ثمة ضجة واضطرابات في دولة الأقزام. زعيم فلسطيني عجوز تحدث بصورة غير جميلة عن كارثتنا، هذا أمر غير سوي. الرئيس أدان، رئيس الحكومة وبخ، البديل غرد، وزير الدفاع أظهر الاستياء، السياسيون ثرثروا والمحللون تطاولوا. ما الذي يجب فعله أيضاً لإقناع شعب إسرائيل بأن محمود عباس ليس شريكاً. نفتالي بينيت حوله إلى منكر للكارثة ليربت على كتفه هو نفسه لأنه بصفته رئيساً للحكومة رفض الالتقاء معه للدفع قدماً بالمفاوضات.
المقارنة التي أجراها محمود عباس بين الكارثة وفظائع الاحتلال لم تكن إشكالية أكثر من أقوال نائب رئيس الأركان يئير غولان، في الاحتفال بيوم الكارثة في العام 2016، حول عمليات مثيرة للقشعريرة التي حدثت في أوروبا في القرن السابق. وهذا أمر لم يزعج بينيت في أن يعين غولان نائب وزير في حكومته.
لنفترض أن عباس كان سيحج إلى “يد واسم” وينضم إلى مسيرة الحياة ويقيم نصباً تذكارياً في المقاطعة لذكرى ضحايا الكارثة؛ فهل سيدعوه بينيت والأغلبية الساحقة من أصدقائه في حكومة التغيير إلى طاولة المفاوضات؟ في الخطاب الذي ألقاه عام 2014 في موعد قريب من يوم الكارثة، قال إن “الكارثة هي الجريمة الأكثر إثارة للاشمئزاز في التاريخ الحديث”. ورداً على ذلك، قال رئيس الحكومة في حينه، بنيامين نتنياهو، بأن إسرائيل لن تجري مفاوضات مع السلطة الفلسطينية. وحتى يوافق بنيامين نتنياهو على منحه صفة الشريك، التي سيكون من خلالها قادراً على الحديث عن ضم معظم الضفة، مطلوب من عباس أن يكون الزعيم العربي الوحيد الذي سيعترف بإسرائيل كدولة يهودية، يهودية فقط.
لنفترض أنه سيتم تشكيل حكومة وسط – يسار في إسرائيل برئاسة يئير لبيد أو بني غانتس، تسعى إلى استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين، عن ماذا سيتحدثون معهم؟ أي تسوية سياسية يمكنهم عرضها على هذا الشريك، الذي سيتعاون معه جدعون ساعر الذي هو خريج شبيبة “هتحياه”؟ أي بؤر استيطانية غير شرعية سيخليها المستوطن افيغدور ليبرمان؟ كم من أعضاء الكنيست سيصوتون مع إقامة دولة فلسطينية مستقلة حتى على جزء صغير من الضفة الغربية؟
حتى يئير غولان الذي يتنافس على رئاسة اليسار، يقول بأنه لا يوجد مع من وعلى ماذا نتحدث، ويطالب بانفصال أحادي الجانب عن أجزاء صغيرة من الضفة الغربية. بالعبرية الدارجة في معظم البيوت في إسرائيل اليهودية، معنى هذه الأقوال “إدارة النزاع”، أو حسب أقوال ميخا غودمان “تقليصه”. حل النزاع إذا استخدمنا اللغة التي يتحدثون بها في المقاطعة، سينتظر إلى حين ولادة شريك فلسطيني يدعو عضو الكنيست (في القريب الوزير؟) إيتمار بن غفير على وجبة إفطار في رمضان. قبل ذلك ستتحول إسرائيل بصورة رسمية ونهائية إلى نظام أبرتهايد.
من كثرة “النبش” في أقواله عن الكارثة واحتفالية “لا يوجد شريك”، فإن وسائل الإعلام في إسرائيل تجاهلت أقوالاً مهمة قالها عباس في برلين. وحتى لا تقولوا “لم نعرف”، هاكم اختصارها: نحن مستعدون للعمل مع جميع الشركاء ذوي العلاقة للتوصل إلى سلام وأمن، من خلال الحرص على المقاومة الشعبية للاحتلال بالطرق السلمية، ورفض العنف والإرهاب. سنواصل الجهود للدفاع عن حل الدولتين على أساس حدود 1967 وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها شرقي القدس والسعي إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين. (لا توجد كلمة عن حق العودة).
في ظل غياب حل الدولتين، أنهى عباس أقواله، لم يبق للشعب الفلسطيني غير البحث عن حقوقه في دولة واحدة، مع حقوق متساوية للجميع. “هل هذا الذي تريده إسرائيل؟”، الأمر صعب علينا. في دولة سليمة، هذا سؤال يجب أن يرفرف على كل لوحة إعلانات ويدوي في كل بث انتخابي. في دولة الأقزام، في المقابل، ضجة وصخب. الجيش يرتدي الزي الرسمي وينطلق إلى الحرب.
بقلم: عكيفا الدار
معاريف 23/8/2022