الفنان المغربي توفيق أبرام: ما يتقاضاه جوق الملحون بأكمله لا يصل حتى ربع ما يتقاضاه شاب في «مدرسة البوز واليوتيوب»

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
1

الرباط- «القدس العربي»: الفنان المغربي توفيق أبرام منشد ملحوني (نسبة إلى الملحون) وشاعر أيضا، عاشق لهذا الفن الأصيل ويضيف إلى عشقه مدينة سلا التي رأى بها النور «وسكنها وسكنته، فأصيب بمتلازمتها»، وفق تعبيره.
قبل ان يصبح أحد الأسماء البارزة في فن الملحون، بدأ مسيرته في الدراسة بالمرحلة الابتدائية في مدرسة السور العريقة، والثانوية بالأيوبي، ثم غادر المدينة لخوض تجربة التدريب الفندقي بالمدرسة الفندقية في مدينة ورززات، واشتغل هناك في أحد الفنادق حتى نهاية الثمانيينات حيث الالتحاق بسلك الحراس بالمديرية العامة للأمن الوطني بعد اجتياز المباراة، والآن يعمل ضابطا في مدينة الرباط.
هذا الفنان العاشق للأصالة، هو رجل امن عاشق للوطن، من بين مشاركاته تلك التي بصم عليها في المعرض الدولي للكتاب في الدار البيضاء والرباط من خلال رواق المديرية العامة للأمن الوطني، وبالعديد من المهرجانات والملتقيات الوطنية والعربية، وفي برامج تلفزية وإذاعية عديدة.
توفيق أبرام يصنع اللحظة التواصلية مع الأجيال المقبلة من خلال إدارته لورشات في التعريف بالملحون، كما نال عدة شهادات، ويعتبر نفسه من المتأثرين بمدارس شيوخ سلا القدامى من قبيل الشيخ عبد الرحمن حمدوش والشيخ محمد الشليح رحمهما الله.
ومن التعريفات التي يصر عليها توفيق أبرام، أنه تولع (من الولع) بالملحون منذ نعومة أظافره واستأنس بأنغامه قبل أن تأسره كلماته وأشعاره. ويؤكد أنه يحب كل الألوان التراثية والصوفية المغربية والإيقاعات، والمسرح الذي كانت له فيه مشاركات سواء أثناء الدراسة أو من خلال بعض الفرق آخرها نادي الفصول المسرحي أيام مسرح الهواة حيث كان لكل مدينة فرقة أو فرقتين أو ثلاث.
«القدس العربي» التقته وأجرت معه الحوار التالي:
* أغاني زمان وأغاني الأصالة وموسيقى الروح، يعتبر الملحون أحد أعمدتها التي عليها بنت صرحها، اليوم أمام موجات الحداثة وما يسمى بموسيقى العصر، أين موقع الملحون المغربي من ذلك؟
ـ الملحون غني بمعجمه وبحوره وعروضه، إنه ديوان المغاربة، إنه الشعر الذي يستوفي كل عناصر الإبهار والإمتاع، إنه الأدب والطرب والفن والصنعة، تناول جميع الأغراض، لم يترك كبيرة أو صغيرة إلا وأحاط بها.
انتقل من التداول الشفاهي إلى التدوين والتقعيد فصار موضوع البحوث والدراسات الجامعية الأكاديمية، الملحون كان ومازال ملهما لزجالين (شعراء العامية) وكتاب كلمات الأغاني مثال المرحوم أحمد الطيب العلج والمرحوم علي الحداني وفتح الله المغاري، عبر استعارة القياسات والمرمات، وحتى بعض الكلمات.
ولكن للأسف أمام هذه الظواهر والكوارث (الفنية) بدأنا نسمع كلاما غريبا وهجينا نصفه فرنسي وآخر محدث بلمسة مشرقنة تضر المسامع وتقض المضاجع، مع تفاعل غير مسبوق من الجمهور، وتلميع من بعض وسائل الإعلام غير المسؤولة إلا عن نشر التفاهة. مع بعض الاستثناءات طبعا من خلال بعض الشباب الذين تشبعوا وتشبثوا بالطبوع المغربية الصرفة وأبدعوا فيها.
* كواحد من مبدعي هذا الفن المغربي الأصيل، هل تبقى هناك متسع لمثل هذا النبض العريق وأن نامل في تطويره من خلال صناعه ومبدعيه؟
ـ بالنسبة للتطوير فهو أمر وارد وطبيعي وكوني. لا شيء يبقى ثابتا، فالملحون الذي ظهر أول مرة لم يكن على هذا الشكل، بل تغير وتطور عبر الزمن بفضل شيوخ نعتبرهم مدارس ومراجع، كالمتيرد والمصمودي اللذان حققا طفرة نوعية في بناء القصيدة الملحونة. ومع توالي الأجيال ظهرت طبوع وقياسات أخرى تعكس التوجهات الذوقية لكل عصر.
* الحقيقة أنه لم يعد للملحون من حضور سوى في المهرجانات المخصصة له فقط، وفي بعض السهرات النوعية، لكنه يغيب عن المشهد الموسيقي والغنائي بشكل كبير، هل من سبب لهذا الغياب أو ربما هو تغييب بسبب السهو والنسيان وربما بسبب عدم الدراية؟
ـ فعلا، الملحون أصبح مناسباتيا مثل صحن الطاووس الذي يوضع في الرف للزينة، ولا يقدم إلا للضيوف بعد ان كان يشنف آذان المغاربة كل يوم بعد الزوال. والسبب في هذا الجفاء يكمن في توجهات وإرهاصات بعض القيمين على الشأن الإعلامي والثقافي في بلدنا. ومن منبركم هذا أدعوهم لتسجيل القصائد القديمة والمعاصرة بأصوات شابة وإذاعتها والمساهمة في نشرها وحفظها من الضياع.
* نتوقف عند مسيرتك الفنية مع الملحون، ونسألك عن البدايات وعن النبوغ في منتصف الطريق، وكيف يبدو لها هذا الطريق في نهايته مزهرا ام عاديا مثل باقي المسالك الفنية؟
ـ بالنسبة لي بدأ حبي وشغفي بهذا الفن في سن الثانية عشرة، وساهم في ذلك ظهور نهضة فنية وثقافية مغربية في بداية السبعينات، ولم يكن جيلنا ليسلم من الجرعة التي كانت تضم شيء من الغيوان وجيل جيلالة ومسرح الصديقي والجوق الوطني للملحون وحدث المسيرة الخضراء واحتفالات عيد العرش، كل الظروف كانت مواتية لصناعة فنان مغربي.
* في كل حديث عن الدعم الفني يكون المسرح أولا ثم الموسيقى بتنويعتها العصرية فقط، بينما لا وجود للملحون في قائمة المدعمين، هل السبب لكونه ليس في حاجة إلى الدعم أم هناك قصة أخرى؟
ـ بالنسبة لهذا الفن والدعم، المشكل في عدم هيكلة ممارسيه. ليس لهم تكتل نقابي أو إداري أو سند قانوني. وما يتقاضاه جوق الملحون بأكمله في حفل أو مهرجان لا يصل حتى إلى ربع ما يتقاضاه فنان شاب حديث العهد بالغناء تخرج للتو من مدرسة «البوز» ويوتيوب وسلّطت (بكسر اللام) عليه الأضواء. وفي بعض الأحيان يعامل رجل الملحون بما لا يليق بمن يحمل على عاتقه صون وحماية ورواج تراث أنفس مما تتصوره عقول عششت فيها كل أنماط التفاهة والحموضة المركزة.
* أنت من أبناء مدينة سلا البررة، وهذه المدينة تعتبر من بين القلاع الأخيرة للملحون إضافة إلى مكناس وفاس ومراكش وربما مدن أخرى قليلة، هل نأمل في عودة بريق التألق إلى هذا الفن الأصيل؟
ـ تعتبر مدينة سلا من القلاع الملحونية الصامدة على غرار مراكش ومكناس وفاس وأزمور وتارودانت وآسفي والرباط. وبالنسبة لمستقبل الملحون، فلا خوف عليه لأن بعض الشباب متحمس، بل متعطش لتعلم قواعد إنشاده وخوض تجربة كتابة شعره، المطلوب هو التأطير السليم والانضباط لضمان الاستمرارية.
* ختاما، ماذا عن الجديد، هل من قصيدة في الأفق أو معزوفة متجددة أو سهرة أو مهرجان؟
ـ بالنسبة لجديدي هناك ديوان ثاني قيد الجمع والدراسة سيرى النور قريبا بعد ديوان (سلوان القلب والروح) الذي صدر لي سنة 2015، وكذلك مذكرات على شكل سيرة ذاتية تخص مرحلة الطفول قسمتها إلى أحداث، لكل حدث عنوان، وهي أول تجربة لي في السرد بعيدا عن بحور الملحون.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية