هذا عنوان مجموعة شعرية للأستاذة الدكتورة بشرى البستاني من جامعة الموصل بالعراق. والقصائد مجموعة من الصور الواقعية لما جرى في العراق أثناء الغزو الأمريكي عام 2003. وهي ليست صوراً من صنع الخيال، بل هي مما عاناه العراقيون وتصوِّره الشاعرة بلغة مدبّبة الحواف، حتى ليكادَ القارئ يسمع أصوات انفجار القنابل ويشم روائح الحرائق ويرى القتلى والمصابين في شوارع المدينة من الرجال والنساء والأطفال ويرى البيوت تتهدم على من فيها.
«دبّاباتُ الغزو تدور/تُسائلني الأسلحةُ العزلاءُ عن السرّ/ وأسألُها عن نَبض الفجرِ/ وأجثو عند خزائن بغداد وآشور…» فالشاعرة تتمسك بالحضارة، فهي سليلة بغداد وآشور، والبلاد التي فاجأها الغزو هي الأسلحة العزلاء.
«الكابوس يعاودني… أسأل… عن سرّ الجبل الصامت في قلب الصحراء.»
أين هم العرب ؟ وأين ذهبت الحميّة العربية؟
«دبّاباتُ القتلِ تدور… ثانية يوغل هولاكو في قمصان المُدن التعبى».
هل هذا تحرير من ديكتاتورية حاكم أم غزو وحشي للنهب والسلب وتهديم الحضارة؟
«دبّابات الغزو تدور/فوق الدبّابة زنّارٌ مقطوع» هو زنّار الحبيبة أخذه العاشق ذكرى من الحبيبة. «عطرٌ صحراوي يتدحرج في المنعطفات/تلاحقه العربات». فالغزاة يتابعون كل أثرٍ فيه عطر الصحراء النفطي، لأن هذا ما يسعون إليه في هذه الحرب. «فوق الدبّابة دجلةُ لوحٌ من طين/وغبار الحزن أنين…/» وهذا لوح من الألواح السومرية سرقه الغزاة من المتحف العراقي لأنه صورة من حضارة لا يفقهون منها شيئا، ولكن هذا اللوح الطيني قد يباع بمبلغ ضخم في أسواق العاديات والآثار القديمة في أوروبا. «دبّابات الغزو تدور/فوق الدبّابة منديلٌ لحبيبَين التقيا/وسط عُباب القصف/وتحت النيران/» الحب أقوى من الموت وأقوى من الحروب، لأنه أساس الحياة كما ترى العاشقة. «ضمّيني قال لها/فانهمر البَجَع الأبيضُ من عينيها/وتوارى الغيم». ولم يَعُد للموت من معنى عندما يحضر الحُب.
وقد يبدو من القراءة الأولى لهذه القصيدة الأولى، في هذه المجموعة، أنها شعر تفجُّع على ما حل بالبلاد جرّاء هذا العدوان الأمريكي. ولكن من المهم ملاحظة الإهداء في المقدمة: «إلى وردٍ عراقيٍّ سيطلع». وهذا الإهداء يشبه «كاسر الأمواج» أمواج الحزن الذي تثيره القصيدة، فعند قراءة أوصاف التدمير والموت في المدينة وفي البيوت التي تتلقى القنابل والصواريخ تبرز من بين السطور كلمات ذلك الإهداء الذي يتأمل بجيل جديد من الشباب من أهل البلاد، يتجرّد للانقضاض على الغزاة وينتقم لضحايا الوطن. أولئك شباب شهدوا ما حل ببلادهم ولا يمكنهم السكوت على ما حدث، فهم لم يعودوا أطفالاً مثل ما كانوا أيام الغزو، بل صاروا شباباً قادرين.
صُور الحب والحرب في هذه القصيدة تستمر في التنوّع، وتبرز بشكل جديد كلما امتدت سلسلة صور الحرب والموت، كما يتغير الوزن بتغيّر التفعيلة تجنّباً للرتابة في إيقاع أوزان القصيدة. إيقاع تفعيلة فَعِلُن تتجسم في صورة حركة الدبّابات السريعة: «حول الدبّابة يَعتركُ الرُكبانْ/ جاءَت../ ذهَبت/ دخَلت/حَرِنَت» وتتوسع صورة قُبح الحرب والخوف من سرعة تنقّل الدبابات: «وتدلّى من ثقب الشمس حِصانٌ مَيِّتْ/صهوته سدّت وَجهَ الشرق/ووَجهَ الغرب». هذه صورةٌ «مَكابْر» كما يقول أصحاب النقد الغربيون، وهي صفة تستعصي على الترجمة الدقيقة، ولو أن ثمة من يقول إنها مُشتقة من الكلمة العربية «مقابر» كناية عن الصوَر المرعبة التي يتخيّلها المرء عند مروره بين المقابر، وأنا لا أجد هذا التفسير مقنعاً، فلنترُك الصفة على حالها لتوحي بالرعب الذي يتخيله المتخيِّلون.
ولكن «فوق الصهوة» من هذا الحصان المريع «كانت ومضةُ عينكَ تدعوني/ لوليمة حُب». حتى في هذا الرعب لا يغيب الحب؟ وكأن الشاعرة تريد أن تذكِّرنا دائما أن الحب أقوى من الموت. ولكن ما زالت «دبّابات الغزو تدورُ/ شواطئُ دجلة غبراءُ/السمكُ الميِّت يعلو ضِفتها/… تبكي دجلةُ في قلبِ الليل/… وقلبُ الليل/ينزِفُ أندَلُساً أخرى/وفلسطين/تطلع من عين غزالٍ/زنبقةً تُطفئها الشمس». هنا تستذكر الشاعرة ضياع الأندلس والخوف من ضياع فلسطين وتتخيل في رُعب ضياع بلد آخر حبيب على قلبها. ويبقى التداخل بين الحب والحرب متواصلاً على امتداد القصيدة ويرتفع الحُب عن المستوى الشخصي إذ يتداخل مع حُب الوطن، وهذه هي السِمَة الغالبة في القصيدة. ونجد هذا التداخل في أغلب القصائد الأخرى للشاعرة.
وعنوان «أندلسيات» قد يوحي بما يروى عن أمّ آخر الخلفاء الأندلسيين التي قالت له: أبكِ مثل النساء مُلكاً مُضاعاً /لم تُحافظ عليه مثل الرجال. وأحسب أن هذه الرواية قد تكون موضع شكوك. لكن التأسّي على ضياع الأندلس عليه أكثر من دليل في كتابات الأندلسيين أنفسهم من شعر وكتابات تاريخية. وربّما كانت قصيدة «جادكَ الغيث إذا الغيث همى/يا زمانَ الوصل بالأندلس» هي من أكثر الأمثلة تعبيراً عن الحزن والتأسّي. ولكن ليس في هذه القصيدة الحديثة أي أثر للحزن السوداوي أو التفجّع المراسيمي. بل إن هذه القصيدة تحتفل بالحُب على المستوى الإنساني الأوسع الذي لا ينال من قوّته خطر الحرب ولا احتمال الموت نفسه.
وثمة نقطة يجب أن لا تغيب عن البال عند قراءة هذه القصيدة، وأمثالها في المجموعات الأخرى، وهي المعالجة البارعة لاستعمال التفعيلات في بناء قصيدة التفعيلة في الشعر العربي الحديث. فقد ترسّخ هذا الأسلوب منذ أن نادت به الشاعرة العراقية الكبرى نازك الملائكة في عام 1947. هنا نجد كلمة واحدة، على وزن تفعيلة واحدة، تعبِّر عن الصورة أو الفكرة دون الحاجة إلى كلمة أخرى، أو تفعيلة أخرى. مثال ذلك في هذه القصيدة حركة الدبّابات السريعة أثناء الغارة الأمريكية الوحشية: جاءَت/ذهَبت/رجَعت/حَرِنت: فَعِلُن وحدها تقوم بالمهمة، كما سبقت الإشارة إليه. واللحن الرئيس في هذه القصيدة هو الندب، ولكنه ندبٌ مهذّب، فهو حزنٌ شخصي وشامل في الوقت نفسه:
«أصحو في الفجر على صوت الإطلاقاتِ
الُمُّ شظايا العتمة فوق سريري
يتساءل طفلٌ في شُرفة قلبي
عما يفعله الأمريكي على البوّابات…
جُرحي… تلفَحه الشمسُ العربيةُ
ينخُره الدودْ
بيكاسو يرسم جرنيكا أخرى …
يرسم بغداد طريحة أقدام الغوغاء …
ألواح متاحف بغداد بكفّ الريح
والثور الآشوري الباسم مرتعبٌ
غادر مُرتبكا / وبكى…
في أركان المتحف والمنعطفاتْ/كانت قيثاراتْ
سومرَ تعزف لحن الحزن… الجندي الأمريكيْ
يطلق نارا فوق جبين صبيْ/منتفخ الصدرْ
سقط الطفل ببركة دم…
إذ فكّوا صدره
كانت أرغفة الخبز
تنزف تحت قميصه»…
ويقولون إنها حربٌ لتحرير البلاد من الطغاة بإفناء العباد.
بعد هذه المعرفة أيّان الغُفران! يقول ت.س.إليوت.