المدرب وحيد حاليلوزيتش
الرباط- “القدس العربي”: قبل 24 ساعة فقط، بدا للعديد من المثقفين والمبدعين وحملة القلم، أنهم اختاروا الطريق الخطأ وساروا في درب البؤس، وهم يتأملون الرقم “الخيالي” الذي تم ترديده في العديد من المنابر الإعلامية، ويتعلق بالمبلغ الذي ناله مدرب كرة قدم أشرف على المنتخب القومي المغربي في فترة زمنية محدودة، وصار من أصحاب الملايين وهو يغادر منصب ربان سفينة المنتخب بالتراضي.
حملة القلم صاروا يحلمون بالقدم، وأن يداعبوا الكرة، عوض الانكباب على الفكر والتدريس وخلافه من المهن التي تحتاج إلى عقل أكثر من جسد. فقد بدا لهم أن المستقبل في الملاعب أفضل من نظيره في مدرجات الكليات بمختلف شعبها وتخصصاتها، وأن يكون الواحد منهم حارس مرمى أو مدافعا أو مهاجما أو مدربا، أفضل بكثير من أن يكون صاحب مؤلفات أو أطروحات أو مدرسا يؤهل الكوادر المستقبلية للأفق.
لكن الرقم الخيالي الذي تردد بخصوص مبلغ التراضي للانفصال عن المدرب وحيد حاليلوزيتش، لم يبت سوى ليلة واحدة، حتى سارعت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم إلى نفي ما تردد، وتصحيح المعلومة التي بدت أنها مثل فتيل نار كاد أن يمسك في تلابيب يوميات مواقع التواصل الاجتماعي، ويضيف إلى ما تأجج سابقا من محروقات، زيت تبذير المال العام على مدرب لم يعط ما كان متوقعا منه من طرف المغاربة.
الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، سارعت إلى تعميم بيان مقتضب لكنه يحمل أكثر من معنى، حيث أوردت فيه مبلغ التعاقد مع المدرب المذكور.
وذكرت في البيان أن “الرقم المالي الذي يتم تداوله هو من وحي الخيال وبعيد كل البعد عن الحقيقة”، وعادت لتؤكد أن الانفصال عن وحيد حاليلوزيتش كان بالتراضي، وهو ما أوضحته في بيان هذا الطلاق الكروي بين ناخب ونخبة.
الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تنفي ما يتردد في بعض وسائل الإعلام بخصوص المبلغ المالي الذي توصل به مدرب المنتخب الوطني وحيد حاليلوزيتش عقب الإنفصال عنه و تؤكد توصل المدرب البوسني براتب ثلاثة أشهر بناء على العقد الذي كان يربطه معها، والذي لا يتجاوز 80 مليون سنتيم شهريا (بلاغ) pic.twitter.com/J4HbC8jDsX
— Arryadia TV (@arryadiatv) August 20, 2022
وللمزيد من التوضيح، أفادت الجامعة أن وحيد حاليلوزيتش “توصل براتب ثلاثة أشهر بناء على العقد الذي كان يربطه معها، والذي لا يتجاوز 80 مليون سنتيم شهريا (حوالي 76944 دولار أمريكي) كما تم الإعلان عنه سابقا في الندوة التقديمية”.
ولم يفت الجامعة التعبير عن استغرابها من “الترويج لمثل هذه الإشاعات”، التي اعتبرتها “مغرضة”، كما أنها “لا تمت للحقيقة بأي صلة في هذا الوقت بالذات، والمنتخب الوطني مُقبل على المشاركة في نهائيات كأس العالم بقطر”.
هو حديث مبطن عن التشويش على استعدادات المنتخب المغربي لنهائيات كأس العالم، وفي ذلك وجهت كلامها إلى المنابر الإعلامية لتهيب بها “التحري في صحة الخبر من المصدر الرسمي، وألا تنساق وراء اشاعات مغرضة لا أساس لها من الصحة”.
الحقيقة، إنها المرة الأولى التي تسارع فيها الجامعة إلى إصدار بيان بهذه السرعة لتفنيد خبر “لا أساس له من الصحة”، والمسألة ليست محض اجتهاد أو رغبة طارئة في التواصل وكشف التفاصيل، فالحق يقال إنها دأبت على ذلك، لكنها في العديد من المناسبات كانت تبقي تفاصيل الاتفاق والتعاقدات مع المدربين كنوع من الأسرار التي لا يمكن لأحد كشفها، ونتذكر جميعا راتب أحد المدربين الذين تعاقبوا على المنتخب المغربي مثل غريتس وبعده رونار، الأول تضاربت الأرقام بخصوص راتبه حتى تحول إلى أسطورة رغم ضعف أدائه، والثاني صنّف من بين أعلى الرواتب في إفريقيا، والحديث هنا عن زملائه من المدربين في كرة القدم والذين يقودون منتخبات القارة السمراء، وهو الحال نفسه مع وحيد الذي لم يغادر المنتخب وحيدا، بل برفقته شيك سمين هو عبارة عن مستحقات ثلاثة أشهر راتب نهاية الخدمة، كما بينت الجامعة ذلك من كونه يتماشى وقانون الشغل.
بين 80 مليون سنتيم وخبر الرقم الخيالي الذي سرى في جسد الأخبار المحلية، مسافة زمنية كانت كافية لتثير الانتقاد، رغم أن البيان جنّب الجامعة سياطا من نوع خاص لو كان المبلغ صحيحا.
قبل الحديث عن النقد رغم بيان الجامعة، لنتحدث عما سبق من كلام غليظ وعريض حين تم الكشف عن غياب الجامعات المغربية، عن تصنيف شانغهاي.
أحد تلك الأحاديث هي تلك المفارقة القاسية والمخيفة التي تطرق إليها الأكاديمي المغربي محمد الشرقاوي، حين أكد أن الميزانية الموضوعة تحت تصرف جامعة كرة القدم لتدبير اللعبة فقط دون باقي الرياضات، تفوق ميزانية البحث العلمي بكل تخصصاته وفروعه بـ54 مرة.
نعتقد أن الرجل يعي ما يكتب وما يقول، والأرقام ليست للاجتهاد، بل هي حقائق لا متغير فيها، ومسألة الفرق بـ54 مرة عن البحث العلمي تجعل الباحث والمفكر، يفكر بالفعل أنه أصبح مجرد استثناء في الحياة. فالقاعدة هي كرة القدم وغيرها من الرياضات، كما هو الحال بالنسبة لأصحاب التدوينات الرصينة، لا مكان لهم في بحر التفاهة وقلة العقل.
ما قاله الشرقاوي يرتبط بحلم حملة القلم، وسيبقى واردا إلى أن يتغير شيء من ملامح الحياة الجديدة التي تريد أن تصبح صاخبة وملونة أكثر من عميقة وبليغة وذات رسالة.
ووفق تدوينة الأكاديمي الشرقاوي، فإن “هذا ليس سوء تدبير فقط، بل هي جريمة في حق الوطن، لأن الرهان على البحث العلمي هو رهان على مستقبل الوطن، بينما الرهان كل الرهان على كرة القدم بشكل مبالغ فيه، هو رهان لحظي عابر من أجل اقتناص فوز يغذي روح الوطنية المنفلت من الوعي بالمستقبل”.
وكالعادة، كان الفنان محمد الشوبي في موعد النقد الجريء، حين نشر تدوينة يعلق على صورة هي عبارة عن بيان الجامعة، وقال: “عندما لا تكون لديك مؤسسات شفافة وعندما يكثر لغط المواطن تتبرأ”، والإشارة مباشرة إلى تبرّؤ الجامعة مما تردد بخصوص مبلغ التراضي مع المدرب وحيد.
وكخاتمة لتدوينته التي كانت قاسية حين قال: “(تفو) على مؤسسات يقودها متحايلون على الشعب”، البصقة هنا رقمية ورمزية ومعنوية أكثر منها حقيقية، وهي لإبراز حجم المرارة في حلق هذا الفنان الصريح جدا.
لكن الصحافي رضوان الرمضاني لم يركب موجة النقد، بل تحسر على الطريقة التي ودعت بها الجامعة المدرب وحيد حاليلوزيتش. وقال في تدوينته: “كان واجبا على الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أن تودِّع المدرب وحيد بطريقة أفضل”. وأضاف: “الرجل، مهما اختلفنا حوله، قضى وقتا محترما مشرفا على الفريق الوطني، وحقق، مهما اختلفنا في التقييم، نتائج إيجابية.” وبالنسبة للرمضاني فـ”ما كان ينبغي أن يدخل المغرب من الباب ويخرج من النافذة”.
لكن التدوينة تلتها ردود، من بينها ما كتبه الفنان محمد الشوبي معلقا: “عندما خرج بكل تلك الأموال من دافعي الضرائب كان يجب أن يخرج من ثقب مرحاض بلدي”، رد صاحب التدوينة مدافعا أنه إذا أخذ المدرب المذكور أموالا ما، فقد حصل ذلك وفق القانون (السيد يلا خدا شي حاجة راه خداها بالقانون)، وهنا يعقب الشوبي: “طبعا قانون مالي، كريم مع الكل إلا مع مازوت المواطن وقفّته”.
الجدل سيتواصل، وبيان الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم وضع النقاط على الحروف، لكنه لم ينه جمل التأويل وصور الذاكرة التي لا تحتفظ لوحيد حاليلوزيتش بأي إنجاز يستحق معه أي تعويض سواء ما تردد من المبلغ الخيالي أو ما تأكد رسميا عبر البيان.