طرابلس ـ «القدس العربي»: بعد تأجيل انتخابات كانون الأول/ديسمبر الماضي إلى أجل غير معلوم، دخلت ليبيا في موجة انقسامات لم تتوقف. ففضلا عن وجود حكومتين تصر كل منهما على شرعيتها مقابل بطلان شرعية الأخرى، فقد تجاهلت السلطات الحديث عن الانتخابات رغم المطالبات المحلية المتكررة.
مجلس النواب ومجلس الدولة الليبيان ربطا الحديث عن الانتخابات بالنقاشات حول القاعدة الدستورية والتي فشلا في إيجاد أرضية للتفاهم عنها بعد تخاذل مجلس النواب وانسحابه في آخر لحظة خلال المناقشات.
وضع البلاد على الصعيد السياسي والأمني كان حائلا منطقيا منع المفوضية من إرسال رسائل إيجابية حرل الانتخابات حيث قالت المفوضية في بيان جديد لها أنها لم تستطع رفع «القوة القاهرة» التي حالت دون إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية نهاية العام الماضي، وعدم وجود أي تقدم بشأن رفعها بسبب الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد، مؤكدة أنها جاهزة لاستئناف العملية الانتخابية «حال توفر البيئة السياسية التوافقية، واستتباب الأوضاع الأمنية».
وضمن بيان أصدرته المفوضية بشأن استئناف العملية الانتخابية، تحدثت فيه عن كتاب هيئة رئاسة مجلس النواب الصادر في 22 آب/اغسطس 2022 بشأن انقضاء المدة الزمنية التي طالبت بها المفوضية لرفع «القوة القاهرة» التي حالت دون استكمال العملية الانتخابية التي كان من المقرر عقدها في 24 كانون الأول/ديسمبر 2021 وإلى مطالبة عدد من المترشحين لهذه الانتخابات باستئنافها وإعلان قوائمها الأولية.
واعترفت المفوضية بانقضاء المدة الزمنية دون تحقيق أي تقدم يُذكر بشأن رفع «القوة القاهرة» واستئناف العملية الانتخابية، مرجعة ذلك لعدة أسباب، أهمها «البيئة السياسية والأمنية التي تشكلت بعد توقف العملية الانتخابية بشكل لم يساعد على التعامل مع عناصر القوة القاهرة ومحاولة معالجتها ضماناً لاستئنافها».
وقالت إن الخلاف والانقسام بين الأطراف السياسية المنخرطة في إقرار الانتخابات تصاعد، الأمر الذي لم يُمكنها من الذهاب قدماً مع شركائها في مسألة معالجة التحديات التي واجهت تنفيذ تلك الانتخابات وتعذر عليها استئناف العملية الانتخابية بهذه المعطيات السياسية والأمنية خلال المدة التي طلبتها المفوضية.
وأوضحت أنها ستعمل مع مجلس النواب على إزالة ذلك الجزء من مكونات القوة القاهرة الذي تمثل في المتطلبات القانونية ذات الصبغة الفنية غير المنظورة التي ظهرت أثناء تنفيذ القوانين ذات العلاقة موضحة أنها سترفع ملاحظاتها النهائية حال التنسيق مع السلطة القضائية في ما يتعلق بآلية النظر في الطعون والنزاعات الانتخابية، علاوةً على ضرورة إيجاد صيغة قانونية للتعامل مع الأحكام القضائية النافذة والقاضية بإيقاف تنفيذ العملية الانتخابية.
ورغم تصريحات المفوضية التي أخدت المنحى السلبي، إلا أن المطالبات لم تتوقف حيث طالب 40 مرشحا للانتخابات الرئاسية، بضرورة تحديد موعد نهائي لإجراء الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وذلك في ضوء البيان الصادر عن مجلس المفوضية العليا للانتخابات حول استئناف العملية.
واستند المرشحون الرئاسيون، في بيان مشترك، إلى الموقف السياسي العام في ليبيا، وموقف أصحاب المصلحة، و2.8 مليون ناخب مسجلين في السجل الانتخابي، والمرشحين الرئاسيين والمتقدمين للانتخابات البرلمانية.
وقالوا إن هذا المطلب يأتي استنادا إلى فشل تنفيذ التعديل الدستوري 12 والذي اعتبروه إجراء زاد من حدة الانقسام ولم يتبق من مدته الأقل من أربعة عشرا شهرا إلا 6 أشهر، وبالتالي تجاوزه بات أمرا ملزما ووجب العودة سريعا لاستئناف العملية الانتخابية.
وما زالت جهود مجلسي النواب والدولة في إصدار ومناقشة القاعدة الدستورية للانتخابات تواجه رفضا قويا حتى مع توقفها. ففي بيان جديد قالت الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور إنها ترفض مواصلة مناقشة مقترح التعديلات الدستورية بين مجلسي النواب والدولة، وهو النقاش الذي يهدف للتوصل إلى اتفاق بشان قاعدة لإجراء الانتخابات.
وأضافت الهيئة في بيان أن لجنة التواصل الدستوري التابعة لها تابعت ما انتهت إليه جلسة مجلس الدولة، المنعقدة يوم الإثنين الماضي، بشأن الاستمرار في مناقشة مقترح التعديلات.
ووصف البيان إجراءات مجلسي النواب والدولة والمتعلقة بالمسار الدستوري بالمخالفة، مؤكدًا أن الهيئة ستتخذ كافة الإجراءات القضائية اللازمة لإبطال هذه التصرفات أمام الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا.
كما ان مجلس النواب الليبي يواجه خطر الدائرة الدستورية وقراراتها وذلك بعد ان فعلها المجلس الأعلى للقضاء مجددا، حيث أكد رئيس المحكمة العليا محمد الحافي أن الدائرة الدستورية حجزت الحكم في القضايا التي نظرت فيها إلى تشرين الأول/أكتوبر المقبل.
هذا وأجلت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا النظر في الطعون المتعلقة بالتعديل الدستوري 11 و 12 وقانون الاستفتاء الصادر عام 2018.
وأكد عضو هيئة صياغة مشروع الدستور والمرشح للانتخابات الرئاسية ضو المنصوري في تصريح صحافي أنه عندما تباشر الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا عملها وفقا للقانون ستضع حدا لتغول السلطة التشريعية التي فسدت المشهد السياسي، معتبرا أن السلطة التشريعية أصبحت أسيرة لأحلام رئيس مجلس النواب عقيلة صالح بأن يكون حاكما متفردا على ليبيا حسب تعبيره.
وكان رئيس المحكمة العليا المستشار محمد الحافي، أعلن في 18 اب/أغسطس الماضي إعادة تفعيل الدائرة الدستورية المغلقة منذ 2016.
وتختص الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بالفصل في القضايا والطعون ذات الجانب الدستوري والقانوني، وأيضاً القضايا والخلافات حول القوانين والتشريعات والقرارات التي تصدر عن السلطتين التنفيذية والتشريعية وأي مخالفة أو طعن في الإعلان الدستوري.
وفي سياق المطالبات والمبادرات المحلية، فقد أسست أحزاب الجبهة الوطنية والتغيير والعدالة والبناء وليبيا النماء والعمل الوطني وتيار يا بلادي وتكنوقراط ليبيا وتحالف القوى الوطنية شبكة تواصل تحت اسم |شبكة التواصل لمجموعة أحزاب سياسية ليبية».
وأكدت هذه الأحزاب في بيان مشترك لها أن هذه الشبكة تهدف إلى تقديم مبادرات ومقترحات وحلول للانسداد السياسي الراهن، والتواصل مع كافة الأطراف الفاعلة محليا ودوليا؛ لتأكيد دور الأحزاب السياسية الليبية في بناء الدولة الديمقراطية.
وأعربت الأحزاب عن رفضها استخدام العنف بكافة أشكاله كأداة سياسية، وقالت إن مشاريع عسكرة الدولة والوصول إلى السلطة بالقوة تعد انقلابا على حق الشّعب الليبي في بناء دولة ديمقراطية مؤسسة على دستور مستفتى عليه من الشعب.
وقالت الأحزاب إن الحل الوحيد للخروج من حالة الانسداد السياسي الحالية، هو تجديد الشرعية من خلال انتخابات عاجلة حرة ونزيهة وشفافة، يكون للأحزاب السياسية الدور البارز فيها وفق نظام القوائم الحزبية، وفق تعبيرها.
وتمتزج المطالبات المحلية مع دعوات دولية عاجلة بالتسريع في اجراء الانتخابات، حيث حذر السفير الأمريكي إلى ليبيا، ريتشارد نورلاند، من أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار في البلاد لا سيما بعد الاشتباكات الأخيرة التي شهدتها العاصمة طرابلس.
وأضاف أنه يتعين على جميع الجهات الفاعلة الخارجية والداخلية التحرك نحو الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في أقرب وقت ممكن.
كما شددت الدول المشاركة في الاجتماع الدولي بشأن ليبيا الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين، الجمعة، التزامها بدعم مسار شامل نحو إجراء انتخابات باعتبارها حلا وحيدا لأزمة البلاد.
وأعلن عن مخرجات الاجتماع الذي استمر يومين، المبعوث الإيطالي الخاص إلى ليبيا نيكولا أورلاندو، في تغريدات نشرها عبر حسابه على تويتر.
وعقب الاجتماع قال أورلاندو: «أكدنا مجددا التزامنا المشترك بدعم مسار شامل للانتخابات في أسرع وقت ممكن، باعتباره السبيل الوحيد لحل الأزمة التي طال أمدها في ليبيا».
وحسب أورلاندو، «رفض المشاركون في الاجتماعات عدم الاستقرار والإجراءات أحادية الجانب» دون ذكر تفاصيل.