مثقفون وكتّاب وحقوقيون جزائريون يدينون الاعتداء على سلمان رشدي

حجم الخط
9

الجزائر- “القدس العربي”: ندد كتاب ومثقفون جزائريون بشدة بالاعتداء الذي تعرض له الروائي البريطاني من أصول هندية سلمان رشدي بالولايات المتحدة، واعتبروا أن هذا الفعل سيساهم، عكس ما أراده الجاني، في إعادة إحياء أعمال رشدي التي طواها النسيان.

 ما إن ظهر خبر الاعتداء الذي تعرض له رشدي، حتى تفاعل معه الروائي الكبير ياسمينة بمنشور مطول على صفحته بفيسبوك، وقال سواء كان الأمر يتعلق بتنفيذ فتوى أم فعل معزول، فإن الاعتداء على الكاتب أمر بشع. وأضاف أنه لا أحد لديه الحق في المساس بحياة غيره. وروى خضرا أنه التقى رشدي في نيويورك سنة 2007 وقال إنه كان يعلم بأني مؤمن ملتزم وبأنه ملحد، لكننا كنا نحترم بعضنا لأننا كنا دائما نعتقد أن حرية كل شخص طالما أنها لا تصطدم مع حرية الآخر، هي مشروعة.

وأضاف صاحب رواية “فضل الليل على النهار”، أن الجميع أحرار في أن يؤمنوا أو لا يؤمنوا، مشيراً إلى أن مأساة البشرية تبدأ عندما يحتج البعض على طريقة عيش الآخرين، وعندما يتعلق الأمر بالعقائد، يضيف، يتحول الاحتجاج إلى مساس بسلامة الشخص. واعتبر خضرا أن الكاتب لديه رؤيته الخاصة في النظر للأمور، وإذا حدث وخلخل عقائدنا أو حرك بعض قناعاتنا، فهو لا يقوم سوى بمساعدتنا على التفكير بالعالم المحيط بنا.

من جانبه شبّه الكاتب الصحفي والروائي حميدة العياشي الطعن الذي تعرض له رشدي بما حدث مع نجيب محفوظ في بداية التسعينات، كما لو أن الزمن بقي ثابتا. وكتب يقول: “في التسعينيات تعرض الروائي نجيب محفوظ بطعنة خنجر في عنقه من متطرف شاب متأسلم، وذلك بتأثير من بعض رجال الأزهر وحملات الإخوان والمتطرفين (السنة)، وكانت حجة هذا الشاب أنه قام بجريمته دفاعا عن الإسلام،  وعندما سئل الجاني إن كان قد قرأ نجيب محفوظ، قال بأنه لم يقرأ له شيئا، وإنما قيل له إنه أساء إلى الإسلام فقرر قتله (الجهل المقدس) وبعد أكثر من عقدين، يتعرض الروائي سلمان رشدي إلى محاولة اغتيال بطعنة خنجر في عنقه (جريمة مكررة) على يد شاب من مواليد 1998؛ وذلك بعد الفتوى التي أطلقها الإمام الخميني (الشيعة) منذ أكثر من ثلاثين سنة، والتي  تهدر دمه، بل ورصدت إيران جائزة مالية كبيرة  لمن يأتي برأس الروائي، وها هي الفتوى تتحول إلى حقيقة دامية ومؤلمة، برغم أن إيران تراجعت عن الفتوى(السياسية)”.

وسجّل العياشي أن ما تعرض له صاحب “أطفال منتصف الليل” و”جوزف أنطون” عمل إرهابي منبوذ ومدان، مبدياً تضامنه مع الكاتب سلمان رشدي ضد العنف والإرهاب في الدفاع عن الدين أو قضية مقدسة”.

وتساءل الروائي بشير مفتي بدوره إن كان مرتكب الفعل مدركاً أنه يعيد بعث رواية “آيات شيطانية” من النسيان وسيدفع الملايين لقراءتها من جديد. وتابع معلقا: “يبدو أن فتوى قتل الكتاب لا تتقادم ولا تموت، ذهب الخميني وفتواه بقتل سلمان رشدي بقيت.. صورة مؤسفة لعالمنا الإسلامي”.

وكتب الحقوقي والمحامي صالح دبوز أن “الشيء الوحيد الذي نجح في فعله آية الله الخميني لما أعلن إهدار دم سلمان رشدي بسبب كتابه “آيات شيطانية” هو الإشهار المجاني الذي لا يمكن أن يحلم به أي كاتب أو مبدع، ليس من أجل ربح المال ولكن لإيصال فكرته إلى أكبر عدد من البشر.

وأبرز أن الإرهاب الفكري قد يكون أخطر من الإرهاب الجسدي، لأن الإرهاب الجسدي هو نتيجة لانحرافات خطيرة تمس وجدان البشر، ولا يمكن أن يعالجها إلا النشاط الفكري الصحيح والشجاع، والجريء والصادق، على حد قوله.

أما أستاذ الفلسفة عمر بوساحة فعاد إلى رواية “آيات شيطانية”، التي وصفها بأنها “أقل من عادية من الناحية الأدبية باتفاق غالبية النقاد”، وكان صاحبها “كاتبا مغمورا لم يكن له حضور أدبي يذكر، ليتحول في بضعة أشهر إلى الشخصية الأدبية رقم واحد عالمياً بسبب الحماس والعنف الذي تجاوز حدَه”. وأشار إلى أن هذه الرواية “ما كانت بالتأكيد لتلقى الاهتمام الذي لقيته لولا الهيجان الذي أظهره عامة المسلمين حولها، والذين أطَرتهم مواقف بعض السياسيين كالمرشد الأعلى للثورة الإيرانية مثلا، وآخرون”.

وأردف الناشط في الحقل الفلسفي بالجزائر يقول: “توقعنا أن ذاك التشدد وذاك العنف الذي أظهرته ردة فعل الجماهير الغاضبة سنة 1989 والسنوات التي تلتها قد ذهب مع الزمن أو خف إلى أن فاجأتنا وسائل الإعلام بالخبر الشنيع الذي لا يمكن تقبله تحت أية ذريعة ومبرر كان. قد يكون من حق أي منا الدفاع عن عقيدته، ولكن بعيدا عن أساليب التوحش والهمجية التي لا تخدم أية قضية”.

ورأى الكاتب والإعلامي محمد علواش الموضوع من زاوية أخرى، مشيراً إلى أن “ما يلفت الانتباه، بعد الحادث المؤسف والإجرامي الذي تعرض له سلمان رشدي، بنيويورك، هو هذا التطور الإيجابي، الذي عرفه المجتمع الجزائري”.

وأبرز علواش أنه في سنة 1989، وبعد صدور كتاب سلمان رشدي “آيات شيطانية” وما أثاره، من ردود أفعال مستنكرة، وضجة عالمية، كانت الأغلبية الساحقة، من الجزائريين، تطالب بتطبيق “القصاص” على سلمان رشدي وإعدامه..”

وأضاف معقباً: “أما اليوم، وبعد ثلاثة عقود، وما شهدته الجزائر، من تطورات مأساوية، يبدو أن الأغلبية الساحقة، من الجزائريين، تندد بالفعل الشنيع، الذي تعرض له سلمان رشدي، وتستنكر الاعتداء على أي شخص، مهما كان، من أجل أفكاره، باستثناء القلة القليلة، التي لا تزال تبرر التجاوزات، في حق سجناء، ومعتقلي الرأي”.

وقد يكون المثقفون والكتاب في الجزائر الأكثر حساسية في قضايا التهديد الإرهابي، بفعل ما عاشوه خلال العشرية السوداء (1990-2000) التي شهدت ذروة نشاط الجماعات المسلحة في الجزائر. وعاش أغلب الكتاب والروائيين الكبار مثل الطاهر وطار ورشيد بوجدرة وغيرهما تحت تهديد الاغتيال في أي لحظة. ومن أشهر من امتدت له يد الإرهاب، الكاتب والروائي الكبير الطاهر جاووت الذي اغتيل في أيار/مايو 1993 بالعاصمة. ولقي نفس المصير المؤسف المسرحي الشهير عبد القادر علولة الذي قتل سنة 1994 بوهران غربي البلاد. ولم يسلم من استهداف الجماعات الإرهابية أسماء لامعة في مجالات علم الاجتماع وعلم النفس وصحفيون واجهوا بشجاعة أفكار الجماعات الإرهابية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية