لقي الكاتب البريطاني الأمريكي من أصل هندي سلمان رشدي استقبالا حارا في معرض فرانكفورت للكتاب، الذي وصل إليه وسط إجراءات أمنية مشددة في أعقاب محاولة الاغتيال التي تعرض لها العام الماضي في نيويورك. لهذه الزيارة أهمية بالغة، فهي من جهة تمنحه فرصة استلام جائزة السلام لتجارة الكتب الألمانية المرموقة التي حظي بالفوز بها هذه السنة. ومن جهة أخرى – وعلى قدر مماثل من الأهمية – توفّر له فرصةً للترويج لروايته الجديدة بعنوان «السكين: تأملات بعد محاولة قتل» التي يُتوقع صدورها يوم 16 أبريل/نيسان 2024. وفضلا عن ذلك، تمنح هذه الزيارة وسائل الإعلام والجماهير فرصة للقاء رشدي وتأمل وجهات نظره في جملة من القضايا والأحداث التي يشهدها عالمنا، بعد غياب طويل عن الساحة الأدبية والثقافية بسبب الإصابة بعد اعتداء نيويورك.
رواية جديدة مستوحاة من حادث السكين
وهكذا خلال حفل أقيم في كنيسة القديس بولس في فرانكفورت، حصل سلمان رشدي على جائزة السلام لتجارة الكتاب الألمانية لالتزامه الثابت بالكتابة، رغم كل ما لقيه في مشواره الأدبي الطويل من تهديدات وضغوطات وعنف. وقد أتاح الحفل لرشدي فرصة تقديم روايته المقبلة «السكين: تأملات بعد محاولة قتل» وهو عنوان مستوحى من الاعتداء الذي تعرض له في عام 2022. قال عن ذلك، «لقد أثّر هذا الموضوع فيّ شخصيا تأثيرا شديدا، فهو موضوع يمسني. فبعد كل ما حصل، لم يعد بمقدوري الكتابة عن أي شيء آخر». وأضاف، «لا يمكنني أن أخوض في شيء آخر قبل أن أتناول هذا الموضوع». ولما سئل عن الفتوى التي أصدرتها السلطات الإيرانية الداعية إلى قتله بعد نشره كتاب «الآيات الشيطانية» وعما إذا كان قد نسيها قبل حادث الاعتداء، أكد رشدي أنَّ الفتوى الإسلامية لم تغب عن فكره أبدا، مضيفا، «لقد فوجئت بالاعتداء لأن كل شيء بدا وكأنه قد هدأ مع مرّ السنين، لكنني لم أنس الفتوى مطلقا». وقد أعلن مؤخرا ناشرو رشدي أنّ مذكرات الاعتداء بعنوان «السكين: تأملات بعد محاولة قتل» ستصدر في شهر أبريل من العام المقبل.
مرعوب من تصعيد الصراع في غزة
وفي المؤتمر الصحافي، وجهت لرشدي جملة من الأسئلة حول قضايا سياسية وثقافية متعددة، كانت الحرب على غزة من أبرزها. قال إنّ حصوله على الجائزة في وقت تتقد فيه نيران الحرب الإسرائيلية جعله يفكّر في ما يستطيع أن يقدمه الأدب في أوقات الاضطرابات. قال عن ذلك، «يجب أن تكون وظيفة الأدب في زمن الحرب مماثلة لوظيفة الأدب في أي وقت من الأوقات» مضيفا، «تتمثّل وظيفة الأدب أولاً وقبل كل شيء، في خلق الجمال، والأهم من ذلك هو خلق الجمال في الأوقات البشعة. يستطيع الأدب أن يصبح مكانا يؤمه الناس للاستمتاع بالفرح والمحبة وغيرها من الأشياء التي يمحوها زمن الحرب». وأشار رشدي إلى أن «هناك تهديدان خطيران: الفاشية الدينية والتدهور الداخلي للعديد من الديمقراطيات، وعلينا أن نحارب كليهما». وفي ما يتعلق بمسألة التدهور الديمقراطي، عبّر رشدي عن قلقه وأسفه على التهديدات التي تتعرض لها الديمقراطية في بعض مناطق العالم، «إنه لأمر مقلق للغاية أن يبدو أحد الأحزاب السياسية الكبرى في الولايات المتحدة كما لو أنه ابتعد عن القيم الديمقراطية متجها نحو شكل من أشكال من العبادة الشخصية» في إشارة إلى الرئيس السابق دونالد ترامب. ووجه سلمان رشدي نداءً لإنهاء الحرب بين إسرائيل وحركة حماس الإسلامية الفلسطينية، معربا عن قلقه العميق تجاه الوضع في هذه المنطقة: «الحرب مروعة. فالناس يموتون في الحرب… إنني أشعر بالرعب لاعتداءات حماس» مضيفًا: «وإني أشعر بالقلق عما قد يفعله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في المقابل.. ولا يسعني إلاّ أن آمل أن تتوقف الأعمال العدائية في أقرب أجل ممكن».
دافع عن حق الكاتبة الفلسطينية في التكريم
وانتقد رشدي التأخير في منح جائزة ليبراتور للكاتبة الفلسطينية عدنية شبلي التي اعتُبرت روايتها «تفصيل ثانوي» معادية لإسرائيل والسامية في أعقاب هجمات حماس. جدير بالذكر أنّ معرض فرانكفورت يكرّم الكاتبات عن أعمال منشورة باللغة الألمانية. وقد أثار المعرض انتقادات شديدة بعد قراره المفاجئ بالامتناع عن إعلان فوز الكاتبة الفلسطينية نتيجة الأفكار التي تحملها الرواية. «تفصيل ثانوي» رواية شبلي الثالثة واستغرقت كتابتها ما يناهز 13 سنة. قالت عن ذلك في حوار صحافي، «كنت أكتب وأتوقف قليلا، فهذه هي طريقتي في الكتابة، كما لو أن الكتابة تثير الكثير من الغبار، وإذ بي أحتاج إلى التوقف قليلا لتخف موجات الغبار ويتأتى لي معرفة ما إذا كان ما هو مكتوب يستحق الكتابة أم لا». تنقسم الرواية إلى قسمين. في الجزء الأول تصوّر الكاتبة بصوت ثالث غائب تفاصيل قيام مسؤول كتيبة عسكرية إسرائيلية في منطقة النقب باغتصاب فتاة عربية وقتلها عام 1949. وفي الجزء الثاني، تروي لنا قصة فتاة من رام الله تطَّلع على الحادثة في جريدة إسرائيلية فتغمرها رغبة شديدة في تتبع آثار الجريمة وتقصي الحقائق وجمع التفاصيل، لاسيما أنّ الحدث يحتوي على «تفصيل ثانوي» يهمّها شخصيا وكيف لا ويوم ارتكاب الجريمة يوافق يوم ميلادها! بعد سنوات طويلة من التأخر، تأتى للكاتبة شبلي أخيرا نشر الرواية. كان ذلك في يوم 6 مايو/أيّار 2020. حصلت الرواية على تقدير منذ البداية، حيث بلغت القائمة القصيرة لجائزة الكتاب الوطني للأدب المترجم لعام 2020. وتم أيضا إدراجها في القائمة الطويلة لجائزة البوكر الدولية لعام 2021. إلغاء تكريم الكاتبة الفلسطينية شبلي أثار انتقادات واسعة بما في ذلك من سلمان رشدي، الذي أكد على ضرورة التعجيل بمنحها الجائزة إذا تم تأجيلها فقط ولم يتم إلغاؤها نهائيا.
من أسس الكتابة الشجاعة والتفاؤل
فضلا عن ذلك كله، أشار سلمان رشدي إلى الأخطار المتصاعدة التي يواجهها الصحافيون وكل من تجرأ على انتقاد الإدارة، منددا بالتحركات الأخيرة الرامية إلى محاكمة الروائية الهندية الحائزة جائزة بوكر أرونداتي روي. قال عن ذلك، «إنّ فكرة تقديمها إلى المحكمة بسبب تعبيرها عن هذه القيم فكرة مشينة». وذكرت وسائل الإعلام الهندية أن روي ـ وهي ناقدة لاذعة لحكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي بشدة – معرضة للمحاكمة نتيجة خطاب عن كشمير يعود إلى سنة 2010. وسلّط رشدي الضوء على أهمية الأدب والدور الذي يلعبه في المجتمع، مشيرا إلى قدرة الأدب على خلق الجمال والتحفيز على التأمل. وحذر من الإفراط في التركيز على المحتوى الأيديولوجي أو الدعائي، مؤكدا أنّه يُفضّل المؤلفات التي تحفز فكره بدلا من تلك التي تملي عليه أفكاره. ولم يغب عن رشدي تذكير العالم بأهمية الأفكار البناءة والمواقف الإيجابية في الحياة، فتلك أفضل سبيل لمواجهة المشاكل والصعوبات. ففي الأوقات العصيبة وفي عتمة المشاكل العويصة التي تعصف بدنيانا، يلوح للكاتب خيط نور وبصيص أمل في الأفق، بازغا من عالم الإلهام والكتابة. ولم يفت سلمان رشدي أيضا الإشارة إلى العقبات الهائلة التي تعترض خطى الكتاب الطموحين، بما في ذلك الخوف من رفض دور النشر وما يتعرض له الكتاب من ضغط لتجنب المواضيع المثيرة للجدل. واستغل رشدي الفرصة لحثّ الكتاب على الشجاعة والصمود مستشهدا بتجربته الخاصة مع كِتاب «آيات شيطانية» التي لم تصده عن الكتابة. فرغم موجات المعارضة والاحتجاج، استطاع الكِتاب أن ينتشر ويبلغ جماهير واسعة في عالمنا. وشجع رشدي الكُتاب الشباب على التغلب على هاجس الشك والتردد والكتابة بثقة وأمان وأمل، مؤكدا على أهمية المهارة والإبداع في عالم الكتابة الذي لا تحده حدود.
كاتب جزائري