أحداث أمس في الضفة الغربية، التي ستحظى كما يبدو بذكر خاطف في معظم الصحف، توفر نظرة على معركة كثيفة بقوة زائدة، الخفية تقريباً عن العيون في ضوء الاهتمام الإعلامي المحدود بها. أصيب بنار فلسطينية مواطنان إسرائيليان في نابلس تسللا إلى المدينة بدون مصادقة للصلاة في قبر يوسف. وغير بعيد من هناك، في قرية روجيب، سلم مطلوبان تحصنا في بيت، أنفسهما وأدارا تبادلاً لإطلاق النار مع مقاتلي “يمام” وجنود الجيش الإسرائيلي لبضع ساعات.
هذه الأحداث تضاف إلى توجه واضح في الضفة، الذي بدأ تقريباً في موجة عمليات إطلاق النار والطعن التي حدثت بين آذار وأيار الماضيين. بعد عدة عمليات قاتلة داخل حدود الخط الأخضر، زادت قوات الأمن عمليات الاعتقال والتمشيط في شمال الضفة، في منطقة جنين، وبعد ذلك في منطقة نابلس أيضاً. الدخول إلى المناطق الفلسطينية، بالأساس إلى مخيمات اللاجئين ومراكز المدن، ووجه بمقاومة متزايدة بالرصاص الحي. مؤخراً، أضيف عامل جديد، تقلص في العقود الأخيرة، وهو تحصن المطلوبين في مبان أو في شقق سرية ويرفضون تسليم أنفسهم ويديرون تبادلاً لإطلاق النار مع الجنود ورجال الشرطة.
الحادثة الأكثر بروزاً جرت في نابلس في 9 آب عندما أدار المطلوب إبراهيم النابلسني معركة طويلة مع رجال “يمام” إلى أن قتل. في أحداث داخل المدينة قتل في اليوم نفسه أيضاً فلسطينيون بالنار الإسرائيلية. النابلسي الذي اشتهر بفضل عمليات إطلاق النار التي تفاخر بها في الشبكات الاجتماعية، تحول إلى بطل محلي. وفي ساعات ما قبل موته، أرسل تسجيلات عبر “الواتسآب” يودع فيها عائلته وطلب من أصدقائه مواصلة النضال ضد إسرائيل.
في هذا الأسبوع، في حادثين في روجيب وقبل ذلك في بلدة قباطية في جنوب جنين، اختار مطلوبون التصرف بصورة مشابهة، ولكنهم في نهاية المطاف سلموا أنفسهم بعد تبادل شديد لإطلاق النار، الذي كانت ذروته إطلاق صواريخ مضادة للدبابات من جانب القوات الإسرائيلية التي قامت بالحصار. في قباطية نشر المطلوب أفلاماً توثق إطلاق النار داخل البيت قبل أن يستسلم ويعتقل. في نابلس، في نهاية تموز، وحتى قبل موت النابلسي، قتل مطلوبان في ظروف مشابهة.
في ذروة الانتفاضتين وبينهما أيضاً، في التسعينيات، كان للجيش والشاباك وحرس الحدود أسلوب ثابت باسم “وعاء الضغط”: تطويق بيت فيه مطلوب مسلح، ودعوته للاستسلام، وبعد ذلك استخدام وسائل مكثفة “إذا رفض”، وإطلاق الصواريخ وأحياناً حتى هدم البيت على المطلوب بواسطة جرافة. حدثت في الضفة والقطاع مئات الأحداث المشابهة، وقتل أكثر من مرة جنود فيها بصورة أثارت انتقاد الجيش بسبب ما وصف بإعطاء تعليمات مقيدة لإطلاق النار. ولكن في الـ 15 سنة الأخيرة، استخدم هذا الأسلوب بصورة مقيدة نسبياً، لأن المطلوبين فضلوا تسليم أنفسهم وعدم المخاطرة في معظم الحالات. الآن، بسبب الأجواء العامة في الضفة، وربما بسبب المثال الافتراضي الذي وفره النابلسي، يبدو أن الأسلوب القديم قد عاد.
هذا التوجه يضاف إلى ارتفاع عدد عمليات إطلاق النار. المطلوبون الذين تم اعتقالهم في قرية روجيب، متهمون بإطلاق النار على مسؤول الأمن في مستوطنة “شفيه شومرون” الجمعة الماضي. طلب السلاح يزداد، وفي إطار ذلك تجري سلسلة عمليات إسرائيلية تم فيها إحباط عمليات تهريب للسلاح عبر الحدود الأردنية، رغم أنه يمكن الافتراض بيقين بأن قسماً من السلاح ما زال يهرب بنجاح.
كل ذلك يحدث على خلفية ظواهر واسعة، وربما أكثر أهمية. سيطرة السلطة الفلسطينية وأجهزة أمنها ضعيفة، خصوصاً في مخيمات اللاجئين وقرى شمال الضفة. نشطاء ميدانيون لفتح، أعضاء التنظيم، يعملون بشكل حثيث ويتحدون صلاحيات السلطة الفلسطينية. في مخيمات اللاجئين وفي المدن تعقد تحالفات محلية بين نشطاء الجهاد الإسلامي ونشطاء حماس مع أعضاء فتح، حيث تأمل المنظمات الإسلامية أن يحول احتكاك متزايد مع إسرائيل إلى جانبهم أيضاً عدداً من رجال الأجهزة مع السلاح الكثير الذي بحوزتهم. وفي الضفة، مثلما في قطاع غزة، ينتظرون الوقت الذي يستقيل فيه الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أو يمرض، بصورة تفتح المعركة رسمياً على الوراثة التي تجري الآن بالأساس من وراء الكواليس.
السلطة الفلسطينية تنحرف بذلك مرة أخرى عن التزاماتها في أوسلو عن الحفاظ على حرية العبادة لليهود في المواقع التي تم الاتفاق عليها مسبقاً. وحتى الآن، لا يجب تجاهل عدم المسؤولية للمصلين أنفسهم. وتحولت عملية الدخول المنظمة إلى استعراض للقوة السياسية من قبل حركات اليمين، حيث تحتاج كل عملية تأمين كهذه إلى جهود كبيرة من جانب الجيش، وتسهم في تأجيج النفوس بمنطقة نابلس. ليس بالصدفة أن قام عدد من القادة السابقين للمنطقة الوسطى بانتقاد هذا الإجراء مؤخراً.
الرأي الذي يجمع عليه كبار قادة الجيش والشاباك ومكتب منسق أعمال الحكومة في “المناطق” هو أن الضفة الغربية آخذة في التدهور إلى واقع عنيف، على نحو يومي تقريباً. مكانة محمود عباس ضعيفة، وحكومة لبيد – بينيت – غانتس تعرف أن تقديم بادرات حسن نية اقتصادية أو سياسية قد تهدئ النفوس ولو قليلاً، لكنها تخشى من أن ينظر إليها كيسارية وانهزامية في الصراع أمام الليكود. الفوضى في الضفة قد تشتد وتتدهور مرة أخيرة إلى داخل حدود الخط الأخضر قبل الانتخابات، حتى بصورة يمكن أن تؤثر على نتائجها.
بقلم: عاموس هرئيل
هآرتس 31/8/2022