محمد العلّوش: آمل بتدوير مواد لتصبح ألعاب أطفال والهدايا التي نبتكرها هي الأجمل

زهرة مرعي
حجم الخط
0

من النحت إلى الرسم إلى إعادة التدوير حيث الكرتون المرطّب يتيح توالد الأفكار

بيروت ـ «القدس العربي»:  درس محمد العلّوش في مركز فتحي محمد للفنون التشكيلية في حلب سنة 2005 وراح يشق طريقه بتأنٍ، لكن الحرب داهمته سريعاً، ونزح إلى لبنان. وكما السواد الأعظم من الفنانين اللبنانيين والمقيمين ليس للفنان من أمل في تأمين قوته من الفن، خاصة مع ظروف استثنائية كالتي نعيشها.

جدّ الفنان محمد العلّوش لتأمين عيشه بتعبه، ومن دون أن يسمع تعليقاً ليس مستحباً لديه «أخد شغل حدا». كانت البدايات صعبة، إلى أن عرّف عن نفسه كفنان وراح يدرّس الخط والرسم في عدد من المدارس الخاصة.
مؤخراً بحثت عن محمد العلّوش بعد قراءة اسمه مدرباً في ورشة اقامتها مكتبات السبيل لإعادة التدوير. الفنان الذي أبعدته ظروفه الصحية عن النحت، راح إلى الفن التشكيلي، ووجد في إعادة التدوير فناً معاصراً ونحتاجه. ففي العالم ترتفع المجسمات المُشكّلة من مواد نستهلكها في يومياتنا، لتصبح دليلاً على انتهاكنا لمبادئ التعامل مع البيئة، واستهتارنا بمستقبل الكوكب.
هنا حوار مع الفنان محمد العلّوش:
○ كيف بنيت مساراً لحياتك الفنية وأنت نازح عن وطنك منذ سنوات طويلة؟
• وصلت إلى لبنان في سنة 2011 وفي بدايات 2012 حققت استقراراً في مدينة بعلبك. باشرت العمل لتأمين معيشتي من بويا ودهان وبخ موبيليا. لاحقاً ساعدتني علاقاتي لبدء تعليم الخط والرسم في مدارس خاصة. توسعت صلاتي بالتدريج مع الجمعيات الأهلية الأمر الذي قادني إلى تقديم دورات تدريبية للأطفال والبالغين. وفي سنة 2015 نجحت في الحصول على تمويل لمشروع من مؤسسة اتجاهات – ثقافة مستقلّة. وهكذا توليت التعليم مباشرة، ومولت اتجاهات المواد المطلوبة.
○ أين باشرت هذا العمل ومن هم الطلاب؟
• أنجزت ورشة التدريب في مرسمي، وهو مكان قدمه لي أهل زوجتي. والمتلقون كانوا طلاباً لبنانيين وسوريين، ولم يتجاوز عددهم 12. استمرت الدورة لستة أشهر بمعدل يومين أو ثلاثة أسبوعياً.
○ وهل كان الطلاب متفرغون لهذه الدورة؟
• للأسف أكثرهم يعمل للمساعدة في إعالة عائلاتهم، وبالتالي كان لديهم صعوبة بالإلتزام. فهم يعجزون عن التوفيق بين العمل وبين الالتزام بوقت محدد لاكتساب مهارات فنية. عملنا قدر الإمكان للتوفيق بين عمل هؤلاء الطلاب الراغبين بالتدريب، وبين الزمن المحدد للدورة.
○ لنتعرّف قليلاً إلى الاهتمام الفني الذي كنت تقوم به في سوريا؟
• تخصصت خلال دراستي الفنية بالنحت وعملت فيه لسنوات، وشاركت في معارض جماعية. ولأن العمل في النحت لم يكن مزدهراً ولا يزال، عملت بالتوازي معه في الترخيم والتعتيق، وهو ما يصبّ في خانة الدهانات. لكنّ وضعاً صحياً طارئاً في شرايين القلب عانيته خلال النزوح، أبعدني عن النحت والدهانات معاً.


○ وعندما تحولت إلى الفن التشكيلي هل سعيت لمعرض يُعرِّف عنك في لبنان؟
• سعيت بالتأكيد، لكن بعض الصالات كانت تسعى إلى فنان صاحب خلفية فنية طويلة، وهذا طبيعي بالتأكيد بالنسبة للصالات الكبيرة والمعروفة. وعندما حجزت في إحدى الصالات المتوسطة الشهرة في منطقة الحمرا، وكان الموعد مع بدايات سنة 2018 وقبل شهر من الموعد زرته للتأكيد على بعض القضايا، فرفع السعر الذي اتفقنا عليه من 1500 دولار إلى 2500 دولار، متحججاً بعدم وجود زبائن للفن التجريدي. وكنت في الواقع قد أنجزت28 عملاً تجريدياً تعبر عن التآكل وانهيار المجتمعات من خلال الصدأ. إنها صورة المجتمعات التي يتغلل الفساد ويعشش بداخلها ممهداً لانهيارها.
○ وماذا عن مشروع «لمبة» الذي نفّذته بالتعاون مع اليونيسكو؟
• هو مشروع بيئي ثقافي. بيئي لأنه يعتمد على استعمال قناني الزجاج وتحويلها إلى منتجات مضيئة. وهو ثقافي لجهة الرسم على المنتجات النهائية، أو الكتابة بالخط العربي لجمل مختارة أو أشعار لشخصيات عربية معروفة. هذا المشروع الذي بدأته في مدينة عاليه ومن ثم نقلته إلى بعلبك مولته منظمة اليونيسكو سنة 2016 من خلال برنامج الريادة المجتمعية.
○ وهل إعادة التدوير التي تقدمها من خلالها ورشات عمل أصبحت حرفة لديك وتحاول أن تختبر معها المزيد؟
• إعادة التدوير كفكرة ومشروع باتت جزءاً مني. وعندما مرضت لزمن بت متأكداً من أن أعمالاً كنت أقوم بها سابقاً لم تعد ممكنة. لهذا بحثت عن تنفيذ أعمال تجمع بين العنصر الجمالي، والكلفة المحدودة جداً. وفي الوقت عينه كنت أحرص لأن أبعد عن سمعي كلمة «أنت تعمل مكان لبناني». وانطلقت في عالم إعادة التدوير بدءاً من الكرتون. فقد تعلّمت من خلال عملي في النحت بأن ترطيب الكرتون بالماء يتيح له أن يتشابه مع مادة الصلصال. ومن ثم راحت الأفكار تتطور، ولجأت لأعواد الخشب التي ساعدتني في تقديم مجسّمات كبيرة. واستعملت قساطل الصرف الصحي، وأنجزت من خلالها أشياء جميلة. وهكذا الأفكار تتطور بالتدريج بدءاً من 2016.
○ وهل كانت البدايات مع إعادة التدوير مشجعة؟
• رائعة جداً. امنيتي أن يكون لي مشروع يسمح بإعادة تدوير أي مادة وتحويلها إلى ألعاب أطفال. العمل متيسر وكذلك الإنتاج، لكني أحتاج لفريق عمل يقوم بمهمة التسويق.
○ بدايات إعادة التدوير كانت سنة 2015 عبر ترطيب الكرتون. فماذا استخرجت منه؟
• على سبيل المثال حوّلت الكرتون بعد ترطيبه إلى بيت لألعاب الأطفال يشبه بيت الباربي الشهيرة، وأصبح من ممتلكات طفلتيَ الصغيرتين. ونفّذت مجسمات من الكرتون لوجه الإنسان، وللرقصة المولوية، وكذلك واجهة بيت قديم وغير ذلك. المميز في هذا العمل أنه ليس مُكلفاً بل هو عبارة عن كرتون يمكن جمعه من الشارع. ويحتاج إلى الغراء كي تُلصق قطعه المختلفة حسب الشكل الذي نريده.
○ كم تحتاج مجتمعاتنا لإعادة التدوير وتخفيف حجم سلة النفايات؟
• في مجتمعاتنا كثير من المبدعين والمبتكرين، وهذا ما نجده في العديد من المنازل التي ندخلها. نحتاج لتعميم هذه الثقافة، فبدل رمي قنية المياه البلاستيكية في الشارع يمكننا تحويلها إلى مقلمة للأطفال. ثمة من يحتاج هذه الأعمال كي يؤمن دخلاً ليس إضافياً بل أساسياً للعائلة. وهنا أشير إلى وجود موقع إلكتروني في الأردن تمّ تخصيصه للمنتجات اليدوية التي تشكل حصيلة لإعادة التدوير. هذه المبادرة شجعت على ازدهار هذا النوع من الأعمال التي وجدت التسويق عبر هذا الموقع الإلكتروني.
○ وهل يشكل هذا الموقع حلماً تنشده؟
• من دون شك. تلقيت العديد من الاتصالات من سوريا تسأل عن كيفية التسويق. لكنهم طرقوا الباب الغلط، فلست صالحاً للتسويق نهائياً.
○ هل ترى دوراً ريادياً للفنانين في هذه المرحلة من عصرنا الاستهلاكي حيث النفايات تُشكل معضلة خاصة في البحار والأنهار؟
• للفنان دور ريادي في كافة المراحل. وفي لبنان انتشرت العديد من التجهيزات الفنية الكبيرة المصنوعة من إعادة التدوير. لأستاذ الفنون دور في توجيه الجيل الجديد، خاصة عندما يقدّم فكرة جميلة من ورقة التقطها من سلة المهملات في الصف. كل ما في الطبيعة قابل لأن يصبح منتجاً مفيدا وجميلا.
○ من يُقبل أكثر على ورشات العمل الخاصة بإعادة التدوير النساء أم الرجال؟
• هذا يعود للجمعية أو المنظمة المعنية بهذه الورشة. منهم من يستهدف في مشروعه النساء. وبعض الجمعيات تُصمم على المناصفة بين شباب وفتيات. في المواقع التي عملت بها وجدت الإقبال من قبل النساء لافتاً. قد يكون السبب لوجودهن في المنازل بعيداً عن العمل الإنتاجي بنسبة تفوق عدد الرجال. المرأة التي تكرر عملها المنزلي بشكل يومي تجد في ورشات العمل فرصة تتيح لها الابتكار. وبإمكانها في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة أن تصنع هدية من صنعها يديها تحتاج لتقديمها بمناسبة ما. من جهتي أعتمد منذ سنوات الهدايا من عملي الفني. والهدية المصنوعة من إعادة التدوير هي عمل فني ذو قيمة. والهدية المشغولة باليد لها وقعها المختلف.
○ من خلال خبرتك بورشات العمل فهل الإقبال عليها من قبل السيدات يكون بهاجس قتل الوقت أم الرغبة بالتعلُم؟
• بل الرغبة بالتعلُم. ومنهن من تظهر عليهن المفاجأة عندما يكتشفن مواد متيسرة بين أيديهن يجهلن استخدامها. يفرحن للغاية عندما ينجزن شكلاً جميلاً وببساطة. على سبيل المثال نستخدم في بعض أعمال إعادة التدوير المقدح الصغير الذي يستخدمه طبيب الأسنان. للوهلة الأولى تخشاه النساء، وسريعاً يتعاملن معه بثقة تامة. ومن الإيجابيات التي لاحظتها خلال ورشات العمل التزام النساء التام بالمواعيد من البداية إلى الختام، مع تميزهن بالهدوء.
○ الشغف بالتعلُّم هل يختلف تبعاً للعمر؟
• قد تتفاجئين من ملاحظتي بأن السيدات اللواتي تخطين عمر الـ40 هن أكثر التزاماً وإصراراً واسيتعاباً.
○ كنحات ومهتم بإعادة التدوير متى برأيك يصبح لدينا فن في الشارع يمكننا تأمله ملياً؟
• من دون علم مني عُقد في مدينة بعلبك مُلتقى للنحت، وإذ بصديق من بيروت يبلغني به. أسرعت برفقة طفلتيَ لزيارته. كان ملتقى رسم وفن ونحت شارك فيه فنانون من العالم. وبعد انتهاء المعرض عملت بلدية بعلبك لتوزيع الأعمال في المدينة. أمنيتي أن ينتشر الفن في الشارع كما في مدينة عالية على سبيل المثال لا الحصر.
○ والختام؟
• لبنان استقبلنا واتمنى أن أترك فيه بصمة. كما أتمنى أن تعود سوريا بخير لأعود إلى وطني وأترك بصمة كذلك قبل أن يحين موعد الرحيل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية