الرباط – «القدس العربي»: بدأ خريف تساقط أوراق شجرة الفن المغربي منذ مدة، وذلك بفقدان رواد الغناء والتمثيل، وحينها عاد سؤال الخلف الى الواجهة ومعه سؤال الإبداع والجودة وكل ما يحيل على زمن بهي وأصيل مليء بالعطاء المتميز.
المناسبة كانت هي رحيل الشاعر الغنائي والملحن والمغني فتح الله المغاري وقبله بيوم واحد الممثل نور الدين بكر، وهي اللحظة الفارقة التي جعلت المشهد الفني المغربي يحزن كثيرا على فقدان أسماء أسست لمعنى الإبداع الحقيقي منذ السبعينيات، هم رواد بكل تأكيد وقبلهما كان رحيل آخر موجع لأسماء من الطينة نفسها والعيار الثقيل نفسه.
بالنسبة للحالة الفنية المغربية، فإن التمثيل ليس كالغناء، لأن الأول وجد ضالته في خلف استند على تجربة الرواد وطور تجربته الخاصة التي صارت صناعة مغربية محضة، اما الثاني وهو الغناء فكلما رحل أحد قيدومي الإبداع وصناعة عصر تألق الأغنية المغربية، كبر سؤال الخلف ومعه سؤال أين تتجه الأغنية المغربية وهل بقي منها شيء من الانتماء؟
اللافت جدا أن بعض الفنانين الشباب ركبوا قبل مدة ليست بالطويلة موجة إعادة غناء مقطوعات خالدة من «الريبرتوار» المغربي العصري، لكنهم ابدا لم يتمكنوا من ان يضاهوه، بينما تمكن آخرون من أن يحجزوا مكانهم ضمن صفوة المشاهير بأغانٍ تمتح من الإيقاع الشاب والسريع وبكلمات زجلية مغربية لكنها لا تمنح للمستمع متعة وعمق الكلمات السابقة من قبيل أغاني المغاري والعلج والحداني والمفتي وسباطة رحمهم الله.
وقبل الدخول في عمق التساؤل المؤرق، لنقف عند عتبة المناسبة وهي شرط، والمتمثلة في تكرر واقعة رحيل بالمثنى لرواد الفن في المغرب.
هكذا، للمرة الثانية وفي سنة واحدة وهي 2022، يصر الموت ألا يحزن المشهد الفني المغربي بوفاة واحدة، بل رحيل مثنى للرواد، ففي كانون الثاني/ يناير أي مفتتح عام 2022، كان رحيل كل من الممثل المقتدر عبد اللطيف هلال والمخرج المسرحي عبد القادر البدوي وبين وفاة الأول والثاني مسافة زمنية لم تتجاوز 24 ساعة.
الشيء نفسه تكرر في أيلول/ سبتمبر الحالي، عندما جاء خبر رحيل الفنان نور الدين بكر وبكاه الجميع ولا زالت الدموع في مآقيها تبلل الجفون، حتى نزل نعي الفنان الرائد فتح الله المغاري.
الصدمة بدت قوية في المشهد الفني المغربي، وكان ذلك جليا من خلال التدوينات الحزينة التي غطت مساحات واسعة من منصات التواصل الاجتماعي، ويبدو أن مرد الصدمة يعود بالأساس إلى كون رحيل هؤلاء الرواد، هو رحيل مرحلة مهمة وأساسية في الفن المغربي؛ حيث إن نور الدين بكر الممثل، أسس لكوميديا اجتماعية مميزة وتغرف من معين اليومي المغربي رفقة زملائه الذين عايشوه وأبدعوا إلى جواره أجمل المسرحيات والمسلسلات وحتى الأفلام، كما أن الراحل فتح الله المغاري هو ذاكرة حقيقية للأغنية المغربية العصرية، بصم على حضور وازن في الساحة شعرا وتلحينا وحتى أداء.
هذا الرحيل الموجع، أجج سؤال الخلف، وكان لـ «القدس العربي» أن سألت فنانين مغاربة، عن المستقبل بعد غياب السند المؤسس.
التصريحات التي استقتها «القدس العربي» خصصت لشق الأغنية، بما ان المشهد برمته في خضم البحث عمن سيخلف الرواد الذين غادروا إلى دار البقاء وتركوا بيننا إبداعهم ليتم تطويره وليس اجتراره وتذكره فقط.
بالنسبة للملحن وعازف العود الشهير بالمغرب، محمد الأشراقي، استهل تصريحه بوصف الراحل فتح المغاري بـ «فارس الزجل الغنائي بامتياز»، مؤكدا أنه كان يبدع كلمات الأغاني «بلغة لا يجاريه فيها أحد، له أسلوبه الفذ في نظم الكلام الذي يعده للغناء فيسهل الأمر على الملحن أي أنه يمنح النص لملحن وفيه حركية وإيقاع.»
وانتقل الأشراقي إلى الحديث عن الفراغ الذي سيخلفه رحيل المغاري وقبله أسماء رائدة أخرى، وقال بنبرة حزينة، «بطبيعة الحال سيترك هذا الهرم المبدع الكبير والعميق في تجربته فراغا مهولا في المجال الفني خصوصا أنه كان يبدع نصوصه بلغة غنية بالصور الشعرية البليغة وبتأملنا لكل نص من نصوصه نجد مواقف ومشاهد في منتهى البلاغة.»
استفاض المتحدث في سبر أغوار إبداع الراحل المغاري، وأشار إلى أن «الجانب الابداعي الآخر وهو اللحن والغناء»، كان للراحل فيه «باع طويل».
وفي إحالة على أصالة الإبداع لدى المغاري، قال الأشراقي «إن الملحنين وخاصة عبد الرحيم السقاط وعبد الله عصامي وجدوا في صوته خامة تحيل على (التمغربيت)» (الهوية المغربية)، إضافة إلى أنه «لحن أيضا وأبدع مستقيا ومستوحيا لحنه من أهازيج مغربية من مختلف مناطق بلدنا الحبيب، ويبقى نشيد (نداء الحسن) من أروع ما قدم للمشهد الغنائي الوطني.»
وفي استشرافه للمستقبل، أكد أن «أعلاما من هذا العيار سيترك غيابها فراغا كبيرا»، وهنا توقف المتحدث ليعبر عن أسفه في عدم التفكير «جديا في الخلف».
واستطرد قائلا إن «الجو الفني العام لا يوفر الشروط للاستمرار في هذا النهج الإبداعي الجميل»، متمنيا «تدارك الأمر وإلا سنظل نسبح في الميوعة.»
وكخاتمة لجوابه على سؤال الأفق في الأغنية المغربية، وجه الأشراقي دعوة إلى توثيق أعمال ونصوص الراحل فتح الله المغاري، وهي «ضرورة ملحة ليستفيد الجيل الجديد من تجربة الرواد الكبار.»
الفنان توفيق عمور، الذي يوجد على رأس النقابة المهنية المغربية لمبدعي الأغنية، قال في تصريح لـ «القدس العربي»، إن وفاة الفنان فتح الله المغاري أحد «الأغصان المتينة والمورقة لشجرة الفن المغربية»، هو رحيل «لفنان قيدوم ورائد.»
عمور الذي نعى بكلمات بليغة رحيل فتح الله المغاري، لم يكثر من الحديث عن المستقبل وعن الخلف وعن مثل هذه التساؤلات المقلقة، فقط اكتفى بالمعنى وهو خبير في ذلك حين ختم تصريحه بالترحم على «الفنان الفقيد فتح الله لمغاري واطال الله في عمر من مازالوا بيننا من المبدعين الحقيقيين.»
لم يكن التركيز على كلمة «المبدعين الحقيقيين» من قبيل المصادفة اللغوية، بل تحيل على قلق المشهد الفني عامة والغنائي خاصة من المبدعين الذين سيخلفون الرواد الذين ترجلوا عن صهوة الإبداع، وهو سؤال مشترك لدى أغلب الفنانين والإعلاميين والمتتبعين للنبضات الأغنية في المغرب.