أثار الاعتداء على الكاتب البريطاني ذي الأصول الهندية سلمان رشدي الأسبوع الماضي في نيويورك، التذكير مرة أخرى بضحايا الفكر والتعبير، كما عاد سلمان رشدي لمركز الاهتمام العالمي من جديد، هو الذي عاش حياته خائفا بعد فتوى هدر الدم من قبل الإمام الخميني عام 1989، إثر صدور روايته «آيات شيطانية» خريف 1988، وما خلفته من ردود أفعال غاضبة في العالم الإسلامي، نتج عنها مقتل المترجم الياباني للرواية (هيتوشي إيغاراشي 1947-1991) أستاذ الأدب العربي والفارسي في جامعة تسوكوبا، بعد تعرضه للطعن في مكتبه في الجامعة، ونجا من الموت الروائي والمترجم التركي عزيز نسين، بينما توفي 37 شخصا حرقا في الفندق الذي استضاف المترجم، وفي عام 1993 أطلق النار على الناشر النرويجي وليم نيجارد ونجا من الحادث، ونادرا ما يُعتقل الجناة في الأحداث السابقة، التي فرضت آثارها على الكاتب سلمان رشدي العيش تحت حراسة مشددة باسم جوزيف أنطون، اختار الاسم من كُتّابه المفضلين جوزيف كونراد وأنطون تشيخوف، وقد أصدر مذكراته تحت الاسم ذاته جوزيف أنطون عام 2012 في دار (راندوم هاوس) صدرت باللغة العربية عن منشورات الجمل عام 2020 ترجمة أسامة إسبر.
لا يمكن لأحد أن يدافع عن أفكار الكاتب ومؤلفاته مهما كانت قناعاته، ولا يحق لأحد التطوع لتلك المهمة مهما يكون، لكن الدفاع يكون عن حق الكاتب في الحياة، الحياة التي وهبها له الخالق لا يحق لأحد انتزاعها منه، فليُترك المخلوق للخالق، لذلك أصدر الكثير من الكتاب حول العام التضامن مع سلمان رشدي، للدفاع عن حقه في الرأي والتعبير، لعل أكثرها تأثرا ما كتبه الكاتب الأمريكي بول أوستر في كتابه الدفتر الأحمر، صلاة لأجل سلمان رشدي ترجمة ريم غنايم، نشره موقع بيت الخيال «أصلي لأجل الرجل كل صباح، لكن في قرارة نفسي، أدرك أني أصلي أيضا لأجل نفسي. حياته مهددة بالخطر لأنه ألف كتابا، تأليف الكتب صنعتي أنا أيضا، ثم يضيف، المواهب تتنوع، الطموحات تتنوع، لكن كل كاتب جدير سيخبرك الأمر ذاته: كي يكتب المرء عملا قصصيا، عليه أن يكون حرا ليقول ما يريد قوله».
إننا لسنا مجبرين على القبول بكل ما يُكتب، ولا ملزمين بتحمل وتطبيق فكر وتنفيذ أمر شخصي يدعو إلى إزهاق الأرواح وقتل النفس، نعم يمكن التعبير عن الرفض بالوسائل الأكثر تأثيرا وهي الكلمة، أما القتل فهو ضعف في الذات يرتكبها العاجز عن الفعل.
إننا لسنا مجبرين على القبول بكل ما يُكتب، ولا ملزمين بتحمل وتطبيق فكر وتنفيذ أمر شخصي يدعو إلى إزهاق الأرواح وقتل النفس، نعم يمكن التعبير عن الرفض بالوسائل الأكثر تأثيرا وهي الكلمة، أما القتل فهو ضعف في الذات يرتكبها العاجز عن الفعل. إننا نُذكر بالكتاب والمفكرين العرب الذين قتلهم التطرف والتشدد الكاتب والسياسي المصري يوسف السباعي (1917- 1978) الكاتب والمفكر اللبناني حسين مروة (1910-1987) ومواطنه المفكر حسن عبدالله حمدان المعروف بمهدي عامل (1936-1987) والمفكر المصري فرج فودة (1945-1992) وتعرض الروائي نجيب محفوظ (1911- 2006) صاحب جائزة نوبل لمحاولة اغتيال في 1995، كما نجا من الموت الروائي الجزائري واسيني الأعرج (1954-68 سنة) والكاتب الصحافي الأردني ناهض حتر (1960-2016) وغيرهم الكثير ممن ذهبوا ضحايا لأفكارهم ولا يتسع المقال لذكرهم.
إن المُحرض على قتل المفكرين والكتاب هو الخطاب المُتأول الذي يسمح ويفسح المجال للتشدد والتعصب، وإيجاد بيئة لا تقبل الآخر وتنفيه فكرا ووجودا، بينما الله سبحانه وتعإلى المُنزل للنصوص يأمر في كتابه الكريم موسى وهارون بالذهاب إلى الطاغية فرعون والحوار معه باللين واللطف لعله يعمل بعقله ويخشى ربه (سورة طه، 43-44) بينما البعض يرغب أن يُسيّر الخلق وفق قناعاته وآرائه وفكره، الذي لا يقبل النقاش فيه، فقد يجد أحدهم مقالا لا يعجبه في موقع إخباري، أو جريدة ولأنه تعوزه القدرة وحتى الحيلة للتعبير المباشر عن رأيه فيستعين بالآخرين، يدغدغ مشاعرهم ويحرضهم بشكل علني أو خفي لإدانة ما يعكر صفوه هو بينما هو لا يعلن عن ذلك صراحة، يستخدم البسطاء والمشحونين بأفكاره المنقادين له لتنفيذ القتل عبر جرعات التحريض. فمن يدعو إلى منع الكتب أو أحراقها، إنما يدعو إلى الحجر على العقل ومحاولة منع الآخرين من الخروج عن فهمه وسطوته، لأن القراءة والاطلاع تُحرر العقلاء من سيطرة الدهماء.
بين آيات سلمان رشدي الشيطانية وفتوى آيات الله الخميني، نطرح بعض التساؤلات عن توقيت نشر الكاتب سلمان رشدي لروايته عام 1988 وفتوى قتله 1989، ففي ذلك الوقت كانت الحرب العبثية الإيرانية العراقية قد وضعت أوزارها، بعد أن أزهقت أرواح مليونين من البشر، وخلفت مثلها من العاهات والجرحى، ناهيك من الخسائر المادية، فلماذا لم تُثر أرواح المسلمين القتلى في الحرب حفيظة الخميني ويدعو إلى المصالحة بين المسلمين، وفتح صفحة أخرى في التاريخ تُكتب بأحرف التسامح والرحمة والمودة، وينقد رواية رشدي كما يشاء، ويترك فتوى إهدار الدم.
في المقابل شهد عام 1989 انسحاب القوات السوفييتية من أفغانستان، ولاح انهيار اتحاد الجمهوريات السوفييتية. فهل هذه الأحداث طبيعية؟ أم أنها تتسلسل وفق خطط البحث عن عدو جديد للغرب بدلا عن الدب الروسي الهزيل، وكان الإسلام هو المُرشح البديل، وتمثل ذلك في أحداث سبتمبر/أيلول 2001 وما تلاها من حروب وهجمات على المسلمين في بقاع الأرض؟ أم أن نظرية المؤامرة لا وجود لها وكل ما يحدث هو نتائج للصدف لا غير؟
كاتب عماني