دفع الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ أكثر من 15 عاماً، المواطنين البحث عن طرق وبدائل لسد العجز الحاصل في السلع، نتيجة منع إسرائيل إدخال البعض منها، حيث تعمل العديد من المصانع في غزة على إنتاج المصنوعات البلاستيكية، من خلال استغلال بقايا المخلفات البلاستيكية، ومن أبرز الاستخدامات التي سجلت نجاحاً حقيقياً إنتاج البنزين والسولار من خلال عملية حرق البلاستيك بعدة خطوات، ومن ثم الحصول على سولار وبنزين يستخدمه سكان غزة دون أي ضرر في تشغيل مركباتهم وبأقل تكلفة، وذلك لسد العجز في ظل تحكم إسرائيل في الكميات التي تدخل القطاع إضافة إلى سعره المرتفع.
وتمكن أنس الكفارنة من سكان مدينة بيت حانون شمال قطاع غزة، من إنتاج السولار والبنزين من خلال إعادة تدوير بقايا النفايات البلاستيكية، واستغلالها بعد عملية حرق بمعدات وأجهزة بدائية، في الحصول على المحروقات الصالحة للاستخدام، والتي يمكن من خلالها سد مشكلة ارتفاع أسعار المحروقات في غزة والتي بات المواطن يئن منها، حيث تعتبر عملية الإنتاج هذه الأولى على مستوى فلسطين.
وتعد النفايات البلاستيكية من المواد الاستراتيجية في قطاع غزة، حيث تدخل في كثير من الصناعات المهمة، وتشهد محطات جمع النفايات نشاطاً ملحوظاً من انتشار للشبان والأطفال الذين يتواجدون بشكل يومي على مقربة من المكبات المنتشرة في شوارع غزة، للبحث بين أكوام النفايات عن قطع بلاستيكية من أجل بيعها لمكابس تعمل على تنظيفها وفرمها، ومن ثم بيعها لمصانع تعمل بدورها على إعادة تدوير هذه القطع في صناعات مختلفة، وينتج قطاع غزة أكثر من 700 طن يومياً من المخلفات الصلبة من بينها 250 طناً من النفايات البلاستيكية، يتم ترحيلها يومياً من خلال طواقم البلدية إلى تجمعات النفايات المنتشرة على طول الحدود الشرقية لقطاع غزة، والمخلفات من البلاستيك يتم تجميعها من قبل شبان وأطفال، يعملون بأجور زهيدة لإعادة تدويرها من قبل شركات ومصانع متخصصة.
وتقوم عملية تدوير النفايات في غزة على مبادرات فردية من بعض الشباب، وفي العادة كانت المصانع العاملة في القطاع تستخدم البلاستيك الخام المستورد في الصناعات المختلفة، لكن مع ارتفاع سعره نتيجة الضرائب المفروضة عليه، بدأ أصحاب المصانع التفكير في بدائل من خلال استغلال البلاستيك المستخدم وإعادة تدويره، وهذا منح الشاب الكفارنة تجربة إنتاج المحروقات من المخلفات البلاستيكية.
وتعتمد فكرة إنتاج المحروقات من البلاستيك، على فصل جزيئاته التي يتم الحصول عليها من قبل عمال يقومون بجمعه، ومن ثم إدخاله في وعاء حراري كبير تصل فيه الحرارة إلى 350 درجة مئوية، وتستغرق مدة حرق كمية البلاستيك المدخلة ما يقارب من 10 ساعات متواصلة، ليتم الحصول بعد ذلك على الشحمة البلاستيكية، التي تتحلل ويتم تحويل البخار الناتج عنها إلى وقود مسال، يصلح استخدامه في تشغيل جميع أنواع الماكينات التي تعمل بالوقود.
من جهته يقول صاحب المشروع أنس الكفارنة (33 عاماً) إن «فكرة إنتاج المحروقات من البلاستيك، جاءت من خلال متابعة تجارب مشابهة في إحدى الدول الأوروبية، حيث بدأنا بتطبيق الفكرة باستخدام مخلفات البلاستيك الأقل تكلفة في إنتاج المحروقات، والتي أثبتت نجاحها بعد أن عملت برفقة إخواني على إجراء تجربة للمشروع على مدار الأشهر الماضية للخروج بنتائج إيجابية، وذلك بعد أن قمنا بإجراء تجارب على ماكينات تعمل بالسولار والبنزين، وأعطت نتائج سليمة بعيداً عن أي مشاكل بالمحركات».
وأشار لـ«القدس العربي» إلى أنه ينتج من مشروعه ما يقارب من 800 لتر يومياً من السولار والبنزين، وهذه الكمية قابلة للوصول إلى نسبة أكبر بكثير من ذلك، وهذا يعتمد على كمية البلاستيك المتوفرة، فنتيجة لتوجه الكثير من أصحاب المصانع للحصول على القطع البلاستيكية المستخدمة الأقل تكلفة مقارنة بالمستوردة، فإن ذلك تسبب بقلة وفرة الكميات التي يتم جمعها بشكل يومي.
وبين أن ما يميز مشروعه هو استخدامه لكافة أنواع المخلفات البلاستيكية التي يتم تجميعها بشكل عشوائي من مكبات النفايات، على اختلاف الصناعات البلاستيكية الأخرى مثل الأدوات المنزلية التي تدخل في إعداد الطعام، والتي يتطلب فيها استخدام مواد بلاستيكية خام مستوردة عالية الجودة، لا تحتوي على شوائب ومواد كيميائية خطيرة كالتي تجمع من النفايات.
وأوضح أن هناك اقبالا كبيرا على شراء المحروقات التي ينتجها من قبل أصحاب الدراجات النارية ومراكب الصيد بكافة أحجامها، ويعود هذا لجودة المنتج في تشغيل المحركات بأداء ممتاز من دون أي ضرر، إلى جانب انخفاض تكلفة البيع والتي تصل إلى دولار أمريكي واحد، مقارنة بالمحروقات التي تباع بالمحطات والتي تصل إلى دولارين ونصف أمريكي.
في غضون يقول الصياد محمد أبو جراد إن السولار المنتج محلياً يتم استخدامه منذ أكثر من شهر للمركب بدون أي ضرر، حيث بدأ عدد كبير من الصيادين التوجه لشرائه، كونه يساهم في التوفير مادياً خاصة لأصحاب القوارب الكبيرة، الذين يحتاجون إلى ما يقارب من 350 لترا من السولار يومياً، وهذا يعد مكلفا.
وأضاف لـ«القدس العربي»: «كنت خلال الفترة الماضية أخصص أياما محددة للخروج بالقارب إلى الصيد، بسبب ارتفاع سعر السولار والذي لا تسد رحلة الصيد تكلفته، نتيجة قلة الأسماك في بحر غزة وضيق مساحة الصيد بقرار إسرائيلي، ولكن بعد وفرة السولار الذي ينتج محلياً ويباع بأسعار منخفضة، أصبحت أخرج للصيد بشكل شبه يومي».
وأوضح أن المواطن في غزة يعاني بالدرجة الأولى من ارتفاع أسعار المحروقات، وتكلفة وسائل النقل المحلي لارتفاع سعر البنزين والسولار، إضافة إلى رفع الباعة أسعار العديد من السلع لتعويض كلفة المحروقات التي يستخدمونها، ومثال على ذلك الصيادين الذين يعوضون تكلفة ارتفاع أسعار المحروقات برفع أسعار بيع الأسماك، لذلك وفرة إنتاج السولار والبنزين المنتج محلياً سيعود أيضاً بالنفع على المواطن.