القاهرة ـ «القدس العربي»: لن تنتهي المعالجات لشخصيات شكسبير، وعلى رأسها «هاملت» لما تمثله هذه الشخصية من ثقل وعمق، وتأويلات مستمرة باختلاف الزمن. ورغم أنها تراجيديا في المقام الأول، إلا أن العديد من التجارب المسرحية الحديثة اختلقت منها حالة كوميدية أقرب إلى الكوميديا السوداء، خاصة في العلاقة التي تربط هاملت بعائلته، وما يحيطها ويتفاعل معها من شخوص.
ونأتي للعرض المسرحي «هاملت بالمقلوب» ـ أحد عروض المهرجان القومي للمسرح المصري في دورته الخامسة عشرة ـ الذي حافظ على القالب التراجيدي للحكاية، لكنه غيّر الكثير في الأحداث وطبيعة وعلاقات شخصيات شكسبير المعروفة. العرض أداء.. عمرو القاضي، خالد محمود، أيمن الشيوي، سمر جابر، نهاد سعيد، ومشاركة صوتية لخالد الصاوي. ديكور وإضاءة صبحي السيد. أزياء مروة عودة. موسيقى طارق مهران. تأليف سامح مهران وإخراج مازن الغرباوي، وإنتاج فرقة المسرح الحديث.
فساد الغرب
«العقل الغربي انقسم على ذاته وأصبح يعادي كل ما هو خارج ثقافته». بهذه العبارة والكثير على شاكلتها يُصدّر كاتب النص سامح مهران مضمون العرض المسرحي، ومنه وقد التقطه أغلب السيارة من الموصوفين بالنقاد وابناء السبيل، وتناولوا العرض من هذه الزاوية.. أي غرب يا حاج مهران؟ وما الجديد في اكتشافك المذهل!

مشهد من المسرحية
هاملت المقلوب
تبدأ أحداث العرض المسرحي بالسيد (هاملت) في مصحة عقلية، حتى تتداخل لديه الوقائع بالأوهام، فهو في الأساس مريض. ثم تأتي الشخصيات، التي تختلف عن شخصيات شكسبير، فالعم (كلاوديوس) هو السلطوي الحاكم، والأم (غرترود) لم تخن أحداً، وماتت مقتولة، والوزير (بولونيوس) أصبح كاهن الكنيسة، أما ابنته الحلوة (أوفيليا) فقد أصبحت أقرب للعاهرة، تغوي الجميع، وتتزوج كلاوديوس في النهاية، وحتى يصبح هاملت بعيداً عن أي معوقات تحاول الوصول به إلى النجاة، وتخليص الجميع/الشعب من قبضة العم، فإنه يقوم بإخصاء نفسه، فلا رغبة لديه في أي من مُتع الحياة، اللهم إلا السلطة وإقرار العدل. مع ملاحظة أن هاملت بالنسبة إلى رفاقه ـ الناس العاديين ـ هو القائد والرمز الثوري، لكن السيد مهران جعله مخصياً ويعيش في مصح عقلي، فما الحلم الثوري إلا وهم وجنون.
ومن مظاهر العرض أيضاً ـ وأصحابه أحرار في ذلك بالطبع ـ أن هاملت بدوره ليس كما يدعي، لكنه مجرد ساعٍ للسلطة، يكذب ويُضلل ويُخادع، فهو ليس ضحية أفكاره أو تردده كما صوّره شكسبير. ثم تأتي كلايشيهات معهودة، كتحالف رجل الدين ورجل السلطة، للتخلص من هاملت، والقضاء على ثورته.
أصالة ومعاصرة
ومع مظاهر التجديد الشكلي، الاعتماد على السوشيال ميديا، ونشر التهم والأكاذيب والشائعات، وهو ما لم ينج منه هاملت نفسه، وقد قام العم السلطوي بتجنيد ذبابه الإلكتروني، حتى أشيع عن هاملت أنه متحرش! آه والله. وبمن بأوفيليا، رمز الإغراء والإغواء في المنطقة كلها. ومن منطلق المصطلح الساذج نفسه (الأصالة والمعاصرة) نلمح تفاصيل المؤامرة الكبرى، التي لا يستطيع الإنسان من خلالها الفكاك، أو حتى محاولة الانفلات، (العين الماسونية) فكل شيء محسوب ومدروس بطريقة عادل إمام في فيلم (لصوص لكن ظرفاء).. ماسونية إيه!

من المسرحية
هو الغرب الشرير ما فيش كلام
ما علاقة كل هذا بالغرب وتحولاته وإفلاسه، وأنه يتحدث عن الديمقراطية، لكنه لا يطبقها على الآخرين، بالطبع كله كلام تخاريف، ألقى به المؤلف وضحك بعدها في سرّه عالياً. السيد مهران المؤلف من أشد مؤيدي الأنظمة الديكتاتورية. ويأتي المؤلف بمشهد من قبيل المغالطة والمسخرة، حيث يهتف الشباب الموالين لهاملت.. «هاملت يا حرية.. يا روح الأمة الدنماركية» على غرار تفاهة شعار «ناصر يا حرية.. يا روح الأمة العربية» فهذا الثوري ضاع بسبب مؤامرة الغرب. وهي مغالطة فادحة، لأن السيد الثوري المذكور انقلابي في الأساس، وما هذه الشعارات والأغنيات إلا محاولة لتزييف الوعي، اشترك فيها أغلبية السادة المثقفين والفنانين. فاللعبة هنا تكمن في فكرة (الحلم الثوري) الذي جعله وهماً، وما صاحبه إلا مجنون، وهو ليس بالصورة التي يبدو عليها، كونه ثورياً نقياً، بل هو متآمر بدوره، وأشدهم خِسة، وبدوره لن يستطيع الفكاك من مؤامرات أقوى وأشد، فاحلم كما شئت، فمصيرك معروف.. إما السجن أو مصحة المجانين.