كلما اقتربنا من لوحات الفنان عاصم عبد الأمير، نشعر بأن طفولتنا ستعود قريبا، بواسطة أدوات فنه وخربشات طفولته المستعادة، وهذه واحدة من مكوناته الصعبة التي حققها عبر اجتهاده دون توقف عن الرسم، على الرغم من انشغاله بالدرس الأكاديمي، وتوثيق أصول الفن العراقي المعاصر، لاسيما انطلاقته من فهم الدرس الكبير والشائك للفنان الخالد جواد سليم، وإن الدرس الذي حققه الفنان عاصم عبد الأمير في مسك أكثر من رمانة يانعة في اليد، يستحق المعاينة والمتابعة، لأن تحقيق الوصول إلى النقد المميز والرسم كذلك، غاية لا تدرك بسهولة، لاسيما مع التهمة بأن النقاد عبارة عن رسامين من الدرجات الدنيا في النتاج الفني لذا ذهبوا نحو النقد بكامل ما يملكون من خبرة.
اقتربت من اشتغالاته ومعرفة مزاجه في القراءة والغناء وأناقة الحديث والتوافق الناجح بين الحياة والفن، فلا تكاد تجد تناقضا في سلوكه الحياتي والفني، فهما متوافقان حد التتويج في الإبداع وفي النظرة لعالم الطفولة.
تبدأ اللوحة عند عاصم جهاد بالتخطيط المفصل وتوزيع المساحات بتوازن واضح ومن ثم تأتي الألوان، لكل شكل مستقل، وإن تمت تغطية اللوحة بالكامل، فإنه يعود ثانية لإعادة أشكاله إلى السطح، في عبث طفولي حتى تتحول اللوحة بسطحين، الأول تحتاني مندغم بين التخطيط وألوانه الطاغية. والثاني عائم فوق السطح المرئي، وكأنه يذكرنا بعدم فقدانه للعبة الفن التي تطمح للبقاء في البراءة المانحة للفن عفويته ودهشته الأولى. وإن من المدهش أن ترى «ناشطا نقديا» ويحلو لي إطلاق هذه الصفة لما يملكه من ولع في متابعة الحياة الثقافية بتنوعاتها المتشعبة، وملاحقة الدرس الأكاديمي بعيدا عن الرتابة، ويرسم بعفوية تاركا كل ما يحمله من مثاقفة كبيرة مع الأجناس الأدبية والفنية، وحقول النقد ومساربها الشائكة، لذا فهو الفنان الرسام أولا، ومن ثم الناقد الذي لم يهجر أدوات مشغله الفني. وتشير أغلب رسومه إلى عشقه الأبدي لفن جواد سليم المبتكر، لا بتتبع الأثر حد المطابقة، بل العيش في محيط المدرسة البغدادية، رغم نشأته الريفية بخضرتها ومساحاتها المفتوحة، التي تحولت عنده لاحقا إلى انطباعات بريشة سريعة تعطينا ملمحا من رؤية غابرة إلى حياة أولية، إلا أنه يستل منها طفولته، عارضا إياها في لوحاته بأحجام كبيرة نوعا ما، حتى تبدو أحيانا وكأنها رسوم على الحائط بالطباشير، وهذا يدفعنا إلى مؤثر آخر للراحل شاكر حسن آل سعيد الذي أشبعه عبد الأمير درسا نقديا فاحصا، إن الفنان عاصم عبد الأمير يزاوج بين ذائقته الانطباعية، وانحيازه للفن الذي يحب، واضعا إياه في إطار نقدي علمي، وهذا المسعى الفني الخالص ينعكس كله في نتاجه الفني بعالم الرسم، ما يجعله سائحا بين المدارس الفنية، هاربا من سياجاتها المقيدة، رغم انه يستعمل رموزا لا تخطؤها العين في لوحاته عبر عمر فني واضح من تشكيل جماعة الأربعة (الراحل محمد صبري، فاخر محمد، عاصم الأمير، حسن عبود) إبان ثمانينيات القرن الماضي.

حقق التشكيلي عاصم عبد الأمير امتيازا جماهيريا في تتبع أثر المدرسة البغدادية في رموزها وخطوطها اللينة البسيطة، ومزج الكثير ممن سبقوه أو عاصروه في الانتماء لهذه المدرسة، بأهلتها ووجوهها المدورة وحركاتها الناعمة، وفق مكان أليف بشبابيك وأقواس، تدخل من خلالها الذائقة إلى روح بغداد، بعيدا عن الإسمنت وقوالبه الخانقة. لا يتعب المتتبع نقديا لدرس عاصم عبد الأمير في معرفة أصول وتكونات رموزه، وهذا ما تتيحه تخطيطاته في خطوطها اللينة واكتناز جسد الأنثى، التي تدور حولها قطة الإغواء، وهنا يمكننا معرفة المدرسة البغدادية برشاقة حضور جواد سليم وإنشاء الحكاية، وامتلاء جسد لوحات ماهود أحمد، وتكوينات فيصل لعيبي، إن تخطيطات الفنان عاصم عبد الأمير تدخلنا في متاهة التأثر والتأثير، والاستيعاب والتمثل، إضافة إلى الانفلات إلى ساحة التفرد بثيمات مقصودة، وسياحة فنية لينة بعيدة عن التكلف.
وحتى في ذهابه نحو النحت فإنه يبدو مقتصدا في تكوين نصب من ثلاث حركات متعاكسة، وكتل منحنية بعناية متناسقة وفي رموز علوية لطائر صغير يقف على المنحوتة، وكأنه يحاكي وجوده الطبيعي للوقوف على نخلة عراقية في فضاء مفتوح. وهنا نتحدث عن تمثاله في سمبوزيوم بابل، الذي لو أتيح له المكان المناسب لتمكن من الحضور الفني الجماهيري في صورة أنسب.
مسيرة فنية حافلة بالإنجاز النقدي الثر، والنتاج الفني المتنوع للفنان الأمير تستحق أكثر من وقفة في سفر الفن التشكيلي العراقي المتميز.
كاتب عراقي
