«الفن تعويض عن انعدام التوازن في الواقع» بهذه العبارة الموجزة يشير الرسام الهولندي موندريان (1872- 1944) إلى طبيعة العلاقة التي تحكم الفن بالواقع، وإلى صعوبة فك الاشتباك بينهما، وأن الفن سيبقى تعبيرا حيويا عن حاجة حقيقية داخل الإنسان تولد معه وتلازمه طيلة مسيرته لتعميق صلاته بالواقع والآخرين والأشياء. وطالما أن التحديات لن تنتهي أمامه فإن الحاجة إلى الفنون ستبقى تفرض وجودها وبقوة على الفرد والمجتمعات، باعتبار الفن أبرز الأدوات التي لابد من الاستعانة بها للإجابة على الأسئلة الوجودية الملحة، ولأنَّه رافد حيوي من ضمن روافد أخرى، يمنح الإنسان الخبرة التي يحتاجها في مواجهة ما يعترضه من عتمة ووحشة في دروب الحياة، وحتى في الفنون التي عادة ما تغيب عنها الموضوعات المباشرة التي تمس الإنسان وتتجاوز في معالجاتها الشكلية والأسلوبية حدود الواقع الملموس، فإن الفنان في نزعته هذه يسعى أيضا إلى عالم أكثر جمالا وعدلا ومنطقا وإنسانية من الواقع، وهو في مغامرته هذه يتطلع إلى فضاء من الحرية أوسع مما هو مرسوم له في الحياة الواقعية، والمحصلة النهائية لهذا التمرد على الواقع، ما هي إلاّ توق كبير من قبل الفنان، معبَّر عنه بالألوان والمساحات والأشكال المجردة لاحتواء العالم ولتأكيد قوة العلاقة التي تربط الذات بالموضوع، والأنا بالآخر، والفن بالواقع.
من هنا سيكون أمرا لا جدوى منه الحديث عن إمكانية الفصل بين الفنان وما يحيطه.
ودافع هذه المقدمة التي تعيد طرح أسئلة تقليدية وبديهيات حول العلاقة بين الفن والحياة الإنسانية، الخبر الذي لفت انتباهي على صفحات فيسبوك، خلال الأيام الماضية، حيث جاء في مقدمته: «انسحاب رسامين عراقيين من معرض بألمانيا احتجاجا على عرض صور لمعتقلين في سجن أبو غريب».
ربما كان اهتمامي بالخبر يعود إلى أن صياغته جاءت مشوّشة ولم تعزز وضوح الفكرة، وقد يكون سبب ضعف صياغة الخبر أن رواد مواقع التواصل الاجتماعي يبحثون عن أخبار خفيفة وسريعة، وأكثر ما يجذبهم الأخبار التي تنبعث منها رائحة فضائح تطال ساسة وشخصيات فنية مشهورة ونجوم السوشيال ميديا. وكان لابد من أن يستوقفني الخبر لان محتواه غريب ومستفز في آن، ما يستدعي تحليله والوصول إلى خلفياته.
اعتقدت بأن موقف الرسامين العراقيين يأتي تعبيرا عن ارتفاع منسوب شعورهم الوطني إزاء أبناء بلدهم، ورفضا لما ارتكبه الجنود الأمريكان من انتهاكات صارخة بحق المعتقلين في سجن أبو غريب عام 2004. وهي فضيحة كبيرة أحدثت ضجة في وقتها، بعد أن سرَّب أحد الجنود الأمريكان عددا من الصور تظهر وحشية الأساليب التي يتعرض لها السجناء العراقيون من قبل الجنود الأمريكان. لكنني وجدت موقف الرسامين جاء رفضا للفنان ولوحته. وهنا مبعث الغرابة والصدمة في موقفهم، لأنه وحسب زعمهم، أعاد إلى الذاكرة ما وقع في السجن من انتهاكات.
بعد جولة في المواقع الإلكترونية الإخبارية بحثا عن الحقيقة، اتضحت الصورة أكثر وزال الإلتباس، وسرعان ما تولد في داخلي شعور غاضب ضد الرسامين العراقيين المحتجين، وعادت بي الذاكرة إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، عندما لعبت المخابرات الأمريكية دورا لم يعد خافيا على أحد في دعمها الكثير من الإصدارات الأدبية والأنشطة الثقافية والفنية التي يقف خلف إقامتها مثقفون وفنانون يساريون، من بينهم شعراء وكتاب عرب كانت لهم مكانتهم المهمة في الترويج للحداثة في حقول الأدب والشعر والفن.
وكالة الاستخبارات الأمريكية لم يقتصر ميدان عملها على السياسة والاقتصاد، بل تعدى ذلك ليمتد إلى حقول الثقافة والفن، ومن هنا عملت على إقامة مؤسسات ثقافية وفنية في العديد من بلدان العالم منها دول عربية، وقد تطرزت بواباتها بعناوين جذابة، كان لها فعل السحر في استقطاب المثقفين والفنانين خاصة من كانت اشتغالاتهم تدور ضمن فلك الحداثة، وليس بالضرورة أنهم كانوا على دراية ومعرفة بحقيقة وجوهر التمويل من حيث أبعاده وتداعياته الايديولوجية على المدى البعيد في البيئة الثقافية والاجتماعية. وما زالت الاستخبارات الأمريكية تمارس هذا الدور عبر منظمات ومؤسسات ثقافية كان لها الفضل في تمويلها وتأسيسها، فتوزع دعمها على أنشطة متنوعة، ابتداء بالمهرجانات مرورا بإصدار مجلات أدبية مهمة، وتقديم منح وجوائز للكتاب والمثقفين، خاصة من يمتلكون رصيدا وحضورا في إطار فضاءات الحداثة.
يأتي هذا الاهتمام من قبلها بالأنشطة الثقافية والفكرية، خاصة في البلدان التي تدخل ضمن المجال الحيوي لسياستها الخارجية، تعبيرا عن إدراكها التام بأن نجاح ستراتيجيتها السياسية لن يتحقق بالمستوى الذي تطمح إليه إذا لم تخلق مناخا ثقافيا عاما، يهيئ الأرضية ويمهدها لزرع أفكارها ومشاريعها. بمعنى أنها تعمل على إحداث تغيير وتحول في اتجاهات الفكر العام، من خلال اعتمادها على القوى الناعمة في تلك البلدان، بذلك هي تعمم أفكارا محددة وبالاتجاه الذي تريده، فلاجدال في أن المثقفين والفنانين أفضل وسيلة لتحقيق عالم يصطبغ بايديولوجية واحدة يريدها الأمريكان .
ما وراء الخبر
تفاصيل الخبر تشير إلى أن الفنانين العراقيين كانوا ضمن المشاركين في المعرض التشكيلي المقام بألمانيا، وانسحابهم جاء احتجاجا على عرض لوحة في محطة قطارات هامبورغ، باعتبارها- أي المحطة- إحدى مواقع بينالي 12 المقام بألمانيا في شهر حزيران/يونيو الماضي، واللوحة مثار الجدل تعود للفنان الفرنسي جان جاك ليبل، البالغ من العمر 86 عاما، حاول فيها أن يظهر عمليات تعذيب تعرض لها معتقلون عراقيون في سجن أبو غريب من قبل أفراد في الجيش الأمريكي، وقد منحها عنوان «السُّم القابل للذوبان، مشاهد من الاحتلال الأمريكي لبغداد».
والفنان الفرنسي ليبل اشتهر بتفاعله مع الأحداث ويرتبط بعلاقات وثيقة بالمشهد الأمريكي، كذلك باعتباره كاتب نظرية فنية، وهو نجل روبرت ليبل (1901- 1986) الناقد الفني والصديق المقرّب لمارسيل دوشاماب (1887- 1968) أحد أبرز رواد الدادائية والسريالية وكان شاعرًا ومترجمًا وناشرًا وناشطًا سياسيًا وجامعًا ومؤرخًا للفنون. وقد أقام ليبل الأبن معرضه الأول عام 1955 في كاليري نوميرو في فلورنسا بإيطاليا، ثم انتقل بعد ذلك ليعرض أعماله في متاحف وصالات مختلفة حول العالم.
وأثناء إقامة المعرض في حزيران/يونيو الماضي أشار مقال نشره موقع صحيفة «برلينه تسايتونغ» إلى أن «عرض اللوحة في البداية لم يثر ردود أفعال قوية، ربما بسبب مشاهدة هذه الصور منذ أعوام على كثير من المواقع، وربما أن الصور الآتية من سوريا وأوكرانيا قد دفعت بمثل هذه الصور إلى النسيان». وأضاف المقال «لكن النقاش ظهر إلى السطح بعد اعتراض فنانين مشاركين في البينالي، من بينهم قادر عطية أحد أعضاء فريق البينالي وهو فنان فرنسي من أصل جزائري، إضافة إلى ريجين ساحاقيان، وهي فنانة عراقية الأصل كانت قد عبَّرت هي الأخرى عن اعتراضها في رسالة مفتوحة وموقعة من قبل 15 فنانا، احتجاجا على ما اعتبرته ساحاقيان إساءة إلى كرامة الإنسان، حيث اعتبرت عمل ليبل، بمثابة «إعادة إنتاج قاسية لجرائم المحتل». إلاَّ أن الرَّد الذي جاء من إدارة البينالي على رسالة الاحتجاج كان قويا، ما بدد حالة الغموض والتدليس التي بدا عليها موقف الفنانين العراقيين إن «المعرض ليس للمتعة الفنية، بل يمكن أن يناقش قضايا سياسية صعبة، فالصور التي نشرت لحرب فيتنام أصبحت وسيلة مناهضة للحرب من أجل إيقافها».
تلاعب بالألفاظ أم بالقيم؟
يبدو موقف الرسامين العراقيين غريبا ولا يتسق مع شخصية الفنان من الناحية الأخلاقية على الأقل، ومع وظيفته القائمة على مواجهة كل ما يستهدف حرية التفكير والتعبير، خاصة عندما يتعلق الأمر بطبيعة العلاقة التي تجمع الفن بالواقع، ومجمل القضايا التي تتعرض فيها حياة الإنسان وكرامته وآدميته إلى الإذلال والانتهاك والتدمير، بغض النظر عن الجرم الذي ارتكبه، فكيف إذا كان الجاني قوة أجنبية غازية ومحتلة؟ وما صدر عنهم أبعد من أن يكون تعبيرا عن حرية الرأي، إن لم يكن إساءة صارخة لمفهوم الحرية، وأرى أن الموقف الذي انزلقوا إليه يفتقر إلى المبررات المنطقية إنسانيا وفنيا.
لاشك في أن القدرة التي يمتلكها الفنانون والمثقفون في التلاعب بالألفاظ، تُمكِّن بعضهم من ممارسة التدليس وتضليل الجمهور، فليس أسهل من صياغة جمل بشكل ساحر وجذاب، ما ينتج عنها تثليم وتحييد للثوابت الإنسانية في نفوس العامة.
موقف الرسامين في قصدياته يدعونا ضمنيا بدون أن نشعر إلى ان نصطف خلف وعيهم الذي انحرف بعيدا ناحية الشمال، من بعد أن يرسخ فينا الاعتقاد، أن التغاضي عن جريمة شنيعة مثل جريمة سجن أبو غريب والكف عن تناولها فنيا، سيكون بمثابة عقوبة رادعة للمجرمين وإنصافا للضحايا، كما أن الايمان بقدرة الفنون على تعرية ما يتعرض له الإنسان من قهر وتدمير يعد بمثابة «إعادة إنتاج قاسية لجرائم المحتل».
إن الفنان والإنسان لن يكتمل وجوده وحضوره الإنساني إلاّ عبر التواصل والتفاعل مع تجارب الآخرين، وهذا الفهم التكاملي للعلاقة مع العالم، لا يتفق مع ما جاء في خطاب احتجاجهم المنمَّق، وفي مقدمتهم ريجين ساحقيان، هذا إن لم ينسجم مع ثوابت المحتوى الثقافي للسياسة الأمريكية.
السؤال الأهم في هذا الموضوع: هل السكوت عن الجريمة أجدى في تعرية وإدانة من يقف خلفها أم الاستمرار في رفع الصوت عاليا ضدها؟
لابد من الإشارة إلى أن فضيحة سجن أبو غريب كانت قد ألهمت عددا من الفنانين الأجانب فقدموا لوحات مؤثرة، منهم على سبيل المثال الكولومبي فرناندو بوتيرو الذي قدم أكثر من 60 لوحة تناولت كوابيس التعذيب التي تعرض لها السجناء العراقيون، كذلك الرسام الأمريكي جينس بورك .