شهدت الآونة الأخيرة موجة تطبيع لبعض الدول العربية مع سوريا، إلا أن تلك السياسات لم ترتد سلبيًا على الثورة السورية وشعبها، ولكن الحراك التركي الرسمي الأخير تجاه التقارب مع النظام السوري، كان أشد وقعا على السوريين من أي حراك إقليمي مماثل. ولعل مرد ذلك لأسباب عديدة منها احتضان تركيا للسوريين وثورتهم طيلة السنوات الماضية، وتبنيها المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري وحتى الإنساني، ما جعلهم في حالة من الاستقرار السياسي رغم عدم أي إحراز أي تقدم حقيقي في قضيتهم.
كذلك ساهم التواجد التركي في الداخل السوري ببعض الارتياح للسوريين في نزوحهم القسري على يد قوات النظام المدعومة من طهران وموسكو، وهو ما جعل من وقع التصريحات التركية تجاه الجنوح نحو توسعة النقاشات مع دمشق صادما للسوريين في الداخل، ومحفوفا بالمخاطر بما يخص ملايين السوريين الحاصلين على الحماية المؤقتة في تركيا، خاصة مع ارتفاع الخطاب بحقهم في الداخل التركي من قبل معظم الأحزاب التركية بما فيها المخططات الحكومية لإعادة نسبة منهم إلى الداخل السوري وفق سياسة «العودة الطوعية» ارتباطا مع التطورات المتواترة حول العلاقات بين أنقرة ودمشق، وما ستحمله تلك السياسات مع نتائج سلبية تجاه قضية اللاجئين السوريين ومخاوفهم.
المواقف تتغير
لا شيء يبقى ثابتا في السياسة، وأي مواقف جديدة فيها لا بد أنها ستكون مصحوبة بمتغيرات في الجوانب الأخرى من الإنسانية إلى الاقتصادية فالدبلوماسية، فتركيا التي تستعد للعام المقبل الذي سيشهد انتخابات رئاسية في البلاد، تتنافس الأحزاب فيها لتعزيز حضورها في الداخل وحتى الخارج، ويعد ملف اللاجئين السوريين من أكثر الملفات الساخنة تداولا بين الساسة الأتراك.
فرغم اختلاف مشاريع كل من الأحزاب التركية، إلا أن غالبية سياساتهم تلتقي عند نقطة ضرورة إرجاع السوريين إلى بلادهم لتخفيف الاحتقان الداخلي، وفتح صفحة جديدة مع النظام السوري لأسباب متنوعة، ورغم التأكيدات الحكومية على ضرورة العودة الآمنة والسالمة للسوريين إلى مدنهم وقراهم، إلا أن مخاوف السوريين تبلغ ذروتها في الوقت الراهن، فيما يرى باحثون أن هذه مجرد بداية فقط، فالأشهر المقبلة ستكون أقسى على السوريين أكثر من أي وقت مضى.
الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، قال يوم الجمعة، 19 آب/أغسطس الجاري، إنه يتوجب الإقدام على خطوات متقدمة مع «النظام السوري» من أجل إفساد مخططات في المنطقة، مؤكدا التزام بلاده بوحدة الأراضي السورية.
جاء ذلك في تصريحات أدلى بها للصحافيين على متن الطائرة خلال عودته من زيارة أوكرانيا التي أجراها الخميس، وأضاف اردوغان حسب وكالة «الأناضول»: «ليست لدينا أطماع في أراضي سوريا، والسوريون أشقاؤنا ونولي أهمية لوحدة أراضيهم، يتعين على النظام إدراك ذلك».
وأردف: «يتوجب علينا الإقدام على خطوات متقدمة مع سوريا يمكننا من خلالها إفساد العديد من المخططات في هذه المنطقة من العالم الإسلامي» ولفت الرئيس إلى أنه بحث تطورات الشأن السوري مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما مؤخرا في مدينة سوتشي.
كما أعرب اردوغان عن أمله في صياغة دستور سوري جديد بأسرع وقت خلال الفترة المقبلة، والإقدام على خطوات في سبيل حل الأزمة السورية، ولفت إلى أن تركيا تتحمل العبء الأكبر في قضية اللاجئين حيث تستضيف قرابة 4 ملايين لاجئ سوري.
وتساءل: «لماذا نستضيف هذا العدد من اللاجئين، هل لكي نظل في حالة حرب باستمرار مع النظام (السوري)؟ لا، بل بسبب روابطنا مع الشعب السوري ولاسيما من حيث قيم العقيدة، والمرحلة المقبلة ربما ستحمل الخير أكثر» وقال إن الحوار السياسي أو الدبلوماسي لا يمكن التخلي عنهما تماما بين الدول، و«يمكن أن تتم مثل هذه الحوارات في أي وقت ويجب أن تتم».
تصريحات الرئيس التركي جاءت بعد أيام فقط من صدمة أحدثها وزير خارجيته مولود تشاووش أوغلو، عندما فاجأ الوزير الحاضرين في مؤتمر السفراء الأتراك في أنقرة في 11 آب/أغسطس الماضي بكشفه عن «لقاء خاطف» بنظيره السوري، فيصل المقداد، على هامش اجتماع «حركة عدم الانحياز» في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وهو ما يعتبر أول اتصال دبلوماسي بين تركيا والنظام السوري منذ عام 2011.
انهيار الاستقرار وتفكك الأسرة
مدير تجمع المحامين السوريين غزاون قرنفل، اعتبر أن فكرة ترحيل السوريين من تركيا بما يترتب عليها من مجاهيل كثيرة قادمة وانهيار فكرة الاستقرار هي أولى المخاوف وبالتأكيد ليست آخرها، فثمة عوائل يعاد تفكيكها بسبب ترحيل جزء من العائلة، وربما هناك خسارات كبيرة لمصادر الأرزاق وهناك تشرد جديد، مئات الأزمات ربما صار البعض ينظر بسببها إلى الموت كمخرج نجاة.
السوري، وفق ما قاله قرنفل لـ«القدس العربي» قد استنزف معنويا ونفسيا، وصار أكثر توترًا بسبب هذه الحملات الموجهة ضده والاستثمار غير الأخلاقي لقضيته كلاجئ في بازارات السياسة.
مرجحا ارتفاع وتيرة الهجرة الشرعية وغير الشرعية في الفترة المقبلة، مشيرا إلى حثه للسوريين على التماس ملاجئ آمنة لأنفسهم في أي أرض يستطيعون الوصول إليها، معللا ذلك بان مصير السوريين في تركيا قد أصبح واضحا تماما، وأن أي حكومة ستأتي ستلقي بهم خلف حدودها بصرف النظر عن الصيغة والآلية ولن يبقى في تركيا إلا بالكاد ربع مليون إلى نصف مليون سوري في أحسن الأحوال.
معتبرا أن التضييق على السوريين في تركيا بدأ عقب خسارة الحزب الحاكم في أنقرة وإسطنبول في الانتخابات الماضية، والتي اعتبر خسارته لهما بسبب محاباته للاجئين السوريين، مشيرا إلى أن حملة الترحيل العشوائية بدأت أواخر 2019 وهذا ساعد المعارضة التركية أكثر على استثمار ملف اللاجئين في خطابها التسعيري ضد الحكومة، ما رفع وتيرة خطاب الكراهية والسلوك العنصري، وكل ذلك جاء مع أزمة كورونا وأزمة اقتصادية طاحنة ألقت حمولاتها على اللاجئين السوريين.
معتبرا أن الحلول قد انتهت فعلا، لأن كل الأطراف التركية حسمت خيارها بالتخلص من عبء اللاجئين السوريين، مشيرا إلى أن الإقدام على مثل هذه الخطوة لن يغير من المعادلات الاقتصادية والانتخابية في تركيا، بل سيكون له مردود أكثر سلبية على الأقل اقتصاديا، على اعتبار أن تركيا سوف تخسر دفعة واحدة مليونا من اليد العاملة الرخيصة تشغل قطاعات لا بأس بها، وأن الكثيرين من أصحاب رؤوس الأموال سيغادرون طوعا إلى بلدان أكثر ترحيبا بهم وأقل تضييقا عليهم.
السوريون بأمان رغم التطبيع
عضو مجلس نقابة محامي حماه الأحرار، المحامي عبد الناصر حوشان، يرى أن مصالحة تركيا مع النظام السوري، خارج إطار مسار عملية الحل السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، لا يعني السوريين ويبقى شأنا سياديا من أعمال سيادة الدولة التركيّة.
أما فيما يخص تأثير هذا التحول على اللاجئين السوريين، فهو وفق ما قاله حوشان لـ «القدس العربي»: لن يغيّر من الوضع العام للاجئين السوريين في تركيا على اعتبار أن التصريحات الرسمية تركّز على طوعية العودة، أي للاجئين الخيار في العودة من دون إكراه.
ومن ناحية ثانية كل هذه المناورة من جانب تركيا، تأتي في سياق تمرير الوقت حتى انتهاء الانتخابات لتتوقف ساعتها التهديدات أو المخاوف من الخسارة لتعود حكومة العدالة والتنمية للتعامل مع قضية اللاجئين من مصدر قوة «تجديد البيعة» أو الثقة التي تلزم المعارضة باحترام القيم الديمقراطية.
وفي حال فوز المعارضة التركية أيضا لن يتغيّر الوضع على اعتبار أن تهديدات الأمن القومي التركي ما زالت قائمة، بالتالي سيكون القرار لمجلس الأمن القوي في تحديد العلاقة مع النظام السوري وشكلها ومستواها.
إضافة إلى ذلك، قضية اللاجئين قضية أساسية من قضايا الحل النهائي في سوريا لا يستطيع أحد وضع حلول منفردة لها لأنها ستزيد مآسي السوريين.
وقال المحامي حوشان لـ«القدس العربي»: علينا أولا الحفاظ على توازننا والتعاطي بحكمة وصبر مع موجة العنصرية وهي حالة طارئة تتكرر عند كل استحقاق انتخابي تعود عليها السوريون، كما أنها تتركز في منطقة محددة هي مناطق صراع حزبي شديد، في حين أن المناطق البعيدة تكاد لا تذكر حوادث العنصرية، وبقدر صبر السوريين وتوازنهم نستطيع الخروج من هذه الأزمة بأقل الخسائر.
معتبرا أن التنسيق بين الحكومة التركية والمعارضة السورية للحد من العنصرية تجاه السوريين في تركيا، تتطلب جهودا من قبل الجميع، أفرادا- وجماعات- ومنظمات مجتمع مدني ومؤسسات رسمية للمعارضة والتعاون والتنسيق فيما بينها في وضع برامج مدروسة للتعامل مع أزمة العنصرية من خلال ورشات عمل مشتركة سورية-تركية ونشاطات إعلامية مشتركة وندوات اجتماعية-سياسية.
في حين أن الباحث محمد الفقير، كتب عبر حسابه في مواقع التواصل الاجتماعي: «لا جديد فيما يطرح بالنسبة للتفاهمات الروسية التركية حول عودة اللاجئين والحوار مع دمشق، إلا التسريبات التركية عن اقتناع تركي بالمقاربة الروسية للعودة واعتبار الحوار مع دمشق مفتاح نجاح هذه المقاربة».
المقاربة الروسية ليست جديدة والتبني التركي للمقاربة الروسية يعني أن تضيف تركيا مقاربتها للعودة بنودا أساسية في مقاربة روسيا تتمثل بعودة المهجرين إلى مناطق خاصة في محافظاتهم الأصلية ضمن مناطق سيطرة النظام، تحقق شروطا معينة، المقاربة الوطنية السورية للعودة ما تزال غائبة، هي مقاربة عنوانها عودة كريمة آمنة وطوعية ومستدامة كل إلى موطنه ومحافظته وحارته وملكيته التي أخرج منها ضمن بيئة آمنة متكاملة.
وزير الداخلية سليمان صويلو أعلن من جانبه، خلال لقاء على إذاعة «NTV» ان هناك 3 ملايين و650 ألف لاجئ سوري في تركيا، وأن 60 إلى 70 في المئة من السوريين يقولون إنهم يريدون العودة إلى بلدهم في حال أصبحت هناك عودة آمنة.
ووفق الوزير التركي، فقد تم بناء 62 ألف بيت في إدلب حتى اليوم، وسيبلغ الإجمالي 100 ألف و800 منزل حتى نهاية العام، ولضمان تنفيذ خطة عودة مليون سوري، يجري بناء أكثر من 200 ألف منزل في شمالي سوريا.