لا توجد لغة كونية ولا حتى لغة العيون. ومن أراد أن يمتطي جواد العولمة في هذه اللغة لا بد أن يصل إلى معانيه متأخرا هذا إن وصل. كثير مما وصلنا قديما من لغة العيون العربية في الشعر لم يعد موجودا. تندثر لغة العلامات كما يندثر كثير من اللغات الطبيعية، لأن مستعمليها يموتون، أو لأنهم يجبرون تحت ضغط معين على هجرتها إلى لغات أخرى.
من الأبيات التي تحضرني في هذا السياق وهي من شواهد النحويين قول شاعر مجهول: (وترمينني بالطرف أيْ أنَتَ مذنبٌ ** وتَقْلِينَنِي لكنْ إياكِ لاَ أقْلِي).
عادة ما يستعمل النحاة هذا البيت شاهدا في سياق التعليق على حرفي التفسير (أنْ) و(أيْ) قال ابن يعيش في هذا السياق: «الشاهد فيه (أيْ أنْتَ مُذْنِبٌ) جعله تفسيرا لقوله: (ترْمِينَني بالطرف) إذ كان معنى (ترمينني بالطرف) أي تنظرين إليّ نظر مُغْضَبٍ ولا يكون ذلك إلا عن ذنْب ولذلك قال: أي أنت مذنب» (شرح المفصل). طبعا لن نعود في هذا الإطار إلى تفصيل قول النحاة في الجملة التي رأسها حرف تفسير، وكيف أنها لا محل لها من الإعراب وغير ذلك من معطيات النحو التي قد لا تعنينا كثيرا في هذا السياق، ثم إن نحويا مثل ابن يعيش وغيره لن يكون مشغولا لا بطرف المرأة موضوع البيت، ولا بلون عينيها؛ بل إنه لن يكون مشغولا بعلاقة اللغة بالإشارة، ولا بالكيفية التي يستخدم فيها الشاعر اللغة لتفسير لغة أخرى هي لغة العيون. ما لا يعني النحوي هو ما يعنينا ههنا، لأن من مجالات اهتمام العلامات أن تدرس التقاطعات بين مستويات من العلامات كثيرة وكيف توظف لغة الإشارات لترجمة اللغة العادية أو العكس، وهو ما حدث مع الشاعر هنا.
العيون النسائية بالأساس كانت وما تزال موضع اهتمام علامي يبحث فيهما الشاعر قديما، وذوو المشاعر المتخفية عن رسالة ما تقرهم على قرار، أو تزيد البلبلة عناء. عيون الغريب العابر أو القريب الحذر هي التي تقرأ رسالة عيون النساء تفككها وتحاول بناء الدلالة منها. وحتى يقرأ الشاعر أو العامي العابر لغة عيون النساء، عليه أن يكون قادرا على تفكيك شيفراتها. تفكيك شيفرات شفْر العين يتطلب انتماء إلى جماعة ثقافية (لا لغوية) واحدة. الفرق بين الجماعة اللغوية والجماعة الثقافية، أن الأولى تتقاسم لغة أو لهجة طبيعية واحدة لكن الجماعة الثانية، الثقافية، تتقاسم في ما بينها جملة من العادات والسنن الثقافية التي تتواضع عليها في ما بينها، ولذلك فإن الجماعة الثقافية يمكن أن تكون أكبر أو أصغر من جماعة لغوية.
لنعد إلى بيت الشعر السابق وكيف استعملت المرأة الحبيبة العين لتنقل بها رسالة إشارية فهمها الشاعر وترجمها لنا إلى رسالة لغوية (أنتَ مُذنِبٌ!). أنت مذنب في اللغة العربية الطبيعية هي جملة شارحة لـ»جملة إشارة» حتى نعيد بناءها علينا أن نكون من داخل الثقافة التي تفهم هذه الإشارة. لن يكون فعل الرمي مدخلا مهما في (ترمينني بالطرف) لأن هذا الفعل إذا ما نقل نظر المرأة كان متعدد المعاني ملبسا. فليس فعل الرمي في سياق البيت السابق هو نفسه فعل الرمي في سياق بيت عنترة بن شداد إذ يقول: (رَمَتِ الفؤادَ مليحةٌ عذراءُ** بسهامِ لَحْظ مَا لَهُن دَواءُ). يعني الرمي باللحظ هنا في لغة هذه المرأة معنى آخر غير الذي عنته المرأة الأولى، النظر الذي يُرمى هنا هو نظر لا يفيد تقريعا، بل يفيد استمالة إلى حد السبي والذهول والتفريط في القرار. لم يقل لنا عنترة كيف نظرت حتى يصبح عاشقا مقتولا بسهام اللحظ، ولم يقل لنا الشاعر المجهول كيف نظرت صاحبته كما نظرت حتى تتهمه أو تقرعه أو توحي إليه بأنه مذنب.
اللغة الواصفة واحدة لكن الإشارتين، لا شك، مختلفتان. ما يهمنا هنا هو أن نقول كيف إن المرأتين اللتين تستعملان النظر في إرسال الرسالتين تتقاسمان مع الشاعرين المواضعات نفسها، فهي تنظر وتشفّر بالعين رسالتها وهو يتقبل الرسالة ويفهمها الفهم الصحيح؛ وهذا يعني أنهما يتقاسمان مواضعات إشارية حول كل نظرة وما تفيدها. ربما اعتقد القارئ أنه لو طلب اليوم من امرأة في حضارتنا العربية أن تعيد نظرة التقريع والإشعار بالذنب، ونظرة القتل والإيقاع في جب الحب لفعلت.
العيون النسائية بالأساس كانت وما تزال موضع اهتمام علامي يبحث فيهما الشاعر قديما، وذوو المشاعر المتخفية عن رسالة ما تقرهم على قرار، أو تزيد البلبلة عناء. عيون الغريب العابر أو القريب الحذر هي التي تقرأ رسالة عيون النساء تفككها وتحاول بناء الدلالة منها.
معه حق وليس معه حق، هو محق في اعتقاده، لأنه يظن أن رسالة المرأة المرسلة بالعين واحدة لم تتغير هي كائنة الآن كما كانت؛ ما دامت اللغة التي وصفت واحدة فكذلك لغة الإشارات لم تتغير: اللغتان ثابتتان مستقرتان بفضل المواضعة المستمرة. لكن ليس معه حق لأنه لا دليل لنا اليوم على أن نظرة المرأة التي توقعك في شباكها أو تقرعك اليوم هي نفسها نظرة الأمس زمن عنترة وزمن الشاعر المجهول. لنبدأ ببناء الوضعيات الأصلية بالتمييز بين لغة القول ولغة الإشارة. عادة ما يرسم الشعراء نساءهم رسما يخيم عليه الصمت، صحيح أن هذا ليس دأب جميع الشعراء ولا جميع القصائد فعمر بن أبي ربيعة وجميل بثينة على سبيل المثال كانا يعطيان المرأة صوتها أحيانا وينقلانه كما يريدان، لكن الحديث عن المرأة كان أكثر من الحديث إليها. لسنا من الغلاة لندعي أن إشارة المرأة هي أمر مرتبط بوضعيتها الدونية فهذا غير صحيح في عصور التاريخ التي يعود إليها البيتان على الأقل. صحيح أن تصريح المرأة بإعجابها بالرجل ليس عادة، لكن كان هناك من النساء من يكسر هذه العادة.. كان من الممكن أن تستعيض عن الكلام بالإشارات، أو أن الرجل هو الذي يتأول إشاراتها، لكن المرأة يمكن أن تلوم حبيبها أو زوجها في أي عصر بالكلام، فلغة العيون ليست استعاضة عن اللغة الطبيعية، بل كل لغة تعمل في مجال عملها الذي يحدده مستعملها ونفاذها في المتلقي. فإن ترمي المرأة حبيبها بالطرف تتهمه وتقليه ثم تهجره فذلك اختيار وليس اضطرارا، هجر الكلام والاستعاضة عنه بلغة العيون أبلغ في هذه المواضع من الكلام والتقريع.. قلته امرأته (أي هجرته) حين هجرت الكلام واستبدلته بالنظر المتهم.
أركب قطارا في بلد أوروبي وأنظر في العيون، بعد أن حجبت الكمامات بقية تفاصيل الوجه، كل العيون مسافرة في خيالاتها فارة إلى ملكوتها. أين غابت عيون المَهَا التي أعجبتنا في الشعر؟ العيون التي أراها إما أنها تمارس وظيفتها الأصلية وهي النظر في الهاتف، وإما أنها تكتفي بالنظرة المَسْحَة أو أنها لا تراك إذ تراك بل ترى من خلالك. النظرة المَسْحَة هي نظرة لم أرها في بلادي، أو أنني لم أنتبه إليها.. غير أنها هنا كثيرة بدت غريبة عني أنا ابن الثقافة التي تعطي المشهد كفايته في النظر. النظرة المسحة هي النظرة السريعة التي تلقى عليك إلقاء كليا وسريعا وتتطلع إلى هويتك من سحنتك، من لون بشرتك، وتستنتج سريعا من تكون. هي نظرة تشبه مسح الآلة الكاشفة بالأشعة ما خفي وتكشفه بشكل سريع. ذاك عمل الذكاء الاصطناعي، وليس من جنسه هذا الذكاء الذي يختصرك في نظرة واحدة. النظرة التي تكون أنت خلالا لها تخترقك وتذهب في أعماق نفسها بعيدا. المسافرون في ذواتهم عبرك كثيرون في هذا القطار، في أذهانهم أفلام كما قال لي بعض بلدياتي ذات مرة وهو مغرق في التفكير. العيون المسافرة عبرك إلى بواطنها هي عيون بلا هوية لا ترميك لتقتلك، ولا ترميك لتتهمك، هي فقط لا تراك بل ترى تفاصيلها المستكنة في نفسها. وأنا كيف أكون محايدا وأرى من لا يراني بل يراني شبحا في الكرسي أحجب عنه رؤية باطنه.. سأخزّن نظره في ذاكرتي على أنها نظرة غير محايدة، وإن كانت تبدو لمن عشقوا اللامبالاة كذلك.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية