في روايتها «صباح 19 أغسطس» تعقد ضحى عاصي نوعا من المشابهة بين سياقين مختلفين تجمع بينهما الشخصية الرئيسة في الرواية، من خلال توزعها في الانتماء إلى أب مصري من قرية من قرى محافظة المنيا، وأم روسية. في هذين السياقين تتأسس رؤية أيديولوجية لها دور لافت في التأثير على تجلي الحدث وتشكيل الشخصيات التي جاءت وفق سنن سردي محدد، يتوافق مع الرؤية المطروحة ويشارك في إنتاجها، هذه الرؤية المشدودة للثبات والاستمرار في البحث عنه لتحقيقه، وللنفور الدائم من المتغيرات التي تحدث سياسيا واجتماعيا، وتظل في انتظار عودة هذا الثبات الذي يكفل لها الهدوء، حتى لو كانت هذه العودة تتجلى في شكل رمزي، يشير إلى الوجود السابق المستقرّ قبل شبح المغايرة الجزئية التي لم تفلح في بناء أساس لاستمرارها.
في ظل إطار زمني محدد يتوزع اهتمام الرواية إلى سياقين، يبدو السياق الأول الخاص (بروسيا) بعد تفكك الاتحاد السوفيتي سياقا مهيمنا وأساسيا، ولكن آلية اشتغال الرواية من خلال هذا التركيز على السياق الأول لا تكفّ عن الإشارة إلى السياق الثاني الخاص بمصر في ظل الإيمان بتأويلات لمجمل المتغيرات السياسية والاجتماعية من بداية التسعينيات من القرن الماضي حتى 2011، و2013م. فهناك في السياق الأول مرتكزات زمنية بداية من عنوان الرواية (19 أغسطس) الذي يعيدنا إلى الانقلاب الفاشل لغلاة الشيوعية 1991، في إدانتهم لسياسات الانفتاح نحو الغرب التي انتهجها غورباتشوف، من خلال البيريسترويكا وتعني إعادة الهيكلة، والغلاسنوست وتعني الشفافية، ومرورا بفشل هذا الانقلاب بعد يومين من الشهر ذاته، وانتهاء باستقالة غورباتشوف في الخامس والعشرين من نهاية العام نفسه، لتبدأ مرحلة التفكك والحركات الانفصالية في الازدياد.
تبدو كاملة الإسناوي الشخصية الرئيسة في كل حالاتها نموذجا للتمسك بالثبات وكراهية التغيير الذي يزلزل التراتب المستقرّ والمعهود، فهي في السياقين تكشف عن هذا المنحى، فهي تتمسك بفكرة الاتحاد السوفيتي القديم، وتنفر نفورا شديدا من تحول هذا الكيان الكبير بفعل الانفصال والحروب المتوالية إلى روسيا، فهناك إشارات واضحة على التباين الواضح في موقف البشر بين الموافقة على الانفصال أو البقاء داخل أسرة رسلان (زوجها الذي ظن الجميع أنه توفي في حربه ضد الشيشان، ولكن يتمّ أسره، ويحميه دينه الإسلامي من القتل، ليتحول في النهاية إلى إرهابي ويدخل مصر في فترة حكم الإخوان).
من خلال المعرفة الممتدة للسياقين، والرؤية الكاشفة لملامح البلدين في تحركها في إطارهما تتأسس توازيات وإجابات لفوضى التفكك والسيولة، ولكن أهمها تلك التنظيمات الدينية، مثل (العرب الأفغان) الذي تحوّل وأصبح (تنظيم القاعدة)، حيث وضعت هذه التنظيمات – انطلاقا من محددات دينية وسياسية – على عاتقها محاربة (الكافر الشيوعي) المتمثل في الاتحاد السوفيتي، وقامت بأعمال عسكرية وانتحارية. ولكن الأهم – في منطق الرواية- ليس هذا الحدث القديم الذي تحوّل إلى تاريخ، ولكن الأهمية تتشكل في السياق الثاني، وفي قدرته على تفادي هذا المصير المأساوي، وعودته إلى صلابته القديمة، بالرغم من التغيير الجزئي البسيط.
التوجيه السردي
يلحّ التوجيه السردي فاعلا حين تطل الأيديولوجية في خلفية العمل محرّكة كل جزئيات العالم الروائي، فالشخصيات جزء من العالم الروائي، وكل إضافة سردية تتعلّق بشخصية تؤسس بالتدريج من عالمه ومن تكوينه وتاريخه ومساحات اهتمامه وتوجهه، فهذه الإضافة تمارس نوعا من توجيه الشخصية أو الحدث في دلالته في التأسيس والتسويغ لفكرة يتمّ البناء أو الاتكاء عليها، وقد ظهر ذلك في نص الرواية واضحا في بناء الشخصية، وفي تدرج السرد من خلال الحدث.
التوجيه أقرب إلى التهيئة الجزئية المستمرة لتقبّل النهاية، أو على الأقل حتى لا يشعر القارئ أنها نابية أو تشكل نتوءا، بل تمّ التاسيس لها سابقا، فبناء الشخصية بناء كاملا أقرب ما يكون إلى بنية استعارية ممتدة، والتوجيه هو وجه الشبه الخفي الذي يظل حاضرا في تشكيل وإضافة دائمين، أو هو وجه الشبه الذي يتكوّن مع كل لقطة أو حدث للشخصية الروائية. فهذه التوجيهات الخاصة بالشخصية بوصفها نموذجا، من خلال الصفات المسدلة عليها، وتشكيلها من خلال الحوادث الصغرى تمثل جداول صغيرة تتجمع في النهاية للبوح والكشف عن النسق الفكري للرواية.
والشخصية في ظل التوجيه السردي لا تطلّ بوصفها فردا، وإنما تطلّ بوصفها إشارة إلى قطاع عريض تمثله وتشير إلى وجوده، فعمر المحامي والحقوقي وابن عمة كاملة الإسناوي يشير إلى قطاع عريض لا يكفّ عن الحلم ضد سطوة واقعية داهمة، فيتشكل له بالتدريج وضع خاص، فيصبح شخصا ليس له قدرة على الفعل أو التأثير، هو فقط يراقب الأحلام في أسى شفيف. فعمر نموذج للشخصيات الطامحة، ولكنها تقابل بواقع جامد يصيبه بالخذلان، فحافظ على نفسه بهذا الوجود الباهت الذي صنعه لنفسه. الشخصيات هي المدخل الأساسي للتوجيه السردي من خلال خلق وتشكيل نماذج بشرية تسهم في التدليل على الفكرة، ومنها في نص الرواية شخصيات تنتمي إلى دول أخرى، تظهر بشكل عابر، ولكنها مؤثرة من خلال الإيمان بالفكرة التي تتعاظم على الحدود الوطنية والسياسية المعهودة، وتأتي هذه التوجهات بوصفها شرايين مغذية للحدث وللفكرة، خاصة في الثورة المصرية، ففي لحظة شحوب الوجود الشبابي الغض لصالح الانتماءات الدينية، ظهرت وجوه أجنبية، فيما اصطلح على تسميته باسم (جمعة قندهار) التي كشفت عن أناس بملامح غريبة، حملوا لافتات ذات انتماءات تتعاظم على الانتماء الوطني المصري.
فقيمة الفن تتمثل في تغييب الأيديولوجي حتى لا يطل بشكل مباشر، وتقديمه من خلال حوامل دالة كاشفة عليه، فوجود (فرحات) و(الشيخ أخمت) في علاقتهما بزوجها الهارب (إنجل)، ليس له دلالة سوى الكشف عن هذا المنحى وتشكيله، من خلال توالي الإشارات الكاشفة عن ارتباطهما بمستر فيكتور ومستر إدوارد اللذين تقدمهما الرواية بوصفهما – بعيدا عن الوجود الرسمي – مهربي سلاح داخل مصر من إسرائيل.
ولكن هذه التوجيهات ما كان لها أن تؤدي غرضها الدلالي والأيديولوجي لو لم يكن هناك خطوط تواصل بين الشخوص، ففي نص الرواية بعد أن يعود رسلان في صورة جديدة من خلال مسعود يلماز التركي صاحب أكبر شركة سياحة في مصر في وجوده المعلن، يتبدى بالتدريج علاقته بأخمت وفرحات، من خلال قوله (لقد كان أخمت مولاليتش محقا عندما قال إنك امرأة حادة الطباع، ويصعب ترويضك)، ويشير إلى وجودهم المتغلغل قائلا (كاملة أنت ما زلت ساذجة بالرغم من كل مايشاع عنك، إنها المرة الأولى في مصر، لكن لي في كل دولة رجال وأعمال).
طرائق السرد والتحولات
في نص روائي مملوء بدفق آني لا يزال في حيز الدرس والتأمل والمراجعة تؤدي آليات السرد وطرائقه وظائف مهمة، تتعلق برصد البنيات والشخصيات التي تنقلب ضد يقينها السابق فتتحول إلى طريق مضاد ومغاير. ففي كل فصول الرواية هناك سيطرة للراوي العليم، ولم تعط الرواية سلطة لبعض الشخصيات للتحكم في منطق السرد من خلال ضمير المتكلم إلا لشخصيات أساسية مثل كاملة الإسناوي في الفصل الأول، ولعمر في جزء من الفصل السابع، ولرسلان أو مسعود يلماز في الجزء الثاني من الفصل الثاني والعشرين.
هناك توزع محدود بين متكلم وغائب، أو بين ذاتي وموضوعي، الأول يدور حول رؤية الذات في تأسيس عالمها المشدود إلى سرد تصاعدي موجه ببنية قائمة على الارتداد أو التذكر أو الاختيار المحسوب لصالح العملية الفنية والبناء السردي. أما الغياب أو الراوي العليم فإنه ينطلق متجليا بعيدا عن الذات متحررا منها، ليؤسس رؤية متعالية تتعلق بالمجموع، وترتبط بعالم كلي إجمالي، يضع الجميع – ومنها الذوات المسرود عنها – داخل حيز السرد، فتصير جزئية من كون روائي يحتوي على جزئيات عديدة.
وقد يشعر القارئ في بعض الأحيان أن الوعي بالضمائر ونوعية الراوي في روايات ضحى عاصي يحتاج إلى وقفة، لأن هناك تداخلا، ولكن في هذه الرواية يأتي التداخل أقلّ حدة، عما جاء في روايتها السابقة «غيوم فرنسية»، وهذا التحوّل ربما يكون مبررا، للإشارة للتعبير الذاتي المباشر دون رؤية متعالية فوقية، يمثلها ويؤسسها الراوي العليم الموضوعي، فيتركنا النص وجها لوجه لمعاينة نتيجة التأهيل والتحويل والتكوين لشخصية رسلان، فيظهر من خلال هذا السرد الذاتي طبيعة إيمانه بالفكرة، وحالة الانتشاء بالعمليات التي يقوم بها.
لكن مدارات التحول تبدأ في الظهور، من خلال المقارنة- بعد وقوعه في يد أعدائه- بين الإسلام والشيوعية، ففكرة المقارنة ظلت حاضرة بعد الأسر، وقد ترك تكوينه الداخلي الإسلامي القديم أثرا في الاختيار لجانب دون آخر، بالإضافة إلى فكرة الشهادة، فنراه يقول (بما أن الموت حتمي، إذا متُّ مع هؤلاء فربما أنال الشهادة مثل الذين سمعت عنهم في طفولتي، أما إذا متُّ مع السوفيت فماذا أنال؟). فالحديث عن الشيوعية والإسلام والمقارنة بينهما من الأفكار الرائجة في نص الرواية، خاصة بين فكرة التراتب الطبقي التي يقرّها الإسلام، وفكرة المساواة في حق التملك التي يقرّها الفكر الشيوعي، وهذه من الأفكار التي بدأت تهزّ يقينه بالشيوعية والاشتراكية، وبدأت بوادر الشك تتزاحم حول عقله لتفتيت إيمان ظل موجودا وملازما له طوال حياته الماضية.
وثمة جزئية لافتة للانتباه في مقاربة هذا الصحفي للسياق العالمي وتحولاته، تتمثل في غياب أسماء الشخصيات التي يتحدث عنها، وهي شخصيات تنتمي إلى جنسيات مختلفة، فغياب الأسماء- في قوله صديقنا الأردني، أو صديقنا الفلسطيني أو صديقنا الكوبي- إشارة مهمة إلى خلو هذه التحديدات من القيمة والمغايرة، فهو تحوّل كلي يصيب كل بلدان العالم بسطوة لافتة، ولا تملك الذوات الفردية قدرة لمواجهته، سوى أن تتحرّك حسب رياحه القوية، فغياب الأسماء كاشف عن غياب القدرة، وغياب التمايز، وكاشف أيضا عن حتمية الأثر الذي يصيب الجميع ويحركهم. ولكن التحول الأكبر يرتبط بالأصولية والسلفية التي أصبحت ظاهرة عالمية تستدعي توسيعا لطبيعة المفاهيم، فاللحية- في منطقه- ليست شرطا لتكون سلفيا، من الممكن أن تكون سلفيا، وأنت ترتدي أحدث الملابس العصرية، وتركب أفخم السيارات.
ضحي عاصي:
«صباح 19 أغسطس»
الدار المصرية اللبنانية، القاهرة 2022
239 صفحة.