خطابها مواز للحياة ويعيد تشكيلها في إطار فني: الرواية بين المعرفة الفلسفية والنظرية

عادل ضرغام
حجم الخط
0

ماذا تفعل بنا الرواية؟ سؤال صعب لأن الإجابة عنه تحتاج معرفة ربما ليست متاحة لنقاد الأدب بشكل كبير، فناقد الأدب – ربما تحت تأثير نزعات ونظريات ومناهج – أصبح لا يتوجه في العقود الأخيرة نحو معرفة شمولية تأخذ من كل العلوم، وتتحرك في إطار واسع تكفل لصاحبها الإجابة عن الأسئلة المربكة التي لا تجد بغيتها في شكل محدد ومباشر، ولكنها تحتاج مواجهة من نوع خاص، مواجهة تستقوي بكثير من المعارف والخبرات التي لا تتاح لكثيرين من الذين يظلون لاهثين خلف مناهج مرتبطة بالموضات التي تلحّ علينا كل عقد زمني أو عدد من السنوات.
الارتباط بالرواية – في جانب من جوانبه – ارتباط بالعادي والشبيه بالحياة، فخطاب الرواية خطاب مواز للحياة، يعيد تصويرها وتشكيلها في إطار فني، وابتعاد في الوقت ذاته عن خطاب شعري استعاري متعال في صيغه القديمة، لأنه- بالرغم من تعاليه ومحاولة إسدال اختلافه- أصبح ملموسا ومتحققا بالفعل في كثير من جوانب الحياة. الرواية تحقق هذه النمذجة العادية من الالتحام بالبسيط والهش، وإعادة تدويره ومقاربته، وفق بنائها الخاص المنفتح على كل الأشكال الكتابية الأخرى.
فالرواية بالرغم من خصوصيتها الهجينة في انفتاحها على فنون أخرى، وقدرتها على تطويع الآليات الفنية وتوجيهها نحو منطق بنائي خاص بها، تصنع لنفسها من خلال تطورها المستمر قدرة لافتة على مقاربة الموضوعات والأفكار بشكل مختلف، ينبع من كينونتها المنفتحة على الإضافة، بحيث تستطيع أن تقدم للقارئ شيئا لا يستطيع فن أخر أن يقدمه، فالسبب الوحيد لوجودها في رأي هرمان بروخ فيما نقله ميلان كونديرا في كتابه «فن الرواية» يتمثل في كونها تقول شيئا لا يمكن أن يقوله سواها، فالرواية التي لا تكشف جانبا من الوجود ظلّ مجهولا إلى الآن رواية غير أخلاقية.

الحوار: ظلال المشابهة والمغايرة

تتجلى الرواية في إطار هذه الجزئية بناء تاريخيا ممتدا، تتوالد الشخصيات متناسلة بشكل مختلف، فهي تتشكل – وإن ظلت أسئلتها التجريدية الكبرى بها نوع من الثبات – بالمغايرة وفق سياقات حضارية تسهم في خلخلتها من تجليها في أطر قديمة إلى تجليات آنية، تستمرّ حتى في ظل المغايرة في الإشارة إلى الأيقونة الأولى التي تظل حاضرة بشكل ما. ويمكن في هذا السياق أن نشير إلى شخصيات روائية ظلت حية من خلال التوالد المستمر عبر الأزمنة واللغات.
لا يستطيع أي متأمل أن يغض الطرف عن هذا التسلسل الممتدّ في أثر الشخصيات الروائية، وفاعليتها في القارئ العادي فضلا عن الكاتب الذي يطل إلى هذه الشخصيات بعيني مبدع، يستطيع أن يدرك من خلال وقفته الخاصة طبيعة الشخصيات ووجودها الأيقوني المستمرّ في تجليات كتابية عديدة، سواء بالمشابهة أو التعارض والتباين. فالقارئ يستطيع أن يدرك من خلال التوقف أمام أسماء روائية عربية كبيرة أن هناك حضورا لشخصيات روائية، مثل سمر دياكوف في رواية «الأخوة كارمازوف»، وبلانشو ديبو بطلة رواية «عربة اسمها الرغبة» لتينيسي ويليامز، وشخصية كاف أو راسكولينكوف في رواية «الجريمة والعقاب»، إما باستيراد إطارها العام وسماتها الشخصية، أو باستحضارها بوصفها فكرة أو أيقونة دالة على معنى أو شعور محددين، أو بتفريغها من شحنتها الدلالية المستقرة والعابرة لمحدودية زمنها، وشحنها من خلال المغايرة بدلالة مضادة.
وهذا التداخل يظلّ حاضرا خاصة في ظل ازدواجية القارئ والكاتب، فحين يتحول القارئ إلى كاتب، تتولّد خصوصية إضافية للوعي بالشخصيات الروائية، وتصبح لديه قدرة على استيلاد إطار نموذجي للشخصيات الفكرية والمذهبية التي تتوالد ذاتيا باستمرار من خلال الأطر العريضة الثابتة في كل تجل في التوجه أو الحركة أو في التشكيل. فحين نقرأ رواية «الطلياني» لشكري المبخوت، أو رواية «مصحف أحمر» لمحمد الغربي عمران، أو «أزمنة من غبار» لناصر عراق، فإننا لا نستطيع – بالرغم من خصوصية الطرح والرؤية في كل رواية على حدة – أن نغفل حدود التشابه بين أبطال الروايات الثلاث من جانب ونماذج البطل التي تمّ تأسيسها في الرواية المصرية في فترة ازدهار اليسار المصري للبطل اليساري الذي يتحرك وفق سياق خاص، حيث تناوشه الأسئلة الوجودية الكبرى مزدانة في شكل تباينات واضحة، مما جعله منقسما على ذاته موزّعا بين إطار مثالي له قداسة، ووجود فعلي كاشف عن العورات والانحناءات والثقوب العديدة داخل هذا التصور المثالي في معاينته لعالم يتحرك بنهم في اتجاه مغاير لقناعاته وخطاباته المعلنة.
فالقارئ حين يتوقف عند روايات عظيمة يستطيع أن يعاين حياة عادية مكللة بعاديتها واشتمالها على رائحة الحياة وتشعباتها وصراعاته المعهودة، ولكن هذا الصخب الحياتي المتولّد من السرد لا ينفي تماما الصيغة أو الصبغة التجريدية أو الفلسفية المشدودة حتما إلى أسئلة ترتبط بوضع الإنسان في الكون. ففي رواية «الحرافيش» لمحفوظ هناك حياة عادية مملوءة بالصراع، ولكن هناك جانبا معرفيا آخر يتولد من خلال التوازي الواضح لولادة الفتوة – كل فتوة – في انشداده من خلال أنساق محددة بولادة الأنبياء على اختلاف وتنوع دينهم، بداية من الوحدة والعزلة في فضاء صحراوي، وانتهاء بالبحث عن العدل.
يتولّد في إطار هذا البناء المتوازي صدع أول محتشم ومكلل بالرمز لحالة التقديس الممتدة، ذلك الرمز الذي تجلى عاريا في «أولاد حارتنا» فأفقدها الكثير من عطاء الرمز ودلالته. فحالة التقديس هذه – من خلال النقل والتحويل – ليست مرتبطة بالأردية والمسوح الدينية، ولكنها يمكن أن ترتبط في ميلادها بسياق آخر مشدود إلى عناصر القوة والسلطة، فالقداسة – وفق النص الروائي وتأويله – سلوك إنساني ينتهجه البشر هلعا من الخوف وطلبا للأمن، وهي – في حد ذاتها – إنسانية بشرية، لا ترتبط بكيان علوي مفارق بمغايرته النوعية، فهي توجد طالما هناك بشر، لديهم ميل لإسدال قداسة على شخص أو أشخاص محددين من خلال تحويل التجريد الفلسفي أو المعرفي إلى واقع مشدود لشخصيات، وهذه ميزة لفن الرواية، بحيث تصبح واقعية وفلسفية في آن، فهي تخلص الفلسفة من التجريد، وتسرّبها- إذا كانت النصوص فارقة- في إطار حياتي مشدود لمواقف وأحداث تتطلب أفعالا تمثل رد فعل ممتد.

الرواية بين الفلسفي والنظري

المعرفة لا تتقاطع مع المعلومات والحوادث والأيديولوجيا التي يمكن أن نرى حضورها لافتا في النص الروائي، وتقدم بشكل مباشر، بل المعرفة التي تقدمها الرواية مرتبطة بوضع الإنسان أو الأنا أو الذات في مواجهة الواقع، أو هذا العالم الكبير، مستجلية ومفصحة عن بعض إشكالياتها الممتدة التي تتبلور من الوجود الناقص للإنسان، وهي إشكاليات مرتبطة بالأفكار التجريدية والمشاعر الإنسانية، فالشخصيات في حركتها داخل العالم السردي تقدم مقترحات يتماهى معها القارئ.
للمعرفة أو للفكر في الرواية جانبان لا ينفصلان عن بعضهما البعض، الأول منهما يتمثل في ارتباطه بالدلالة وتحديد أساس فكري أو تيمة أو موضوع يتعلق بحركية الفن وتاريخيته في تقاطعه مع الوجود الجدلي للإنسان في العالم، وهذا التقاطع يحيل التيمة في معالجتها أو مقاربتها إلى منحى معرفي أو فلسفي، والأخير يتمثل في وعيه بسياق النظرية والموتيفات والمنطلقات الفنية الأساسية التي تحرّك التوجه العام، في إطار جدل النظريات بين السابق الذاهب للتلاشي والاضمحلال بالتدريج، والآني انشدادا لمنعطفات سياقية حضارية.
والقارئ للروايات العربية يمكن أن يلاحظ هذا المنحى المعرفي من خلال الأفكار والرؤى التي يتمّ طرحها بشكل جدلي، ففي بعض روايات نجيب محفوظ يتجلى هذا الحضور المعرفي بشكل كاشف، ففي «الشحاذّ – بعيدا عن درته العالية «الحرافيش» – يعيد تأسيس السؤال الوجودي والميتافيزيقي، وفي رواية «عزازيل» ليوسف زيدان، وهي رواية لا يمكن فصلها في منحاها المعرفي عن «اسم الوردة» لإيكو هناك اتكاء على تصوير الصراع بين جانبين أو توجهين في المسيحية في القرن الخامس الميلادي، وهو صراع لا يخلو من جدل معرفي فلسفي.
فالعودة إلى المتصوفة أو إلى الكتّاب في تراثنا ليست عودة لماض جميل للحنين أو للتعلم، لكنها عودة ترتبط بسؤال معرفي يرتبط بالهوية، فتضعنا جميعا حكاما ومحكومين داخل إطار ثابت لا سبيل لتجاوزه، فالعودة إلى التاريخ نوع من مساءلة الذاكرة التاريخية التي تتمدد خيوطا فاعلة في تاريخنا العربي مشيرة إلى مرتكزات الهوية المتورطة بالثبات بالرغم من مرور العصور والأزمنة. أما في رواية «البيت الأندلسي» لواسيني الأعرج فيأتي الاشتغال على فكرة الهوية من خلال ذم صلابتها وحدودها المائزة والجاهزة من خلال المقارنة بين المخطوطة بوصفها إطارا سرديا التي يشير زمنها إلى حالة من حالات الاستيعاب والانفتاح والمرونة في اكتساب الهوية لإضافات جديدة، والآني المملوء بالتيبس والحدود النهائية القاطعة، تلك الحدود التي تؤسس للإحساس بالمغايرة العرقية والفكرية والثقافية.
إن هذا التوجه في الكتابة الروائية انطلاقا من تفعيل مساءلة الذاكرة التاريخية وفق رؤية حداثية أدى إلى وجود مد إبداعي خاص بصيغ تطور الرواية وانزياحها إلى حالة خاصة من الترابط بين اللحظي والتاريخي، وهو توجه لا ينطلق لمعاينة الآني ومعرفته، وإنما لمعاينة التاريخي القديم وفق نظرة حداثية متدثرة ومنطلقة من معرفة آنية، لا تكفّ عن رفد الماضي برؤى جديدة، وهذا أسهم بالتدريج في ارتباط الحادثة التاريخية بجدل خطابات متباينة، فهذا الجدل في الخطابات لا يتأسس إلا في إطار محاولات المعرفة، وجنوح أصحابها إلى محاولات التفسير والتبرير والتأويل.
وقد كان لهذا التوجه أثر في الكتابة الروائية العربية، خاصة لدى هؤلاء الكتاب الذين يؤسسون عن عمد لإنتاج روايات ترتبط بالحديث عن الكتابة الروائية، بوصها ميتا سرد. ففي رواية «عزيزتي سافو» يتوجه هاني عبد المريد توجها خاصا في كتابة الرواية الشارحة، أو الميتاقص من خلال السؤال الملح الذي يطالعه القارئ في الصفحة الأولى: كيف تتشكل الرواية؟ أو كيف تكتب الروايات؟ وكأنه يلمح إلى الإطار المعرفي الذي تتحرك في حدوده روايات ما بعد الحداثة من خلال الميتافكشن أو الميتاسرد.
ويتجلى هذا النمط الكتابي لدى طارق إمام بوصفه آلية فاعلة وخاصة في روايته «ماكيت القاهرة»، ففي كثير من رواياته لا نجده يعتمد على الحكي فقط، ولكنه في كتابته مهموم بنسج كتابة روائية تحتفي بالمعرفي النظري والسردي الحكائي، والمعرفي النظري له تأثير كبير في النظرية النقدية، وله تأثير أقل ظهورا في الكتابة الإبداعية، يقلل من ظهور قصديته الحرفة الفنية، وعدم التوجه إليه بشكل مباشر، وأكثر النظريات بروزا وحضورا في روايته «ماكيت القاهرة» هي نظريات ما بعد الحداثة، خاصة في الجزئيات التي يتناول فيها الحقيقي والزائف، الأصلي والتقليد، الواقعي والخيالي، الماضي والحاضر، والإشارة إلى نظريات سابقة تكفل لكل قسيم من هذه الثنائيات حدودا صلبة مائزة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية