مقبرة الإنكليز في غزة لوحة جمالية ومزار تراثي شاهد على تاريخ فلسطين القديم

إسماعيل عبدالهادي
حجم الخط
2

تعتبر مقبرة الإنكليز الواقعة في حي الدرج شرقي غزة والمقامة على مساحة 25 دونماً، والتي تضم رفات آلاف الجنود من دول الكومنولث البريطاني الذين سقطوا خلال الحرب العالمية الأولى على يد القوات العثمانية، شاهدة على تاريخ الأحداث التي مرت بها فلسطين خلال العصور القديمة، وبالتحديد في أوائل القرن العشرين وبدايات الحرب العالمية الأولى والثانية، حيث منحت قطعة الأرض المقامة عليها المقبرة، كهبة من الشعب الفلسطيني تخليداً لأرواح الجنود القتلى.
وتوجد في قطاع غزة مقبرتان للإنكليز، الأولى في منطقة الدرج شرقي القطاع وتضم رفات 3500 جندي وهي الأكبر، والأخرى في منطقة الزوايدة وسط قطاع غزة وتضم رفات 700 جندي وفق سجلات المقبرة، والرفات هي لجنود من جنسيات مختلفة، من بينهم يهود ومسلمون وهندوس شاركوا جميعهم إلى جانب الحلفاء في قتال الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وحاربوا في ثلاث معارك رئيسية أكبرها كانت معركة وادي غزة أو ما تسمى معركة المنطار، التي هزموا فيها ليبقوا إلى الأبد في مكان المعركة، حيث دفنوا في المقبرة التي أسستها هيئة قوات التحالف الكومنولث البريطاني.

تاريخ المعارك

رغم مرور سنوات طويلة على إنشاء مقابر الإنكليز في غزة، إلا أن تاريخ المعارك التي سقط فيها الجنود البريطانيون والحلفاء خلال المعارك الضارية التي خاضها البريطانيون ضد الدولة العثمانية لا تزال حاضرة وتروى بشكل دائم، لما تمثله هذه الفترة الزمنية من نقطة فاصلة في تاريخ الصراع للسيطرة على فلسطين، باعتبارها الأرض المقدسة والجسر البري الذي يربط قارتي آسيا وأفريقيا.
وحول مجريات المعركة التي جرت قبل حوالي قرن من الزمان، بدأ هجوم الحلفاء في الحرب العالمية الأولى في عام 1914 وتوجه رتل منهم نحو تلة المنطار المشهورة في مدينة غزة، وهي ترتفع 85 متراً فوق مستوى سطح البحر، وذلك في محاولة للإيقاع بالجنود الأتراك والعرب المرابطين فوق التلة، والالتفاف عليهم وذلك بمساندة البوارج الحربية البريطانية والفرنسية، والتي انهالت بضرب القذائف على مدينة غزة ودمر خلالها العديد من المساجد والكنائس في المدينة، إضافة إلى جزء كبير من المباني السكنية، واستمر الهجوم لمدة تسع ساعات متواصلة، وأطلقت قوات الحلفاء خلال المعركة القنابل السامة على الجنود العثمانيين الموجودين على تلة المنطار. ولم تكتف قوات التحالف بهذا الهجوم، بل قررت تنفيذ هجوم آخر لاقتحام تلة المنطار، إلا أنه فشل، وفشلت جيوش الحلفاء في تحقيق هدفها، وأسفرت هذه الهجمات أخيراً عن سيطرة العثمانيين على تلة المنطار، بعد خسارة بريطانيا وقوات التحالف لأكثر من ألفي جندي دفن غالبية كبيرة منهم داخل غزة.

تخليد قوات الحلفاء

ولم تكن مقبرة الإنكليز كأي مقبرة موجودة في غزة، بل أنها تشكل مقصداً لآلاف المواطنين الراغبين في الترفيه عن أنفسهم، نتيجة الكبت الذي يعيشونه مع استمرار الحصار الإسرائيلي وتردي الأوضاع المعيشية في غزة. فعند الدخول من بوابة المقبرة ينتابك الشعور للوهلة الأولى بجمال وروعة هذا المكان، كما ولو أنك ذاهب إلى حديقة أو متنزه عام لقضاء وقت جميل، بعيداً عن الضغوطات اليومية وروتين العمل الممل، حيث الأشجار والزهور الجميلة بمختلف أنواعها وأشكالها، التي تلتف حول المكان لتعطيه رونقاً من الجمال وكأنه عمل هندسي متقن، ولكن الحقيقة أن هذا المكان ليس متنزهاً عاماً، بل هو يجمع أرواحاً من عدة بلدان، توافدت متفرقة من دول أوروبية وعربية واجتمعت تحت التراب.
وتتزين المقبرة بأشجار الزيتون والنخيل والسرو والأزهار والورود الجميلة، كما أن كل شيء في المقبرة تم تصميمه بعناية كبيرة، فالأشجار والقبور مرتبة ترتيباً هندسياً، والقبور مرقمة ويوجد في كل سطر 21 قبراً، وعلى كل قبر شعار الدولة التي تدل على جنسية المتوفى، واسمه وعمره وتاريخ وفاته ورتبته العسكرية، وبعض القبور مكتوب عليها جمل تدل على وضع صاحب القبر، كما توجد متابعة من قبل الحكومة البريطانية على هذه المقبرة، حيث تشرف رابطة الكومنولث البريطانية عليها، وتتولى تنظيم وإدارة طواقم العمل فيها، حيث تخصص الرابطة حارسا دائما لها، كما أنها تخصص عمالا بشكل مستمر للقيام بمهام زراعة وتنظيف المقبرة وتوفير كل ما يلزم من مصروفات، لبقاء المكان مميزاً وجميلاً.
وبالرغم من سنوات الاهتمام والمحافظة على المقبرتين، من خلال الفريق الذي تشرف على تعيينه رابطة الكومنولث البريطانية، والذي يختص بالعناية والمحافظة على القبور والزهور والأشجار داخلهما، إلا أن المقبرتين لم تسلما من النيران الإسرائيلية، حيث تعرضتا للقصف خلال الحروب المتتالية على قطاع غزة، وبالتحديد عدوان 2008 وعدوان صيف 2014 حيث تضررت عشرات القبور نتيجة سقوط أجزاء من القذائف التي أطلقتها المدفعية الإسرائيلية بشكل عشوائي تجاه المناطق السكنية القريبة من المكان، وهذا التعدي لم يجعل الحكومة البريطانية مكتوفة الأيدي، بل تقدمت سفارة المملكة المتحدة في إسرائيل آنذاك بشكوى لوزارة الخارجية الإسرائيلية، تنديداً بالأضرار التي لحقت بالمقبرة، وطالبت بدفع تعويضات مالية عن الأضرار.
ولا تزال المقبرة حتى يومنا مزاراً للعائلات ولطلبة المدارس والجامعات في غزة، نظراً لما تحتويه من مساحات خضراء وترتيب للأشجار وتنوع للزهور، التي تجذب بمنظرها السكان للتنزه، كون أن سكان غزة محرومون من مشاهدة هذه المناظر الخلابة، نتيجة ضيق المساحات الترفيهية وعدم قدرة البلديات على إنشاء مثل هذه المناطق، بسبب الظروف الاقتصادية التي تواجهها.
في سياق ذلك يقول أستاذ علم التاريخ والآثار الدكتور يوسف أبو عمر، إن مقبرة الإنكليز تحظى باهتمام واسع من قبل علماء التاريخ في غزة، لما يمثله هذا المكان من حقبة مهمة في تاريخ فلسطين، حيث ما زالت هذه المقبرة شاهدة على تاريخ فلسطين عبر العصور القديمة، وخاصة أوائل القرن العشرين وأوائل الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية.
وقال لـ«القدس العربي»: «إن المقبرتين في غزة هما من أصل أربع مقابر موجودة في فلسطين، وتمثل الدليل القوي على ضراوة المعارك التي خاضها العثمانيون ضد قوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الأولى. فهناك مقبرتان واحدة في مدينة بئر السبع وتضم رفات أكثر من 10 آلاف جندي من جيش الحلفاء، ومقبرة جنين وتضم رفات 3 آلاف جثة، إضافة إلى وجود مقبرة جماعية للجيش العثماني داخل مقبرة الإنكليز في غزة، لكنها مهملة ولا يوجد فيها شواهد للقبور».
ولفت إلى أن اهتمام بريطانيا بالمقبرة وصرف مبالغ شبه شهرية على رعايتها والحفاظ عليها، يأتي ضمن مساعي بريطانيا في تخليد قوات الحلفاء التي شاركت في الحرب العالمية الأولى ضد الدولة العثمانية، مضيفاً في ذلك أن بريطانيا أرادت أن تضع لها قدماً في المناطق التي قتل فيها جنودها وجنود الحلفاء، الذين ساعدوها في محاربة الدولة العثمانية، فهناك العديد من الوفود البريطانية وأهالي الجنود القتلى، يأتون بين الفينة والأخرى لزيارة المقبرة، وهذا ما يدفع بالحكومة البريطانية إلى جعل منظر المقبرة لافتا وخلابا.

محمية طبيعية

من جهته يقول عصام جرادة (42 عاماً) الذي تولى حراسة المقبرة عن والده قبل ثلاثة أعوام، بعد أن ترك العمل بسبب تقدمه في العمر على مدار خمسين عاماً، «إن المقبرة الموجودة في حي الدرج يتم كل فترة زمنية العمل على حراستها من قبل جيل جديد من العائلة كمهنة متوارثة من الآباء والأجداد، حيث تعمل العائلة على حراستها منذ أكثر من 90 عاماً، وتشرف على عملنا في هذه المقبرة الحكومة البريطانية، التي ترسل بشكل متفاوت وفوداً للمتابعة والاطمئنان على سير العمل فيها، كما تصرف الحكومة راتبا شهريا للشخص الذي يتولى الحراسة، وتقدم جميع أنواع الدعم اللوجستي الخاص بالمقبرة من أجل المحافظة على ديمومتها».
وأوضح لـ«القدس العربي»: أن المقبرة ليست متنزهاً كما يعتقد البعض، لكن بسبب الظروف المعيشية الصعبة أصبحت بمثابة متنفس يقصده المواطنون، وخاصة وفود من المدارس والجامعات للتعريف بالمقبرة وقضاء أوقات جميلة داخلها، فهي أشبه بالمحمية الطبيعية، حيث المساحات الخضراء على امتداد البصر، والطيور الجميلة التي تجوب سماء المكان وبين الأشجار.
وأشار إلى أنه «عندما يأتي المواطنون أو وفود من رحلات الطلبة لزيارة المقبرة، أقوم بتعريف الزوار بتاريخ المقبرة وجنسيات الجنود المدفونة فيها، وما شهدته الفترة التي عايشوها من أحداث وقصص وما تخفيه من حكايات الجنود الذين ضمهم ترابها» وهذه المعلومات التي يقدمها عصام حصل عليها من أجداده الذين يمتلكون معلومات كافية عن تاريخ المقبرة والجنود المدفونين فيها، وهذا التعريف يقصد من خلاله تثقيف الزوار بأهمية المقبرة، كونها شاهدة على تاريخ المعارك التي حدثت في غزة قبل مئات السنين، إلى جانب تعزيز ثقافة الحفاظ عليها خلال فترة المكوث للزيارة. وبين أن الحكومة البريطانية ترسل وفوداً من السفارة البريطانية في مدينة القدس لمتابعة العمل داخل المقبرة، وفي حال كان هناك أي مبادرة لترميم القبور أو زراعة أشجار وزهور جديدة، فإن الوفد يقوم بإرسال المستلزمات عبر معابر غزة مع إسرائيل، فكل ما في داخل المقبرة من أضرحة وزهور متنوعة تأتي من الخارج كونها مفقودة داخل قطاع غزة، لافتاً إلى أن هناك مجموعة من الشبان الذين يسكنون بجوار المقبرة، يجتهدون في خدمتها وتزيينها وتسميدها ورعايتها يومياً وعلى مدار العام، مضيفاً أن فترة الزراعة للأشجار والزهور داخل المقبرة تعتمد على نوعين، نوع صيفي وآخر شتوي، وهذا الاهتمام في المواسم يأتي للحفاظ الدائم على جمال المقبرة طوال العام.
في غضون ذلك يقول محمد القاضي أنه يحرص باستمرار على اصطحاب عائلته والذهاب لقضاء أجمل الأوقات داخل مقبرة الإنكليز، كونه من الأماكن الجميلة والنادرة الوجود في مدينة كغزة تعج بالحركة والضجيج ومحرومة من مثل هذه الأماكن، وما يشجع محمد بالذهاب باستمرار، بيته الذي لا يبعد سوى مسافة قريبة من المكان.
وبين لـ«القدس العربي» أن «المقبرة ليست كأي مقبرة موجودة في غزة، فهي تحفة أثرية داخل مساحات خضراء وتحيط بالمساحات الزهور والورود بكافة الألوان والأحجام والتي أشاهدها لأول مرة في هذا المكان» وبمجرد الوصول والتنزه بين هذه الأشجار، ينسى الإنسان الضغوط الحياتية الواقعة عليه، لذلك أضحت هذه المقبرة المكان الأكثر ترويحاً عن النفس بالرغم من الأموات فيها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية