بشأن تكاليف البطولة لم تساعد. وبعد منح حقوق الاستضافة في 1999، قوبلت خطط السلطات بدهشة مرتفعة. حيث قال آندي براسيل في كتاب «عندما يأتي يوم السبت» في «2008 كان 400 مليون جنيه إسترليني مبلغا هائلاً من الأموال العامة للاستثمار في بلد يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه الأفقر في أوروبا الغربية».
وعلى الهامش، تعتبر بطولة أوروبا2004 في البرتغال، في أنقى صورها، واحدة من بطولات كرة القدم الكبرى الأكثر رعباً والأقل إمتاعا في التاريخ. ومع ذلك، فإن منظور أوسع يشير إلى أن «يورو 2004» يمكن اعتبارها واحدة من أكثر البطولات إثارة على الإطلاق، بالنظر إلى الفائز بالبطولة والقصة التي تقف وراءها. بشكل عام، كانت البطولة غنية بالمفاجآت والاضطرابات التي حجبت في بعض النواحي الافتقار إلى الترفيه من حيث جودة المباريات ومستوى أداء الفرق. الفريق الذي حصد لقب بطولة أمم أوروبا 2004 كان اليونان. وباعتبارهم الثاني الأقل ترشيحاً للفوز بالبطولة وبمقياس 150-1، لم يتم منحهم أي فرصة على الإطلاق للقيام بأي شيء غير عادي في ذلك الصيف في البرتغال. اليونانيون أنفسهم لم يكن لديهم الكثير من الأمل وكانوا راضين عن اللعب في المنافسة لأول مرة منذ24 عاماً. الشيء الوحيد الذي كانوا يأملونه هو الفوز بمباراة واحدة على الأقل، لكن ما حدث بعد ذلك على مدار الشهر كان بمثابة صدمة كاملة لجميع المتابعين لكرة القدم.
كانت أول بطولة تستخدم فيها قاعدة «الهدف الفضي» المثيرة للجدل، والتي تنص على أن الفريق الذي يتقدم في الشوط الأول في الوقت الإضافي يُعلن أنه الفائز. ودخلت هذه القاعدة حيز التنفيذ في نصف النهائي عندما سجل ترايانوس ديلاس هدف الفوز في الدقيقة 105، ولم يمنح المنتخب التشيكي أي وقت للعودة إلى المباراة. وبالتالي، تسببت اليونان في حدوث اضطراب كبير آخر وكانت في نهائي بطولة أوروبا. وعلى الرغم من الإنجاز المذهل للوصول إلى النهائي، لم تفعل اليونان الكثير لكسب قلوب خبراء كرة القدم والمشجعين حتى هذه اللحظة. خصوصاً بأسلوب المدرب ريهاغل السلبي والباهت للغاية ووُصف بأنه «المستضعفون الوحيدون في تاريخ كرة القدم الذين أراد الجميع أن يتعرضوا للهزيمة».
وأتيحت الفرصة للبرتغال للانتقام من هزيمتها الافتتاحية في البطولة، والتي تحولت إلى لحظة تاريخية في بطولة كرة قدم كبرى، حيث التقى نفس الفريقين في المباراة الأولى والأخيرة من المسابقة. على الرغم من البداية غير المقنعة للبطولة، إلا أن الدولة المضيفة البرتغال استعادت ثقتها بفوزها على روسيا وإسبانيا وإنكلترا وهولندا في طريقها إلى النهائي. بغض النظر عن رحلة اليونان المذهلة، كانت البرتغال لا تزال مرشحة كبيرة للفوز. ومع ذلك، أثبتت اليونان وكاريستياس للمرة الأخيرة في البطولة أن كل شيء ممكن عندما سجل مهاجم فيردر بريمن هدف الفوز في الدقيقة 57 من المباراة. صُدمت البرتغال للمرة الثانية في البطولة من نفس الفريق الذي تمكن من تحدي احتمالات 80-1، وإكمال أعظم قصة مستضعف في تاريخ كرة القدم. حيث أدت إرادة اللاعبين والبراعة التكتيكية لريهاغل إلى تحقيق اليونان لأكبر مفاجأة في تاريخ كرة القدم.