بيروت ـ «القدس العربي»: مسرحية «آخر سيجارة» من كتابة وليد عرقجي خلطت الأوراق والنقاشات، في بداية موسم مسرحي يبدو واعداً رغم أن البلاد والعباد ينحدرون نحو القاع. الأعمال الفنية التي تتجرأ على تجاوز الحدود المرسومة من قبل سلطة الرقابة المعروفة أو المستترة لا تزال تلقى النقد. هكذا كان حال مسرحية «آخر سيجارة». ففي ارتياد المسرح ليس المتوقع دائماً أن نكون حيال «شيه دوفر». فالمسرح هو الحياة والإنسان. وأن تكون العلاقات الزوجية بما يتخللها من مشكلات معقدة للغاية بمواجهتنا على الخشبة أمر يشجع على التصريح، بدل الاختباء خلف الإصبع كما هو حال معظم الرجال.
المخرجة المعروفة لينا أبيض آمنت بالسيناريو الأول الذي كتبه وليد عرقجي وأوصلته إلى خشبة مسرح مونو. هكذا بات اثنان من الأزواج في حالة بوح بعبارات ذكورية، وإن اختلف أحدهما عن الآخر. إنها حياة الرجال من دون أقنعة. أما وليد عرقجي الذي مثّل دور العازب، بعد توقيعه للنص كان السؤال من هو؟ ومن أين سقط اسمه فجأة.
مع وليد عرقجي هذا الحوار:
○ لم أجد على محرّك غوغل أثراً خاصاً بوليد عرقجي يسبق «آخر سيجارة». ماذا تفعل في الحياة؟
•وصولاً إلى «آخر سيجارة» لا بدّ من مرور سريع على حياتي الشخصية. ولدت في لندن، وأمضيت 26 سنة من عمري في فرنسا. سنة 2006 قررت العودة إلى لبنان، سبقت عدوان تموز بخمسة أيام. أخبرت أصدقائي في فرنسا بأني ذاهب للعيش في أحلى بلد في العالم. ما زلت هنا وهذا جيد.
○ كيف تلقيت أهوال تلك الحرب أنت المعتاد على الهدوء؟
•أعصابي هادئة، ومنزلنا في رأس بيروت، سمعنا الأصوات المرعبة طبعاً. لكني أمضيت أغلب الأوقات متطوعاً لمعاونة المهجرين من منازلهم في المناطق المستهدفة. التطوع أدخلني سريعاً في الأجواء اللبنانية. وتعرّفت على عشرات الأشخاص، أنا الذي أمضيت في لبنان بعض العطل الصيفية، وتواصلت فقط مع أفراد العائلة.
○ ومهنياً؟
•تنوعت أعمالي منها افتتاح أكاديمية لتعليم كرة القدم للصغار بمساعدة شريك. أما كيف وصلت إلى الفن؟ فقد مثّلت بعمر التسع سنوات مع المخرج ناصر خمير التونسي الجنسية. عرفني حين كنت أشارك في عيد ميلاد لأحدهم في فرنسا، وهو كان بصدد فيلم ووجد كاراكتيري مناسباً لشخصية الطفل الذي يبحث عنه. تواصل مع والديَ، وزارنا في المنزل وتمّت الموافقة على مشاركتي في الفيلم. صورت لشهرين ونصف في تونس، وأسبوعين في إسبانيا، وكنت برفقة والدتي. تسليت كطفل وأحببت التجربة في فيلم كان إنتاجه كبيراً. ومع عودتي إلى لبنان كانت شقيقتي نبال عرقجي قد بدأت الكتابة للسينما من قصة ثواني إلى يلا عقبالكن، ويلاعقبالكن شباب، ولأني أحب التمثيل كنت اختار من نصوصها أدواراً صغيرة.
○ وماذا عن المسرح؟
•سنة 2018 كتبت جوزيان بولس على فيسبوك أنها تبحث عن ممثل مسرحي يتكلّم الفرنسية. كلّمتها متحمساً ومعلناً أني لم يسبق أن عرفت الخشبة. سيناريو المسرحية لألكسندر نجّار وإخراج لينا أبيض وعنوانها «L inattendu». ومع هذه المسرحية اكتشف المسرح واُغرمت به. فلا مقارنة مطلقاً بين المسرح والسينما. وبعد سنة مثّلت في مسرحية «موسيو بشارة» سيناريو ألكسندر نجار وإخراج لينا أبيض أيضاً. وخلال عرضها في 2019 بدأت كتابة مسرحية «آخر سيجارة». ومرة سألتني لينا أبيض ماذا تكتب فقلت لها «إن شالله تطلع مسرحية». فأعلنت أن رغبتها بالإخراج. أنجزت السيناريو وكانت لينا أول من قرأه، وأحبته. وأعلنت عن حاجته لبعض البهارات والملح فقط. بعدها كانت الانتفاضة، ومن ثمّ كورونا والانفجار.
○ هل سبق وكتبت نصوصاً فنية مسرحية أو سواها؟
•كنت أرغب بكتابة مسرحية، والرجل هو الموضوع الذي حرّك خيالي. ثمة غرابة في حياة الرجال. هم يبوحون بالأحداث الجيدة في حياتهم سواء عن الزوجة، أو الصديقة أو الأصدقاء، ويخفون كل ما عداه. إذ يُمنع التعبير على الرجال بدءاً من الطفولة «ما تبكي إنت رجّال». الرجل يخفي ويكذب على ذاته وعلى محيطه. أردت في هذا العرض المسرحي قول الحقيقة بين ما يرغب الرجل بالتصريح عنه وما يرغب بإخفائه.
○ إن كنت على دراية بحياة العازبين فكيف استقيت التفاصيل أو حياة المتزوجين وأنت العازب؟ وهل حاورت مختصاً بهذا الشأن؟
•إنها حالات أعرفها ولم أخترعها. وعندما لم يقتنع وسام صليبا بأن شخصية «وسيم» حقيقية طلبنا جلسة مع معالجة نفسية طالت لساعتين. فسّرت أسباب تلك الحالات. وكذلك الأمر بالنسبة لشخصية «فادي» التي أدّاها دوري السمراني، وأسباب التعقيدات التي تلازمنا، واستعرضت سبل العلاج. إذاً سعينا لفهم مسببات ما نعرضه على الخشبة، وتركنا الحلول للجمهور.
○ بلغنا أنك مع وسام صليبا ودوري السمراني أصدقاء في الحياة. فهل كتبت لهما عن سابق تصور وتصميم؟
•كتبت دور «فادي» وفي بالي دوري السمراني لاعباً له فقط. ولاحقاً تحدثنا عن «وسيم» فكان وسام صليبا. حظي جميل لأن لينا أبيض أخرجت نصّي الأول، ولأن دوري السمراني ووسام صليبا لعبا في هذا العرض. وأشكر ثقة الجميع بي.
○ بعد اكتشاف تعقيدات حياة المتزوجين هل ما زلت عاقدا العزم على الزواج؟
•أكيد سوف أتزوج وأرغب بأن تكون لي عائلة. لكني لا أضع نفسي تحت ضغط الوقت. وإن لم أتزوّج لن أحزن، فذلك يعني أن ظرف الزواج لم ينضج.
•لماذا اخترت لينا أبيض للإخراج؟
•أنا من المعجبين جداً بأعمال لينا أبيض المسرحية. كنت بصدد كتابة الصفحة الثالثة من النص حين قالت لي لينا أنها ستخرج المسرحية. وبشكل غير مباشر شجعتني خلال الكتابة. سلّمتها النص وعندما أنجزته، قرأته فسألتها: «عندي شقفة مسرحية»؟ قالت: «عندك مسرحية تحتاج بهار وملح» كما سبق القول. سألتها «بدّك نعملها»؟ ردت: «أكيد لازم».
○ هل اشتغلتما سوياً على النص؟
•أكيد وإمساك لينا أبيض بالنص جعله ملكية جماعية بيننا إلى جانب وسام صليبا ودوري السمراني. فخلال التمارين دخل إلى النص الكثير وخرج الكثير.
○ بعضهم قال بواقعية ما نطقت به شخصيات المسرحية من خروج عن الآداب العامة وتجاوز المسموح بكثير. ماذا تقول؟
•صراحة عندما قرأت لينا أبيض النص كان هدفها أن يشمئز الجمهور مما يسمعه. عملياً نحن «خففنا الدوز» فالحقيقة تفوق ما سمعتم. نعم هكذا يتكلّم الشباب حين يكونون معاً. يمكننا الاختباء خلف إصبعنا والقول «عيب وما حلو». لم أكن بصدد الكذب وتجميل الواقع. قلت الواقع في القسم الأكبر من المسرحية، وعدت في القسم المتبقي لأعرض للجمهور المشاعر والمشاكل التي تُظهر الوجه الآخر للشخصيتين المتزوجتين في العرض. فالقسم الأول من العرض كان ممراً إجبارياً.
○ نعرف أن حجوزات المسرحية جيدة لماذا برأيك؟
•الحمد لله. ربما قلنا في مطلع الحوار أن الجمهور يضحك، ونحن في لبنان نحتاج للكثير من الضحك خاصة في أيامنا هذه. دون حسم نهائي ربما للمرة الأولى يتم الدخول إلى مشاعر وأفكار الرجال. بينما حُكي الكثير عن مشاعر النساء. خلال التمارين اعتقدنا أن الجمهور قد يبكي في بعض المشاهد، والمفاجأة أن العكس قد حصل. عملياً قد يكون الضحك تعبيرا عن الـ«ستريس». أو لأن بعض ما ورد في العرض هو حقيقة حياتهم أو حياة أحد معارفهم. بالمختصر المسرحية من الناس ولهم.
○ وماذا قال لك النقد السلبي؟
•لم أجد مشكلة في هذا النقد. أنا حيال عملي المسرحي الأول. ولا أظن أن الناس جميعها تلتقي على حب عمل ما. ثمّة نقد ينسف العمل من أساسه بما فيه الإضاءة والديكور، وعلينا تقبله. ومن يقول لي أحببت العمل كثيراً أدفشه ليشير إلى زاوية نقدية. فبهذه الطريقة نتطور إلى الأفضل.
○ نصحك أحد النقّاد بأن لا تقارب المسرح مجدداً على صعيد التمثيل؟ ماذا ستفعل؟
•ما ليس منطقياً أن يحبّ أحدهم كلّ ما يُعرض لهم، أو أن يكره بشكل قاطع. عملياً هذا هو حضوري الثالث على المسرح، وللمرة الأولى بدور كبير وبلغة لست شديد الراحة معها. أعرف تماماً أني أحتاج لبذل المزيد من الجهود كي أتطور. وهذا طموحي. وأي ناقد لديه نصيحة عملية، أو يمكنه إعطائي دروساً في التمثيل فأنا مستعد.
○ ختاماً؟
•فرح جداً من ردة فعل الجمهور. وأمس فتح باب الأسئلة بين الجمهور والممثلين والمخرجة. وصودف وجود معالجة نفسية اشتركت في الحوار فأغنته. استمرّ النقاش 25 دقيقة بعد العرض. كما ناقش الجمهور بعضه بعضاً. حوار بحضور 200 شخص ليس سهلاً. خاصة وأنه يتناول الحياة الزوجية، الخيانة والعائلة. يومياً سيكون نقاش بين الجمهور، ومع الممثلين والمخرجة. فرأي المعالجة النفسية شجّع على هذا القرار.