بعد جولات عدة من المفاوضات غير المباشرة بين الإيرانيين والأمريكيين، والمباشرة بين طهران وبقية دول (5+1) في فيينا، يبدو أن بودار التوصل إلى إعادة الاتفاق تقترب من التحقق. هذا ما صرح به عدد من المسؤولين والمحللين، والكرة الآن في ملعب واشنطن لتجيب على العرض الذي قدمته طهران يوم الاثنين 15آب/غسطس الجاري، والذي اعتبره المراقبون آخر ورقة يمكن تقديمها من الجانب الإيراني ردا على المقترح الأوروبي الذي سبق تقديمه يوم 8 آب/اغسطس.
ويُذكر أن أزمة الملف النووي الإيراني قد تصاعدت وتيرتها بشكل ملفت في الشهرين الماضيين، حتى ظن بعض المراقبين أن المواقف تتجه نحو الانفجار، إذ لجأت إيران في حزيران/يونيو الماضي إلى إزالة جميع معدات الوكالة الدولية للطاقة الذرية المثبتة في مواقعها النووية بموجب الاتفاق، المعروف رسميا باسم خطة العمل الشاملة المشتركة «JCPOA» وتضمن هذا القرار رفع 27 كاميرا لمراقبة المواقع النووية، وهذا الأمر كان أحد المبادئ الأساسية للاتفاق الذي لم يعد له وجود، وبالتالي لم يعد باستطاعة الوكالة الدولية أن تراقب بشكل مستقل برنامج إيران النووي.
وقد صرح الأمين العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، في تموز/يوليو الماضي قائلا: «إن الوكالة الدولية ليس لديها أي معرفة بما إذا كانت إيران تطور سلاحا نوويا» وأضاف، في مقابلة مع شبكة «CNN»: «عندما يتعلق الأمر بتخصيب اليورانيوم في طهران، فإن المسألة هي أن كل هذه الأنشطة مستمرة، وليست لدينا القدرة على رؤيتها، لا نعرف ما الذي يحدث».
كما أشار عدد من الباحثين إلى أن طهران عملت على تسريع برنامجها النووي منذ انسحاب الرئيس ترامب من الاتفاق النووي في آيار/مايو 2018 وإعادته فرض عقوبات قاسية على إيران، إذ مضت طهران في تطوير مخزونها من اليورانيوم المخصب حتى وصلت الآن نسبة التخصيب فيه 60 في المئة، وهو أعلى مستوى له على الإطلاق، ويمثل قفزة هائلة من الحد الأقصى البالغ 3.67 في المئة الذي حددته اتفاقية عام 2015 في خطة العمل الشاملة المشتركة.
ثلاث نقاط شائكة
يرى المحللون أن هناك ثلاث نقاط شائكة ما تزال تمثل عائقا أمام إتمام الاتفاق النهائي، النقطة الأولى هي مطالبة طهران إدارة بايدن برفع الحرس الثوري من قائمة الإرهاب، وهو أمر يبدو حتى الآن أن واشنطن غير راغبة في القيام به. أما النقطة الثانية فهي مطالبة الإيرانيين بضمانات تلزم بها واشنطن نفسها على أن تكون الاتفاقية المقبلة ملزمة بغض النظر عن سياسات أو توجهات الإدارات الأمريكية في المستقبل وذلك خوفا من تكرار ما قام به الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عندما انسحب من الاتفاق.
لكن يبدو أن الرئيس بايدن لا يمكنه قانونيا تنفيذ مثل هذا التعهد، ليبقى المأزق الذي يواجه إحياء الاتفاق هو الضمانات المطلوبة من الجانب الإيراني، والتي تضمن تعويض إيران في حال قررت الإدارات الأمريكية في المستقبل الانسحاب مرة أخرى من الصفقة، لكن يبدو ان القانون الأمريكي يبقي على صلاحية أي إدارة قادمة على إلغاء الاتفاق الحالي مثلما حصل عام 2018.
وتتمثل النقطة الثالثة في تحقيق طويل أجرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن آثار اليورانيوم التي تم العثور عليها في ثلاثة مواقع نووية إيرانية غير معلنة قبل عدة سنوات. طهران تريد إغلاق هذا الملف، وهو أمر تعارضه الوكالة نفسها، وكذلك الحكومات الغربية. وفي 8 آب/أغسطس الجاري، أعرب المبعوث الأمريكي الخاص في إيران والذي كان أيضًا كبير المفاوضين بشأن اتفاق 2015 روبرت مالي، عن دعمه لتحقيق الوكالة الدولية للطاقة الذرية المتعلق بالعثور على آثار يورانيوم في 3 مواقع إيرانية غير معلنة بعد تقارير تفيد بأن اقتراح الاتحاد الأوروبي يتضمن تنازلا لإيران ينهي تحقيق الوكالة الدولية. وقال مالي في تصريح إعلامي، إن التحقيقات «ستُغلق عندما تقدم إيران الإجابات الموثوقة من الناحية الفنية التي طلبتها منها الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن آثار يورانيوم». من جانبها قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنها لم تحصل على تفسير موثوق من إيران بشأن آثار الجزيئات النووية حتى الآن، لكنها قالت إن مجلس محافظي الوكالة المؤلف من 35 عضوا سيغلق التحقيق في حال تقديم مثل هذا التفسير.
ومن اللافت في هذا الجانب ان وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان كان قد علق قبل ساعات من تقديم إيران لردها، حيث أشار إلى أن هناك ثلاث قضايا عالقة، وأوضح أن الولايات المتحدة وافقت «شفهيا» على مطلبين لإيران في محادثات إحياء الاتفاق النووي، ولم يخض في التفاصيل. كما علقت وكالة «نور نيوز» الإيرانية، المقربة من المجلس الأعلى للأمن القومي، بالقول: «إن مسودة الاتحاد الأوروبي تفتقر إلى إجابات شفافة على القضايا التي تثيرها إيران». لكن وكالة «إيرنا» قالت إنه «يمكن التوصل إلى اتفاق إذا كانت أمريكا براغماتية ومرنة».
وقد علق ميخائيل أوليانوف، كبير المفاوضين الروس في محادثات فيينا لإحياء الاتفاق النووي مع إيران بقوله: «إن إحدى العقبات الرئيسية أمام إحياء الاتفاق المتعلقة بتحقيق الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن آثار اليورانيوم التي تم العثور عليها في مواقع غير معلنة في إيران» وأضاف «يبدو أنه تمت تسويتها» ولم يشرح المفاوض الروسي كيف «تمت تسوية» تلك القضية، وما إذا كانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية ستُسقط التحقيق أو ما إذا كانت إيران قد وافقت على تقديم إجابات لأسئلة الوكالة حول وجود آثار يورانيوم في مواقع غير معلنة.
النص النهائي
تبدو طهران الأكثر تفاؤلاً منذ سنوات بشأن العودة لاتفاق نووي بنسخة مقبولة من التعديلات التي تمت على الاتفاق النووي القديم الذي تم إبرامه عام 2015. إذ صرح مستشار فريق التفاوض الإيراني محمد مراندي يوم الاثنين 15 آب/اغسطس الجاري بالقول: «نحن أقرب إلى التوصل إلى إتفاق مما كنا عليه من قبل» وإن «القضايا المتبقية ليست من الصعوبة بمكان ويمكن حلها». وتمت الموافقة على اقتراح «النص النهائي» الذي قدمه الاتحاد الأوروبي بشأن الصفقة، والذي قدمه الأوروبيون قبل أسبوع واحد من الرد الإيراني الموجه إلى الولايات المتحدة، التي تقول إنها مستعدة لإبرام الاتفاق بسرعة إذا قبلته إيران.
وقال الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الثلاثاء 16آب/أغسطس الجاري إنهما يدرسان الرد الإيراني على ما يصفه الاتحاد بالمقترح «النهائي» لانقاذ الاتفاق النووي الموقع في 2015 بعد أن دعت طهران واشنطن إلى إبداء المرونة. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية إن الولايات المتحدة تشارك الاتحاد الأوروبي آراءها حول الرد الإيراني الذي تلقته من الاتحاد.
وبدورها، قالت المتحدثة باسم الاتحاد الأوروبي للصحافيين في بروكسل: «في الوقت الراهن، نقوم بدراسة الرد الإيراني ونتشاور مع المشاركين الآخرين في خطة العمل الشاملة المشتركة ومع الولايات المتحدة حول الطريق المناسب للمضي قدماً». وامتنعت عن تقديم جدول زمني لأي رد فعل من جانب الاتحاد الأوروبي.
كما صرح ميخائيل أوليانوف، كبير المفاوضين الروس في محادثات فيينا بقوله إن «المحادثات في مرحلتها النهائية للغاية» وأضاف: «آمل أن تتفاعل واشنطن بشكل إيجابي، وإذا حدث ذلك فمن المرجح أن نعقد اجتماعا وزاريا للجنة المشتركة لخطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) إما هذا الأسبوع أو الأسبوع المقبل».
توقع التغيرات الاقتصادية
توقعات التغيرات الاقتصادية التي ستصاحب العودة للاتفاق النووي كثيرة، اذ ما أن أعلن عن قرب إنفراج الانسداد السياسي في مفاوضات الملف النووي حتى تحركت الآمال الإيرانية برفع العقوبات الأمريكية التي فرضتها إدارة ترامب على إيران، وهذا الأمر يتضمن تمكين إيران من الوصول إلى احتياطياتها المجمدة من العملة الصعبة التي قد تصل إلى 100 مليار دولار. ويرى المحللون الاقتصاديون أن رفض العودة للاتفاق النووي سيعني عودة ظهور العقوبات الأمريكية وانخفاض محتمل في صادرات النفط والمكثفات الإيرانية من متوسط يقدر بـ 1.5 مليون برميل يوميًا في عام 2022 إلى حوالي مليون برميل خلال عام 2023 على النقيض من ذلك، إذا تم قبول الصفقة، فقد تصل الصادرات الإيرانية إلى 2.5 مليون برميل يوميًا مما يؤدي إلى زيادة الإيرادات الإيرانية، وان بوادر الانفراج الأخير أثرت بشكل ملحوظ على سوق النفط العالمي، إذ انخفضت العقود الآجلة للنفط الأمريكي بنحو ثلاثة في المئة لتغلق دون 90 دولارا للبرميل.