الرياح السموم في الخارج تذري بي وأنا أدفع نفسي ضدها فتنثر في وجهي ترابا لا أعرف كيف سافر وجاء إليّ وكأنّه الهشيم، جفّ فخفّ حتى طار. تذكرت الآية الكريمة «وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيما تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ» (الكهف 45). ما الذي يجعلني وأنا أعاني العَنَتَ من التراب، إذ تذروه الرياح في وجهي، وأنا بلا لثام أستحضر هذه الآية المخزنة في الذاكرة الحافظة؟
كان أجدادنا يقولون إن الشيء بالشيء يذكر؛ لكنّي لا أعتقد أنّهم كانوا يقصدون هذه الوضعيّة المعقّدة التي أنا فيها فأنا لم أسمع الفعل (ذرى) لكني وأنا أعيش هذه الوضعية سميّتها بيني وبين نفسي، وأنّي استطردت من تسميتها إلى أن نشَّطت المقطع من آية الذكر الحكيم المذكورة.
موضوع الذاكرة في علم النفس العرفاني موضوع مهمّ والذاكرة تعني فيه العمليات النفسية التي تتمثل في اكتساب المعلومات وتخزينها وتنشيطها متى دعت الحاجة إليها. ليست هذه العمليات آلية فمن الممكن أن نفشل في تشفير المعلومات أو في تخزينها أو في استحضارها ونستحضرها بشكل مشوّه. استعادتي للآية المذكورة من الممكن ألاّ تكون بالشكل الذي حفظتها به؛ وأن أخطئ في الاستحضار فذلك أمر قد يمسّ العقيدة ويتطلب الغفران.
لاستحضار المعلومة قداسة، وفي بعض الأحيان قد يقود استحضار المعلومة المخزنة خطأ إلى عقاب أو سوء تقدير. نحن لا نتكلم ههنا عن الامتحانات المدرسية المبنيّة على الحفظ، بل عن توجهنا إلى شخص يشبه الذي نعرفه ونعتقد أنّه هو فيقابلنا ببرود وننسحب من أمامه معتذرين. أغلب الوقت يكون ذلك الشبه من قلّة تسجيل التفاصيل واستحضارها، أو من التسرع في الإقبال المندفع على الشخص الخطأ، لكنّ هذا الخطأ لا تقع فيه أمّ التوأم رغم التطابق بينهما إلى درجة التماثل. حين استرجعت الآية من الذاكرة فعلت ذلك اعتمادا على قادح، فأنا قد استجلبتها من خارج نطاق الوعي إلى الإدراك الواعي. لا يوجد نوع واحد من الذاكرة، فهناك ذاكرة قصيرة المدى لا تدوم غير عشرين أو ثلاثين ثانية، وهي تساعدنا في معالجتنا للأنشطة العملية التي نكون في طور إنجازها. فأنا مثلا حين أتكلم أو أكتب لا أستطيع أن أتذكر إلا الكلمات أو الجمل التي أنطق بها أو أكتبها الآن. وأن أسجل ما قيل لي من زمان وأسترجعه من جمل، فذلك لا يكون إلا بعد أن أخزنها في الذاكرة ذات المدى الطويل: أخزّنها على مدى ساعات أو أيام أو سنوات.. حين كنّا صغارا وحين كانت تبكينا الأشياء البسيطة، كان من يريد أن يسكّن من همّنا يقول: سوف تكبر وتنسى! يعتقد من يقول ذلك أنّنا لن نخزّن ذلك الذي أبكانا أو أشجانا في الذاكرة ذات المدى الطويل.. لكنّنا كبرنا ونسينا شيئا وظللنا نتكر أشياء، أوّلها الجملة نفسها: سوف تكبر وتنسى!
يقول المختصّون إن الأحداث المؤلمة هي التي تكون أعلق بالنفوس، وأكثر حفظا في الذاكرة، لأنّ الإثارة البيولوجية في هذه الأحداث تكون أكبر وأشد تلبّسا بالذاكرة. بالطبع أنا حين تذرو الرياح التراب في وجهي لن أظلّ أتذكّر هذا الحدث إلا إذا، لا قدّر الله، دخل شيء منها إلى عيني وأضرها، أو إذا سقطت سقوطا مؤلما مؤثرا.. أمّا أن تذرو الرياح ترابا في وجهي فما أكثر ما واجهت صفحة وجهي مثل هذا التراب المذريّ فما الذي أنسى منه وما الذي أذكر؟ حين أفتح عينيّ وأغلقهما لأرى موجة التراب واتجاهها أكون قد استخدمت الذاكرة الحسية البصرية التي لا تسعفني بحفظ معطيات المشهد إلا لنصف ثانية ويمكن أن أعتمد على سماع الريح، وهذه ذاكرة بصرية أخرى لا تدوم غير ثلاث أو أربع من الثواني. أمّا إذا أردت أن أحمي عينيّ من خطر التراب المذريّ وأحميها بيدي، فأنا عندئذ أستعمل ذاكرة العمل وهي معلومات قليلة تساعد على معالجة موقف، أو على حل مشكل طارئ فهي تستخدم في تنفيذ المهام العرفانية.
في القسم الباقي من هذا المقال سوف نصرف النظر إلى نوع من الذاكرة لها صلة بالمعلومات المحفوظة على المدى الطويل، وهي الذاكرة الدلالية Semantic memory. هي ذاكرة واعية من الذاكرة ذات المدى الطويل مخصصة للمعنى والفهم والحقائق التصورية للكون. حين تذكرت على سبيل المثال أن فعل الريح وهي ترميني بالتراب هو (ذرى أو ذرا) وصرفت الفعل في الوجهين فذلك من فعل الذاكرة الدلالية. والدي الذي لا يعرف الفصحى ولا أفعالها لا يمكن أن يستحضر هذا الفعل ولا يصرفه لكنّه يمكن أن يستحضر من العامية التونسية فعلا يشبهه وهو (يِذْري أو يذَرِّي ) في سياق آخر غير هذا السياق. هو يتعرف على الفعل بذاكرته الدلالية التي في العامية التونسية وأنا أتعرف على الفعل من اللغة الفصيحة، وبالطبع فحين أتحدث باستعمال ريح وتراب فإنّي أستعمل الذاكرة الدلالية.
وحين أستحضر اسم الريح فأنا لا أستحضره اسما، بل استحضره شكلا عاما وأستحضره وظيفة فالريح ليس سائلا، وهو لا لون له وليس مرئيا، وله وظائف ما يعنيني منها الآن أنّه يحمل التراب ويذروه على وجهي.
وحين أستحضر اسم الريح فأنا لا أستحضره اسما، بل استحضره شكلا عاما وأستحضره وظيفة فالريح ليس سائلا، وهو لا لون له وليس مرئيا، وله وظائف ما يعنيني منها الآن أنّه يحمل التراب ويذروه على وجهي. يمكن أن أدرك الريح بصرا ولمسا وسماعا. فهذه معطيات اكتسبتها وخزّنتها بالاعتماد على انتمائي الثقافي المشترك مع البشر الذين يعرفون الريح بشكلها ووظائفها، لذلك سيتعجب الكائن الوافد على أرضنا من شيء اسمه الريح إذا لم يكن لديه في كوكبه الآخر هذا الوعي الدلالي بهذا الكيان.
ومن جهة أخرى فإنّ استحضاري الآية الكريمة هو أيضا جزء من الذاكرة الدلالية، فمن الممكن أن أتذكر الآية السابقة من سورة الكهف وأتذكر معها جزئية ترتبط بحياتي الخاصة كتذكّري أنّي حفظتها على يدي معلمي أو أستاذي حين سرد علينا تأويلا لها أعجبني. أنا استحضرت الآية في سياق ذاكرة شخصيّة تسمّى ذاكرة عَرضيّة Episodic memory وهي ذاكرة تسمح لنا أن نتذكّر وبشكل واع التجارب السابقة، ربّما استخدمت في سرد استباقي لأحداث ستقع. وهذا الضرب من الذاكرة يختلف عن الذاكرة الدلالية التي لا تصاحب فيها للمعلومات المتذكرة مع معلوماتنا الشخصية؛ فعلى سبيل المثال إن تذكرت الريح وشعرت بشيء من القلق فهذا يندرج في الذاكرة العَرضيّة، لكني لو تذكرت الريح بلا أيّ لوازم أو عوارض ذاتية فتلك هي الذاكرة الدلالية.
أن أعرف أن الذي تذروه الريح في وجهي ليس هشيما، بل هو تراب فذلك جزء من معلوماتي التي خزنتها من الذاكرة الدلالية. المعرفة بالعالم تجعلني أميز بين هشيم وتراب، وريح تذرو الهشيم وريح تذرو التراب وهذه المعطيات الأوّلية لا علاقة بها بتأويل الآية أو بتفسيرها، كما فعل ابن كثير في قوله التالي: «يقول تعإلى :واضرب يا محمد للناس مثل الحياة الدنيا في زوالها وفنائها وانقضائها، كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض أي: ما فيها من الحَبّ، فشب وحسن، وعلاه الزهر والنور والنضرة، ثم بعد هذا كله أصبح هشيما يابسا تذروه الرياح أي: تفرقه وتطرحه ذات اليمين وذات الشمال». حين يقول المفسرّ عن الفعل تذري أي تفرق وتطرح فهو يقدّم لنا معلومات نعرفها جميعا هي جزء من الذاكرة الدلالية، أما ما فوق ذلك من تشبيه أو تمثيل أو ترميز فإنه لن يصبح جزءا من الذاكرة إلا إذا حفظناه وخزنّاه. قال الفراد دي موساي: «ما الشيء الذي هو أخف من الريشة؟ الغبار – وما الشيء الذي هو أخف من الغبار؟ – الريح وما الشيء الذي هو أخف من الريح؟ المرأة و ما الشيء الذي هو أخف من المرأة؟ لا شيء». حين تكون لا شيء أي أخفّ ما تكون ستنسى أنك كنت، وأنك أنت عندها لا معنى أن تنسى أو تتذكر ولا أن ينسوك أو يذكروك.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية